14 December,2018

نصيحة فاتيكانية: اتصلوا بواشنطن لمعالجة أزمة النازحين إذ لا عودة للسوريين قبل الوصول الى حل سياسي ثابت!

لم يكن مألوفاً أن ترافق أحبار الكنيسة المارونية الى روما لزيارة الأعتاب الرسولية، مجموعة من العلمانيين لأن هذه الزيارة مخصصة عادة للبحث في الشؤون الدينية وفي أداء الكنيسة المارونية ومطارنتها وأساقفتها، خصوصاً عندما تكثر <التقارير> في حق رجال الإكليروس وتضج بها الدوائر البابوية!

إلا أن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي <ابتدع> تقليداً جديداً حين أوكل الى المؤسسة المارونية للانتشار دعوة عدد من النواب المنتمين الى أحـزاب وكتل مختلفة لـ<مرافقة> البطريرك في زيارته الرسولية وعمل على تأمين لقاء مع البابا فرنسيس لهذه <الجماعة>، وهو ما لفت البابا اليه في كلمته أمامهم حين قال إن مثل هذه الخطوة تحصل للمرة الأولى، لكنه مع ذلك وافق على حصولها وقال للحاضرين كلاماً لافتاً. إلا أن اللقاء مع <العلمانيين> لم يحل دون لقاء مع البطريرك والمطارنة على انفراد والذي أشارت المعلومات التي وردت من روما بأن البابا وضع خلاله <النقاط على الحروف> متحدثاً عن <ممارسات> يجب أن تُقلع عنها الكنيسة وأحبارها، داعياً إياهم الى الاقتراب أكثر من الناس و<التواضع> مذكراً بما قاله يسوع خلال وجوده على الارض قبل صلبه. وذهب الاب الاقدس – وفق المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> – الى حد لفت البطريرك الراعي والمطارنة الى ضرورة التزام القوانين والأنظمة الكنسية وعدم استغلال المواقع الدينية التي هم فيها من أجل تحقيق مكاسب لا تستفيد منها الكنيسة ولا أبناء الرعايا الذين يشعرون بـ<غربة> عن رعاتهم نتيجة ممارسات معينة أوحى البابا في حديثه ان تفاصيل كثيرة وصلت عنها الى الدوائر البابوية.

 

إجراءات على الطريق!

 

وفيما تؤكد المعلومات أن خطوات أخرى ستلي <ملاحظات الحبر الأعظم> ستبلغ الى الكنيسة المارونية في وقت لاحق، عُلم في هذا السياق أن الإجراءات التي اتخذها الكرسي الرسولي بتسمية <زوار رسوليين> على عدد من الرهبانيات اللبنانية ستتوسع بحيث تشمل أبرشيات مارونية معينة وذلك بهدف الاطلاع على أوضاعها والتحقق من معلومات وصلت الى روما عن أعمال لا تأتلف وتوجهات البابا وتعاليم الكنيسة. ومثل هذه الأمور التنظيمية سيكون لها الحيز الواسع في التواصل بين بكركي والفاتيكان في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن <الجو> الذي أتى به رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ساندري الى بيروت قبل أسبوعين، كان مختلفاً عن <الأجواء> التي كان المسؤول عن الكنائس الشرقية يأتي بها الى بيروت في السابق!

في أي حال، وبعيداً عن <الملاحظات> البابوية التي أُبلغت الى البطريرك والمطارنة والتي ستبقى بعيدة عن الإعلام عملاً بمبدأ التحفظ المعتمد في الكرسي الرسولي، فإن اللقاءات التي شارك فيها <العلمانيون> مع البابا فرنسيس أو وزير الخارجية المونسنيور <بول ريتشارد غالاغر>>، حفلت بالمواقف التي جعلت أعضاء الوفد اللبناني، العلماني والكنسي على حد سواء، يخرجون بانطباعات غير متفائلة لاسيما في ما خص الوضع الاقليمي وملف النازحين ومستقبل لبنان. وفي هذا السياق، قالت مصادر نيابية أن البابا حرص على الترحيب بأعضاء الوفد العلماني <لتسمعوا الشكوى على مطارنتكم>، متحدثاً بإسهاب عن العلاقات المسيحية – الاسلامية في لبنان، <البلد النموذج> الذي حقق <تعايشاً صلباً بين المسلمين والمسيحيين مثل أرز لبنان، لافتاً الى أن هذا التعايش هو عنصر اساسي في التوازن الوطني. ونوّه البابا بالرعاية التي قدمها لبنان ولا يزال للنازحين السوريين الذين هربوا من جحيم الحرب السورية، مع إدراكه لحجم التداعيات التي تركها هذا النزوح على الوضع في لبنان من مختلف جوانبه. وكان لافتاً في الكلمة التي ارتجلها البابا، استعماله عبارة العيش بين <المسيحيين والمسلمين السنة والشيعة> لأنها المرة الأولى في خطب الباباوات التي يتم فيها الحديث بالتفصيل عن السنة والشيعة، في حين كانت العبارة المستعملة دائماً هي <المسلمون> من دون أي ذكر لأي شكل من إشكال المثالثة.

صراحة وزير الخارجية…!

 

وما لم يقله البابا في موضوع النازحين السوريين، صارح به وزير الخارجية المونسيور <غالاغر> الوفد العلماني اللبناني الى حد <صُعق> أعضاء الوفد حين قال لهم بوضوح لا لبس فيه ان المجتمع الدولي لا يريد عودة النازحين الى بلادهم! هكذا بكل بساطة شرح <غالاغر> الموقف بـ<واقعية> بعدما قال للنواب ان البابا أعطاهم <رسالة أمل وتسامح وتشجيع ومحبة>، وأضاف: <أريد أن أصارحكم بكل محبة وصدق، الوضع اللبناني يحتاج الى عناية فهو غير سليم. تسمعون كلاماً كثيراً حول النازحين وإمكانية عودتهم. أنا أود أن أصارحكم أن هذه العودة لن تحصل على النحو الذي تتمنونه وقاله لنا رئيس الجمهورية وهو على حق… لكن المجتمع الدولي لا يزال حذراً من هذه العودة في الوقت الحاضر، وكل ما تسمعونه غير ذلك من الدول عليكم التدقيق فيه. أنا أقترح عليكم أن تذهبوا الى واشنطن للبحث في هذه المسألة الحساسة، لأن المجتمع الدولي غير جاهز بعد للدخول في هذه المغامرة. ثمة معطيات تقول إن الرئيس الاسد الذي سيبقى رئيساً لبلاده حتى إشعار آخر لا يمانع في أن يمارس سلطته على شعب أقل عدداً مما كان عليه قبل الحرب السورية، وان الحل السياسي الانتقالي لن يتحقق قريباً وفق المعطيات الموجودة لدينا، وعودة النازحين لن تكون متيسرة تبعاً لذلك قبل الوصول الى هذا الحل. واشنطن لا تزال تعارض عودة النازحين، لم تعطِ أية إشارة ايجابية عندما راجعناها بالموضوع، كما لم نسمع أية إشارة مماثلة من أية دولة. الدول تتأثر بالتوجه الاميركي، لذلك يجب عليكم محاورة الأميركيين للوصول الى رؤية عن موعد ممكن لعودة النازحين الى بلادهم>.

وبعد توقف قصير حدّق <غالاغر> في وجوه المستمعين اليه، قال: <كيف هي علاقات لبنان مع ايران؟ وهل كل الفئات اللبنانية على صلة بالإيرانيين؟ لا تقللوا من تأثير ايران ونفوذها في المنطقة وعليكم أن تحسبوا حسابها في أي تحرك من أجل التوصل لحلول لأزمات المنطقة. تأثير إيران واضح في الملفات العربية الشائكة حالياً وعليكم متابعة مواقف طهران خصوصاً بعد العقوبات التي تُفرض عليها>.

أما في الشأن الداخلي فكان <غالاغر> بصراحة متناهية إذ دعا النواب الى أن يعالج اللبنانيون مشاكلهم مع بعضهم البعض لأن الوضع في المنطقة خطير وقال: <كونوا متيقظين لأن عليكم مواجهة تحديات كثيرة، لا تهملوا علاقاتكم مع بعضكم ولتكن كلمتكم موحدة. نحن سنعمل كل ما في قدرتنا لنساعد لبنان لكن وحدنا لن نكون قادرين إذا لم تكن الأرض متجاوبة، أي إذا لم يكن اللبنانيون على قدر ما هو مطلوب منهم. الفاتيكان لا يحمل عصا سحرية لكنه قادر على المساعدة. والتعاطي بواقعية مع الأزمات المتلاحقة هو المخرج السليم والمفيد، فسيروا بهدي وحدتكم فهي خشبة خلاص لبنان ولو تأخر هذا الخلاص>.

المبادرة الروسية <غير محظوظة>!

 

وفي معــــرض رده عن أسئلة الحاضرين، لفت المونسنيور <غالاغر> الى خطورة نسبة الولادات المرتفعة في صفوف النازحين السوريين والتي تصل الى 200 الف طفل في السنة <خصوصاً ان لبنان غير قادر على تحمل هذا العدد>. وعندما سئل عن المبادرة الروسية لإعادة النازحين ومدى نجاحها، رد وزير خارجية الفاتيكان على نحو فهم منه الوفد اللبناني أن المبادرة <غير محظوظة> في التوقيت الراهن، وزاد بـــأن الدولـــة السوريــــة غير قادرة على استيعابهم في مناطقهم المدمـــرة.

في أي حال، زيارة البطريرك الماروني وأساقفة الطائفة للأعتاب الرسولية برفقة وفد علماني، فتحت الباب أمام دخول بابوي مباشر على ملفات الكنيسة المارونية، لاسيما رعاة الأبرشيات من مطارنة ومعاونين، وهذا الأمر اعتبر عاملاً إيجابياً من أجل كنيسة أكثر التصاقاً بناسها، وبهدف جعل الرعاة أكثر قرباً من أبناء ابرشياتهم. إلا أن الذين يعرفون طبيعة العمل في الفاتيكان يؤكدون أن ما قاله البابا للبطريرك والأساقفة خطوة أولى في مسيرة إصلاحية للكنيسة المارونية في لبنان والعالم، فإما أن تتولى بكركي العملية الإصلاحية، وإما فإن الكرسي الرسولي لن ينتظر طويلاً، لاسيما وأن البابا فرنسيس له ثوابت لن يقبل على أي كان أن يتجاوزها!