14 November,2018

نريدهــــا حكومـــــة تصميــــم لا صــــــــمّاء  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

العيد هذه السنة من المؤمّل أن يكون عرساً وأفراحاً بدلاً من مناحة استمرت واحداً وأربعين عاماً، والأصح أن نتخذ من العيد مناسبة للتأمّل في عظم الشهادة ومعانيها وفي القيم التي من أجلها كان الشهداء، جميع الشهداء، ونقرن كل ما جرى على ارض لبنان منذ أربعة عقود بالصلاة نصعدها الى صاحب العيد.. الى <ابن المغارة>… الى الطفل الذي ولد في الشقاء لكي يفرح الآخرون ويقوم السلام على الأرض، فيمدنا بنعمة الوفاء للقيم التي شهد لها أبناؤنا الكرام وكانوا أعظم الشهود!

إن لبنان الوطن الذي نستحقه كي ينوجد، تقع على الرئيس الجديد، بالإضافة الى التبعات الاستثنائية الملقاة على كاهله، مهمات خطيرة ومتشعبة وواسعة، لعل في مقدمها إعادة بنائه ليكون جديراً بأبنائه الذين افتدوه بالمهج والأرواح وكل ما ملكت إيمانهم وما غمرت به صدورهم.

والسؤال يبقى هو هو، على الأقل منذ الاستقلال، منذ عهد الرئيس بشارة الخوري: ماذا يستطيع أن يفعل رئيس لبناني جديد؟

الحقيقة التي لا مراء فيها أن المجتمع اللبناني ما زال منقسماً الى أفرقاء، وان خطوط التمايز بين بعض أبرز هؤلاء ما زال يغلب عليها الطابع الطائفي والمذهبي.

إن الطائفية هي المشكلة الأم التي تتفرع منها أكثر منطلقات الأزمة وتشعباتها ومضاعفاتها في أبعادها الداخلية، هي المشكلة التي صدعت الجبهة الداخلية وأحدثت فجوات في جدران البيت اللبناني تسربت من خلالها عوامل التفجير من الخارج.

هي المشكلة التي حالت دون تطور لبنان بعد الاستقـــــلال مــن مجــــــرد اتحــــاد للطـــوائف والمذاهب الى وطن بالمعنى الصحيح، فبقيت روح الطائفية أقوى من روح المواطنية، وبقي الانتماء الطائفي عموماً والمذهبي بصفة خاصة أعمق في النفوس من الانتماء الوطني.

إن الحاجة الآن الى حكم يكون أولاً وقبل كل شيء فوق الخصومة: الخصومة اللبنانية، والخصومة العربية والخصومة الدولية… الى حكم سيسعى جهده طيلة سنوات ست ليكون المراقب الكبير للخصومات الثلاث.

إن الحاجة الآن الى حكم لا يحتاج ثقة أحد أو تأييد أحد، بقدر ما نحتاج نحن كباراً وصغاراً الى ثقته وتأييده ومشورته وحكمته.

قد يقال، وعن حق، إن المهمات حتى لو وجدت من هو قادر أو مصمم على تنفيذها، تبقى غير قابلة للترجمة على أرض فيها كل تناقضات العالم كلبنان، إلا أن الصحيح ايضاً ان الرئيس فؤاد شهاب استطاع بزهده أن يلبي الطموحات أو جزءاً منها في وقت قصير، بفضل حكمته والظروف الدولية التي كانت مؤاتية.

فهل الظروف الدولية اليوم مؤاتية؟

ممكن، فالعالم منشغل في أمكنة أخرى، وما على اللبنانيين إلا الانشغال بأنفسهم وتنظيم عيشهم المشترك والاستفادة من هذه الفرصة التي قد لا تتكرر، خصوصاً أن الاضطراب الدولي يتمدد ويأخذ منحى خطيراً من الشرق الأوسط الى أوروبا مروراً بتركيا…

إن التطورات الدولية تتفاعل بما لا يسمح بالتخمينات او التوقعات، فالوقت وقت مفاجآت، والانقسامات دخلت في الصراع الخطير والمصيري للجميع.

ولأن الوقت وقت مفاجآت، أصاب الرئيس العماد ميشال عون قبل حوالى سنتين عندما حذّر من تبعات التأخير بالقول: <في العادة عندما يطلق رصاص القنص يعبر المرء الشارع بسرعة حتى لا يصيبه القناص، ونحن الآن أمام مشهد مماثل، وعلينا أن نعبر طريق التسوية بسرعة تفادياً للإصابة برصاص القنص الإقليمي والدولي..>.

وفي ضوء ما تقدّم نقول انه لو كانت صيغة النظام اللبناني المعتمد صالحة لأمّنت إطار الحل الديموقراطي السليم للمشاكل قبل تفاقمها، ولكوّنت من المناعة الوطنية عند الشعب ما كان كفيلاً بصدّ المؤثرات الخارجية ومنعها من تصديع الجبهة الداخلية.

أياً تكن أسباب الأزمة والمشاكل فالبكاء على الأطلال لا يفيد، ولا بد من بداية تريد الحكومة الجديدة أن تنطلق منها:

البداية تكون <باختراع> قانون انتخاب جديد يضمن عدالة التمثيل ويؤسس لإصلاح جدي ويشكل صدمة إيجابية للجميع…

هل المسألة مضمونة؟ الناس تشك بأن يعمد صانعو القوانين الى تجربة من هذا النوع تبعدهم نهائياً عن جنة السلطة والقرار والحكم والتحكّم بالناس.. هل الحكومة الجديدة صالحة وجدية وأكثر من نصف أعضائها مرشح للانتخابات النيابية؟

هل توزيع مهمات وزارتي التنمية الإدارية والشؤون الاجتماعية على وزارات دولة محدثة للمرأة والفساد والتخطيط وحقوق الإنسان والنازحين <ضرب موفق> أم <خبط عشوائي> إرضاءً للوفاق الوطني؟

ملاحظة أخيرة وخلافاً للحملة التي شُنّت على الوزير جان اوغاسبيان نقول إن ما عجزت المرأة عن تحقيقه لنفسها يمكن أن يأتي عن طريق رجل، والرجل يمكن أن يكون أوغاسبيان المشهود له عمله العلمي والرصين… ويجب ألا ننسى أن مشكلة المرأة في الأساس ولاسيما في الشأن العام هي امرأة أخرى…