16 November,2018

نداء من وزير الخارجية الأميركي ”تليرسون“ الى اسرائيل: مـمـنـــــــوع الـتـحـــــــرش بـحــــــــدود لـبـــــــنــان!

 

بقلم وليد عوض

عبد-الفتاح-السيسي-ريكس-تيلرسون

النتائج الطبية الباهرة لأطباء أوروبا تملي علينا بأن نفكر مثلهم ونخطو خطاهم. فالإنسان الأوروبي ليس أفضل من إنسان الشرق الأوسط، والفرصة التي حصل عليها الأول، لا بد أن يعثر عليها الثاني ويكون الاثنان في فلك واحد يسبحان.

نحن الآن أمام حلول خمسة مؤتمرات من أجل لبنان: ثلاثة منها في روما عاصمة الكرادلة، وإثنان منها في باريس وبروكسل، والمحصلة هي استثمارات تصب في الاقتصاد اللبناني وتوفير فرص العمل للبنانيين في مناخ يغلب عليه طابع الاكتشافات البترولية واكتشافات الغاز بملايين الأمتار المكعبة، وكأن يداً سحرية امتدّت الى هذا البلد الصغير واختارت أن تجعله كبيراً بما يملك من مواهب طبيعية وبشرية. وأهمية الثروة البحرية التي تمّ توقيع عقودها يوم الجمعة الماضي أنها موزعة على كل لبنان، ولا تفريق بين منطقة وأخرى، لأن البحر للجميع، ومال البحر بحر. ونتذكّر في هذا الخضم آل البلطجي الذين خبروا البحر وصالوا فيه وجالوا، وأنقذوا عام 1955 ضحايا باخرة كانت مشرفة على الغرق في ساحل الأوزاعي.

وحدود الصلاحيات بين الرؤساء الثلاثة العماد ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري كانت مرسومة بدقة، إذ دعا الرئيس عون مجلس الدفاع الأعلى الى الاجتماع ظهر الاربعاء الماضي. وجاءت زيارة المبعوث الأميركي <دايفيد ساترفيلد> الذي يملك خبرة واسعة عن لبنان براً وبحراً مع شخوص الأنظار الى تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي <أفيغدور ليبرمان> وتهديده المبطن لـ<البلوك رقم 9> من الثروة الغازية في عمق البحر اللبناني. وجاء اجتماع مجلس الدفاع الأعلى لتوفير كل الفرص للجيش اللبناني الكامل التجهيز بالتصدي مع المقاومة في الجنوب لأي عدوان اسرائيلي محتمل

 وكانت استعدادات الجيش مبعثاً لاطمئنان سكان الجنوب. ولا بد أن يكون وزير المال علي حسن خليل ووزير الخارجية جبران باسيل قد وجدا في الاجتماع فسحة للمصالحة وإلقاء بقايا التجاذب السياسي بينهما في عرض البحر، وكانا جالسين جنباً الى جنب. والخلافات في لبنان تلغيها مؤتمرات المصالحة الوطنية و<كلمة منك وكلمة مني ويا دار ما دخلك شر>. ومع ختام اجتماعات مجلس الدفاع الاعلى سيطر على الجو الشعر العربي القائل: <أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن/ فهلا سألوا الغواص عن صدفاتي>.

لغز <ساترفيلد>

ولا بد هنا من وقفة عند زائر لبنان <دايفيد ساترفيلد>. فهو يبلغ من العمر 64 سنة وموجود في الوظيفة الديبلوماسية كمساعد لوزير الخارجية هذه الأيام، منذ أن كان سفيراً لبلاده في بيروت. وقد شغل منصب مكتب الشؤون العربية الإسرائيلية من عام 1996 الى عام 1998 في وزارة الخارجية الأميركية، وهذا أغنى ثقافته الديبلوماسية وهيأه لفهم كل تشنج يأخذ مداه بين لبنان واسرائيل، وعمل في منظمة دولية مستقلة مهمتها تنفيذ البنود الأمنية لمعاهدة السلام المصرية الاسرائيلية ومقرها المركزي في روما.

واختيار وزير الخارجية الاميركي <ريكس تيلرسون> الذي زار لبنان أمس الخميس، كمدقق ديبلوماسي، إنما يعني أن وزارة الخارجية الأميركية هي ضد تحرش عسكري اسرائيلي بالحدود مع لبنان، وتجاوز القرار الدولي 1701. والمفيد أن نشير الى أن اسرائيل بكل رؤساء وزرائها تنكرت للقرار الدولي الصادر عام 1949 عن مجلس الأمن ويقضي بأن تكون مساحة 44 بالمئة من أراضي فلسطين للفلسطينيين، و56 بالمئة للإسرائيليين، ولم يطعن أحد في هذا القرار وإن كان قد تجاهله ولم يحفل بمجراه.

فأين اسرائيل الآن من هذا القرار الدولي؟ وأين اسرائيل من مساحات الاستيطان في القدس الشرقية؟

رئيس المخابرات الاسرائيلية الأسبق <يعقوب بيري> يتوقع أن يكون لبنان لا قطاع غزة هو مهبط العدوان الاسرائيلي المرتقب، ورغم أن الوضع في لبنان خطير – يقول <بيري> – فإن هناك دولة وحكومة وجيشاً والحوار قائم مع عدة أطراف، فيما لا توجد في قطاع غزة أي سلطة.

مع ذلك لا يمكن الركون الى كلام <يعقوب بيري> مئة بالمئة، أوحتى ثمانين بالمئة، لأن الرجل موصوف بالكذب، وهذا الوصف دفعه الى تقديم استقالته من البرلمان بسبب تقرير يقول: <كذب ذات مرة على رؤسائه> مع أن الكذب ملح الرجال خصوصاً في اسرائيل. وهذا المسؤول المتهم بالكذب هو الآن خارج كل سلطة، وكلامه بالأمس عن بقاء لبنان خارج المنظار الإسرائيلي يبقى دون اهتمام، ولكن الاحتياط واجب.

وفي ضجيج متقطع للطيران الاسرائيلي فوق الاراضي اللبنانية يقول <اندريا تيننتي> الناطق الرسمي باسم منظمة اليونيفيل إن الجيش الاسرائيلي بدأ بالفعل أشغال بناء الجدار الإسمنتي جنوب الخط الأزرق.

والذي يزور الجنوب هذه الايام، لا يلاحظ أي تأهب عسكري من الجيش اللبناني أو فصائل المقاومة، وربما يعود ذلك الى أن التأهب العسكري لا يجري في العلن ويخضع للسرية الكاملة، وإلا كان في متناول الطيران الاسرائيلي أن يضرب هذه الاستعدادات حيث تقع.

 

اتصالات باسيل وآمال مدللي

الجدار

ويعتمد لبنان الآن ذهاباً من وزير الخارجية جبران باسيل على الاتصالات التي يجريها بالأمانة العامة لهيئة الأمم وصولاً الى أمين عام الهيئة <انطونيو غوتيرس> لبناء جدار ديبلوماسي أممي على خط الجنوب اللبناني كبديل لقوة أممية تأتي الى لبنان لفض النزاع، وإصدار قرار جديد يلزم الجانبين على الحدود بوقف إطلاق النار مثل القرار 1701.

ويعول وزير الخارجية جبران باسيل على تجربة مندوبة لبنان في هيئة الأمم المتحدة آمال مدللي بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، أي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والصين وفرنسا لمنع اسرائيل من شن العدوان سواء على لبنان أو على قطاع غزة بحجة البحث عن أسلحة ايرانية تتأهب لمقاتلة اسرائيل. وللدور الروسي أهمية في هذا الباب ومندوب روسيا في هيئة الأمم <فاسيلي نيبنزا> موصول باستمرار مع <سيرغي لافروف> وزير الخارجية الروسي، ويحتل لبنان حيزاً مهماً من هذه الاتصالات. وروسيا ومثلما تحاول أن تطفئ النار في سوريا وصولاً الى هدنة دائمة، كذلك تحاول أن يكون لها دور واضح في تعطيل أي هجوم اسرائيلي على لبنان تحت ذريعة امتلاك (البلوك9) في المياه اللبنانية المجاورة للمياه الاسرائيلية. وبقدر ما تستطيع موسكو أن تخرج هذا <البلوك> من أي ابتزاز اسرائيلي، بقدر ما تعطل فتيل الحرب بين اسرائيل ولبنان، وكل ذلك يعني أ ن الباب مفتوح أمام موسكو لصنع الجميل الديبلوماسي للبنان، وعدم اعتماده على شبح الحرب الباردة التي يمكن أن تنشب بين موسكو وواشنطن، خصوصاً وأن سياسة <دونالد ترامب> الخارجية ليست الجدار الواقي للحروب الاقليمية، ولا تنفع في رد العدوان الاسرائيلي على لبنان، أو في حل أزمة النازحين السوريين خصوصاً أن عددهم يزيد يوماً بعد يوم، ويمكن أن يبلغ عام 2019 المليوني نسمة إذا لم يتم تدارك مأساتهم وتتأمن ظروف عودتهم الى سوريا.

وقد كان الدكتور سمير جعجع صريحاً وواضحاً حين تناول ملف النازحين السوريين قائلاً على الهواء: <من وجد منهم فرصته المناسبة ليطلع الى سوريا فليتفضل ويطلع>.

ومن خصائص المرحلة، أن الماروني زعيماً كان أم مواطناً هو مع مدينة القدس قلباً وقالباً، وهذا يتحقق لأول مرة في تاريخ لبنان، كما أن النظرة السياسية الى المواطن الفلسطيني تغيرت، ولا سيما مواطن المخيمات، وحسناً تفعل نائبة صيدا بهية الحريري حين تجمع قادة المخيمات داخل منزلها في مجدليون وتمسك بخرطوم الإطفائي كلما دهم حادث في هذه المخيمات، ومن شأن ذلك أن يمنع كل احتقان بين النائبين بهية الحريري وفؤاد السنيورة من جهة، وقادة المخيمات الفلسطينية من جهة أخرى.

وما كان يسمى الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن ترك مكانه لما يسمى في هذه الايام الحرب ضد الإرهاب. فكل الدول بدءاً من الدول العربية في حرب ضد الإرهاب المعشش في جنبات البلدان المكافحة وأولها الصومال. وقد جاءت القاعدة العسكرية الاميركية حامية للحمى في ذلك البلد الذي يعاني اغتصاب النساء وحروب العصابات. ولكن القواعد الاميركية لا تغني من جوع ولا توفر فرص عمل للعاطلين عن العمل.

والحمل ثقيل على الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري، لأنهم يملكون الاتصالات من أجل السلام في لبنان، ولكنهم لا يملكون سياسياً الفأس التي تهدم جدار العار الإسرائيلي في جنوب لبنان.

والمعركة الآن هي هذا الجدار الإسمنتي الإسرائيلي المطل على الجنوب!