19 November,2018

نساء في السلك الأمني وسلك الطيران تحت قــوس التكريــم في قصـــر الصنوبــــر

1 بقلم عبير انطون

 

كلنا للوطن، رجالاً ونساء ايضاً، شامخات تماماً كما الضباط الإناث اللواتي جرى تكريمهن لمناسبة يوم العلم اللبناني في الواحد والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من على درج قصر الصنوبر حيث اعلن الجنرال <غورو> دولة لبنان الكبير في العام 1920، وذلك من خلال <المبادرة الوطنية لمئوية لبنان الكبير> التي تترأسها النائبة بهية الحريري تحضيراً لاحتفالات المئوية في العام 2020. نساء رائدات في الاسلاك العسكرية المختلفة من قوى الأمن الداخلي، الامن العام، امن الدولة، الجيش اللبناني، الطيران المدني فضلاً عن نساء في قوى <اليونيفيل> حملن السيف والقلم والقرارات التي جعلت السلك بوجودهن يزداد مناقبية وانتاجية، وبين المكرمات من يتولين أدق المهمات في عملهن. فمن اجدر منهن بحمل الشرف والتضحية والوفاء شعارا، هن من نشأن على هذه الفضائل بالفطرة وعمقنها بالاكتساب؟

 

لا استسلام!

اجمع الموجودون في قصر الصنوبر حيث غاب عن مقره السفير الفرنسي <ايمانويل بون> لاسباب شخصية الذي سافر الى العاصمة الفرنسية التي تلملم جراحها بعد التفجيرات الارهابية، على اهمية دور المرأة في شتى المجالات وبينها طبعاً المؤسسات العسكرية حيث يشكلن نموذجاً لبنانياً رائداً. النائبة بهية الحريري التي فكرت بإلغاء مناسبة الذكرى الخامسة والتسعين لمئوية لبنان الكبير للمرة الثانية بسبب ما يحدث في لبنان والعالم، عادت عن الفكرة لسبب شرحته بنفسها: <بادرت للاتصال بالسفير الصديق <ايمانويل بون> لأعزيه وكنت اعتبر ان إلغاء لقائنا هذا سيكون واجباً علينا مشاركة منا لأصدقائنا في فرنسا في أحزانهم ومصابهم، ففاجأني السفير بشجاعة الأمل التي يمتلكها تجسيدا للإرادة الصلبة من فخامة الرئيس <فرنسوا هولاند> والحكومة الفرنسية ومجلسها الوطني بالتمسك بفرنسا التنوع والإنفتاح والثقافة والتقدم، فكان جواب السفير أن إلغاء هذا الاحتفال يُعتبر نجاحاً لليأس واليائسين الذين يريدون ضرب ثقافة الأمل والنجاح والتقدم والإزدهار والانفتاح، وها نحن اليوم نلتقي بفضل إرادة شجاعة الأمل وعدم الاستسلام لليأس والإحباط لدى فرنسا صديقة لبنان الكبيرة التي يمثلها في لبنان السفير <ايمانويل بون> ممثلاً بالقائم بالأعمال السيد <آرنو بيشو> وطاقم السفارة في لبنان، لنتمثل جميعاً بهذه الإرادة الخلاقة والقوية بالإحتفاظ بالمكتسبات للشعب الفرنسي في بناء دولته الحديثة على مدى مئات السنين>، داعية الرئيس <فرنسوا هولاند> لزيارة لبنان في اقرب وقت ممكن.

 السيدة لمى سلام عقيلة رئيس الحكومة تمام سلام وممثلته في التكريم عبرت عن اعتزاز اللبنانيين بكل من ترتدي بزة الشجاعة والوطنية، والرئيسة العامة للراهبات الانطونيات المارونيات ممثلة البطريرك الراعي الاخت جوديت هارون اكدت انه حان الاوان لتؤدي المرأة دورها كاملاً، مستعيرة من الكاتب الروسي <دوستيوفسكي> ما قاله يوماً بأن <الجمال سيخلص العالم> راجية الله ان يحفظ لنا <وطن الحب فليس في الحب حقد> بحسب قول الكبير سعيد عقل. ولم تكن كلمات كل من القائم بالاعمال الفرنسي السيد <ارنو بيشو> والمنسقة الخاصة للامم المتحدة في لبنان <سيغريد كاغ>، فضلاً عن حضور السيدة رباب الصدر ودعمها سوى تأكيد على ثقافة الحياة والانفتاح وتأكيد على دور المرأة الاساسي والجوهري في نشر السلام وثقافته.

2 زميلات مشرّفات..

في هذا السياق، تحدثت <الافكار> الى كل من رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الامن الداخلي المقدم جوزيف مسلم والكابتن الطيار الأولى في الطيران المدني في لبنان والشرق الاوسط رلى حطيط متناولة تجربتها الفريدة.

تحدث المقدم جوزيف مسلم لـ<الافكار> عن اهمية تكريم زميلات له في السلك العسكري وطريقة التعاطي معهن .بالنسبة للرتب، فإن رتبة رائد تُعتبر اليوم الاعلى في قوى الأمن الداخلي وتحملها كل من الرائدتين سوزان الحاج وديالا المهتار، فيما يصل عدد الرتب الاخرى الى عشرين تتراوح بين ملازم اول(9) وملازم (11) هن بغالبيتهن ضباط اختصاص من خلفيات ومجالات مختلفة في الطبابة والصيدلة والادارة وعلوم الكومبيوتر وغيرها. ويؤكد مسلم انهن اثبتن جدارتهن وحبهن للعمل وهن يتميّزن بالصبر وبالمناقبية العسكرية حيث لا فرق بين ذكر وأنثى في ميدان هو في المبدأ مضمار ذكوري. ويضيف مسلم ان دخولهن الناجح أعطى طابعاً جميلاً لعمل الامن الداخلي ما حقق مبدأ المساواة وكسر احتكار الرجل لهذا المضمار.

وحول مهمات قد تُستبعد عنها الاناث لسبب او لآخر يقول مسلم: <في المبدأ تم تدريبهن على بعض الأمور العسكرية، الا انهن كضابطات اختصاص لا يُطلب اليهن كل التدريبات العسكرية المقررة وهن يشاركن بفعالية في بعض الحالات، واتحدث هنا بشكل خاص عن العناصر من غير الضباط اللواتي ينفذن مهمات عملانية صعبة ودقيقة على الأرض. فالعناصر الاناث، الرقيبات والدركيات حاليا تم تدريبهن على المواد والمقررات تماماً كما العناصر الذكور وقد احتلت بعضهن المراتب الأولى، اذ يضم المعهد في منهاجه مواداً عسكرية ومسلكية وقانونية وكتابية ورياضية ومن حللن في المراتب الاولى كن من الاناث>.

 ويشير مسلم انه في مكتب جرائم المعلوماتية والملكية الفكرية هناك ضابطان من الاناث احداهما رئيس المكتب الرائد سوزان الحاج، وهما تقومان بأعمال عملانية من ناحية التحقيق والمداهمات والتوقيفات. وعما اذا كان تحقيق الضابط- السيدة اكثر دقة من تحقيقات الضابط الرجــــل كونهــــا تهتــــم بالتفاصيــــل الصغــيرة نفـــى مسلم ان يكون الأمــــر كذلك، فالنتائج لا تخضع هنا لمعايير الذكور والانـــــاث انما للمنطــــق والتحليــــل والاستنتاج، مشيراً الى ان نسبة الثقافة عالية في قوى الامن الداخلي حيث تتميز المنتسبات اليه بحب العطاء والتضحية والثبات والمناقبية العسكرية والالتزام بالمبادئ والاخلاقيات.

وعن علاقة المرؤوس برئيسته الانثى يؤكد مسلم ان الجميع يتقبلها، وقد اضحت عادية أكثر اليوم مع وصول الاناث الى رتبة رائد في السلك، وهن يخضعن للتراتبية العسكرية تماماً كما الرجل. فطبيعة العمل الاداري تقضي بأن يكون على رأسه مسؤول يديره بغض النظر عما اذا كان رجلاً او انثى وليس على العنصر سوى الالتزام والاحترام ويكون ذلك دائماً متبادلاً.

وعن معاونات له في مكتبه في قسم العلاقات العامة وعلاقته بهن، يشير مسلم الى انهن رقيبات في قوى الامن الداخلي وهن من العناصر الناجحات جداً، معظمهن مسؤولات عن مواقع التواصل الاجتماعي وأظهرن اتقاناً في عملهن مع مستوى علمي عالٍ جداً يفوق المطلوب حتى، ولديهن مبادرات وأفكار يعرضنها، فتُدرس ويؤخذ بالكثير منها.

4 الطيار.. رلى   

بالانتقال الى المكرمات التقت <الافكار> بكابتن الطيران الاولى في لبنان والشرق الاوسط رلى حطيط التي كانت بين المكرمات عن فئة <الطيران المدني> وقد خصتنا بحديث مشوق عن رحلتها مع عالم الطيران وأجوائه التي لا تبدو صافية جداً في مثل ايامنا حيث التحديات عديدة.

تقول رلى :

– دخلت الطيران من باب التحدي وليس من باب الامنيات بالتحليق وما الى هنالك، وليس من سبقني من عائلتي الى هذا المضمار. زوجي ايضاً كابتن طيران وقد دخلنا المهنة معاً، وانضم الينا اخي بعد عشر سنوات. بعد حصولي على شهادة الرياضيات في الصف الثانوي النهائي، انتسبت الى اختصاص الرياضيات في الجامعة الأميركية. ذات يوم دخل احد الزملاء الى الصفّ متأبطاً صحيفة <النهار> ويسخر من إعلان قرأه على مسامعنا، وفيه ان شركة <ميدل ايست> تطلب فتياناً وفتيات للتدرب على الطيران، متسائلاً كيف يمكن للمرأة ان تقود طائرة وهي لا تعرف قيادة سيارة، متحدثاً بتهكم مليء بالأفكار المسبقة والتقليدية عن المرأة، ما استفزني جدا فتحديته قائلة: <لنتقدم الى الامتحان سوياً ونرى من ينجح بيننا>، وأذكر هنا انني تلقيت من الرئيس الشهيد رفيق الحريري تكريما ودبوسا ذهبيا لحيازتي أعلى معدل بين كل جامعات لبنان خلال سنتي الدراسية الاولى في الجامعة>.

وتضيف رلى في رحلة حنين الى ذكرياتها الاولى مع عالم الطيران والتي شجعتها عليها الوالدة بالدرجة الاولى:

 – المرة الاولى التي ركبت فيها طائرة هي التي سافرت فيها لدراسة الطيران. تقدمت الى الامتحان- التحدي، وكنا ألفي شخص، نجح منا تسعة، لم يكن زميلي المتهكم بيننا، وقطفت المرتبة الاولى في العام 1993.

 وعن اصعب الرحلات على مدى عشرين عاماً من العمل المستمر حتى اليوم، تجيب الكابتن حطيط:

– كل الرحلات صعبة ولها مسؤولياتها ولا يمكن الاستخفاف بأي تفصيل. ما من رحلة تشبه الأخرى من حيث الطاقم والطقس والركاب وما يمكن ان يدور فيها. اليوم تحديداً (السبت الماضي) كانت لي رحلة الى الكويت مختلفة تماماً عن التي سلفت، مع تعديل مسارات الطائرات المدنية عقب البرقية من البحرية الروسية التي تطلب عدم استخدام المجال الجوي المقابل للأراضي اللبنانية ضمن مساحة وارتفاع محددين، ابتداء من منتصف ليل الجمعة – السبت، بهدف القيام بمناورات بحرية، لمدة ثلاثة أيام ما جعلنا نغيّر المسار. وتؤكد رلى ان لكل رحلة صعابها مستذكرة المرة الاولى التي تسلّمت فيها القيادة عن الطيار في الجو في رحلة الى جنيف حيث اختلطت عليها كل مشاعر الشغف والترقب والتركيز. كذلك فقد استرجعت مغامراتها في <مكسيكو> عاصمة المكسيك حيث هبطت في مطار قرب بركان مشتعل، فضلاً عن رحلة قامت فيها بالهبوط على بارجة كي تنزل جنوداً.

3وحول التحديات الامنية، من خطف او قنابل وغيرها وكيفية التعامل الفوري معها، تشرح الكابتن حطيط:

– نحن نخضع لامتحانات دورية كل ستة أشهر تشتمل على فحوصات الصحة والطيران وامتحان <السمولايتر> (مشبه تدريبي على الطيران) والمعني به وضعنا في كل ما يمكن ان يستجد داخل الطائرة والتدريب حول كيفية مواجهته حتى نكون محتاطين ومدربين وعلى جهوزية تامة. هذا الامتحان يجري على مدى يومين لاربع ساعات في كل يوم يتم خلاله تقييم ادائنا وطريقة معالجتنا للطوارئ والمشاكل التي قد تنشب، وتكون النتيجة اما بالنجاح او بالرسوب فلا <بين بين>، وبين هذه الطوارئ التدرب على مواجهة خطف طائرة او وجود قنابل او متفجرات، وطبعاً نتدرب ايضاً على إيجاد حلول للمشاكل التقنية، كعدم نزول دواليب الطائرة او انطفاء المحرك او هبوب العواصف العاتية .

وترفض الكابتن حطيط الرجوع الى اي طارئ حدث معها، فهذا ممنوع حتى لا يدب الذعر ويثير قلق المسافرين مؤكدة: <الحوادث لا أتحدث عنها حتى لا تخاف الناس>. وبثقة تؤكد: <كله محلول>!

 وعلى لائحة الممنوعات المهنية ايضاً، ان تسافر الكابتن ( المولودة في العام 1973) مع زوجها الكابتن ايضاً في رحلة واحدة، والأمر سيان بالنسبة لأخيها الطيار. تجدها سعيدة بما وصلت اليه، هي التي قادت الطائرة بعمر الرابعة والعشرين وتعتز جداً بالتكريم الثاني لها من عائلة الحريري. لقد قطفت ثمار تعبها وهي الكابتن الاولى الوحيدة على امتداد الشرق الاوسط كله، كونها <كابتن طيران> مع زميلة لها في المملكة الاردنية الهاشمية وكابتن طيار مساعدة في سوريا.

تؤكد حطيط ان مهنة الطيار لا تحتاج الى عضلات بل الى قليل من الذكاء، وهذا موجود بالتساوي عند المرأة كما عند الرجل والمهم استثماره بالشكل الافضل.