15 November,2018

«نتنياهو  » ينسف ربع قرن من المفاوضات بإعلان معارضته لحل الدولتين

بقلم ليد عوض

jhon-kerry-helicopter

لا تزال وزيرة الخارجية السابقة <هيلاري كلينتون> المرشحة الأقوى للإنتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي ستجري في خريف ٢٠١٦. فرغم المشكلة التي أثارها استعمالها للبريد الإلكتروني الخاص بها في مراسلاتها الرسمية يوم كانت وزيرة للخارجية وإتهام المعسكر الجمهوري لها بتعريض أمن الولايات المتحدة للخطر وإخفائها نحو ٩٠٠ رسالة إلكترونية من بينها ما كان يتعلق بالهجوم على القنصلية الأميركية في <بنغازي> في أيلول (سبتمبر) ٢٠١٢، لا زالت <كلينتون> تتصدر الاستطلاعات الأولية كالمرشحة الأكثر حظاً في المعسكر الديمقراطي وحتى على صعيد الرئاسة. ولكن ماذا اذا تطورت مشكلة الرسائل الخاصة إلى فضيحة يمكن أن تشير إلى تقاعس مسز <كلينتون> في توفير القوة اللازمة لحماية الدبلوماسيين الأميركيين في <بنغازي> ومسؤليتها غير المباشرة يومها عن مقتل السفير الأميركي في ليبيا <كريستوفر ستيفنز> وثلاثة اميركيين آخرين؟ ساعتها فقط يمكن أن يفتح الباب لمرشحين ديمقراطيين آخرين على رأسهم نائب الرئيس الأميركي <جوزيف بايدن> وماليء الدنيا وشاغل الناس هذه الإيام وزير الخارجية <جون كيري>.

  

عين على ٢٠١٦

ورغم تأكيد <كيري> أنه لا يفكر في الموضوع حالياً وأن لديه ما يكفي من انشغالات، فقد قال في معرض رده عن إمكانية ترشحه عام ٢٠١٦: <لا أحد يمكن أن يقول أبداً>. وستكون في جعبة <كيري> حفنة قليلة من الإنجازات في السياسة الخارجية الأميركية لعل أهمها ابرام الإتفاق النووي مع <إيران>… هذا إذا صدقت المؤشرات الآتية من مدينة <لوزان> السويسرية التي شهدت مؤخراً جولة فاصلة في المحادثات الإميركية الإيرانية. فرغم فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وإستفحال الوضع في العراق والفوضى المتزايدة في أفغانستان يمكن لـ<كيري> أن ينسب إلى اسلوبه الشخصي جداً في التعامل الدبلوماسي أنه جعل من الولايات المتحدة الإطفائي الأول في العالم بدل أن تكون القوة العظمى.. وحسب. فهو حافظ على العلاقة الجيدة مع الفلسطينيين والإسرائيليين ويحرص على الإتصال بالطرفين كل أسبوع. كما أنه ساعد في محاصرة وباء <ايبولا> في <ليبيريا> و<سيراليون> عبر تجنيده البعثات الدبلوماسية الأميركية في أفريقيا بشكل غير مسبوق. كما ساعد في خروج <نوري المالكي> من السلطة في العراق ووصول <حيدر العبادي> إلى رئاسة الحكومة. أما علاقته الجيدة بوزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> فلم تمنعه من دعم فرض عقوبات صارمة على روسيا أدت إلى اضعافها اقتصادياً وتطويق حركتها في <أوكرانيا>. كما أن دعمه للتدخل العسكري ضد <داعش> جعله العراب الأول في جمع ٦٠ بلداً في أحد أوسع التحالفات الدولية التي عرفها التاريخ .

قيل الكثير عن نهاية الأحادية الأميركية أو القطب الواحد للعالم ثم عن تردد <اوباما> في إتخاذ القرارات وعجزه عن الحسم في مواقف الولايات المتحدة من الشؤون الدولية. إلا أن الأحداث اثبتت أن شخصية <جون كيري> الإطفائية تؤثر بقوة على السياسة الخارجية الأميركية. صحيح أن الناخب الأميركي سيقرر من ينتخب بناء على اوضاعه الإقتصادية والمالية، إلا أن <كيري> تمكن من رسم دور جديد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعيدة عن منطق القوة وهو الإحتواء والتطويق و…الإطفاء. وبغض النظر عن حظوظه الشخصية يمكن تجيير نتائج هذه السياسة الخارجية لصالح أي مرشح ديمقراطي عام ٢٠١٦.

بالون إختبار أم سلفة سياسية لإيران؟

 

ربما أصبح الرئيس السوري <بشار الأسد> أول المؤيدين لوصول <جون كيري> إلى البيت الأبيض بعد التصريحات النارية الأخيرة التي اعتبر فيها وزير الخارجية الأميركي بأن الحل في سوريا يجب أن يمر عبر الأسد فأقام الدنيا ولم يقعدها.

يحتار الكثيرون في توصيف وتحليل موقف <كيري> الأخير. هل هو تبدل في الموقف الأميركي من الوضع السوري؟ هل هو تنازل لإيران مقابل قبولها ببعض الشروط الصعبة التي وضعتها الدول الغربية للتأكد من أنها لن تخصب أكثر من ٥ بالمئة من <اليورانيوم>؟ أم أن وزير الخارجية أراد فتح الباب أمام حل سياسي عملي في سوريا يبدأ مع الأسد ولا ينتهي بالضرورة معه؟ كلام <كيري> أغضب الكثيرين في لبنان وتركيا والخليج وحتى الدول الغربية التي سارعت إلى تأكيد موقفها المعارض لأن يكون الرئيس السوري جزءاً من أي حل. في كل الأحوال خلق <جون كيري> ديناميكية جديدة في المسألة السورية تعبر جلياً عن سياسة إطفاء الحرائق التي تعتمدها الإدارة الأميركية منذ مدة. ونجح في نقل النقاش من مصير سوريا المعقد إلى مصير الأسد الذي ربما يكون من الأسهل الإتفاق حوله، على الأقل في مرحلة أولى.

الإطفائي الدولي بحاجة إلى إطفائي إقليمي

 

وأمام الإطفائي <كيري> عدة حرائق ربما لن ينتظر اندلاعها الإنتخابات الرئاسية الأميركية. فمن جهة هناك الحرب ضد <داعش> التي تخاض على عدة جبهات. الأكثر حماوة بينها حالياً هي معركة <تكريت> التي وإن شهدت تقدم القوات العراقية والحشد الشعبي فيها فإنها غير مضمونة الحسم. المخيف فيما يحصل في <تكريت> هو الشحن المذهبي الذي يواكب المعارك والذي يخدم <داعش>. حتى أن شرارة الحرب التي يقودها رئيس فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم السليماني في العراق طالت الحوار بين حزب الله و<المستقبل> فرفع الطرفان من نبرة انتقاداتهما المتبادلة وكأنهما في صدد توأمة بيروت وتكريت مذهبياً!

ومن جهة أخرى هناك تداعيات الإنتخابات الإسرائيلية التي شهدت تقدماً ملحوظاً لليمين المتطرف جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي <بنيامين نتنياهو> يعلن رفضه لحل الدولتين فقضى بذلك على أي أمل للمفاوضات مع الفلسطينيين بغض النظر عن شكل الحكومة الآتية.

Awn-&-saadوأخيراً هناك الوضع المتفجر في <أوكرانيا> حيث يبدو أن الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> لن يتوانى عن إستخدام أقصى حدود القوة العسكرية في حالة تسليح الغرب لحكومة <كييف>.

 وبعكس وزيرة الخارجية السابقة <كوندوليزا رايس> التي بشرت عام ٢٠٠٤ بالفوضى الخلاقة وتركها تطور شرق أوسط جديد، يرى <كيري> أن الفوضى في الشرق الأوسط متفلتة ولا يمكن تركها تتفشى لأنها ستضرب المصالح الأميركية عاجلاً أم آجلاً. ومن هنا قناعته بأن الإتفاق مع إيران ولو شمل بعض التنازلات السياسية التي يمكن أن يكون احدها بقاء بشار الأسد يضمن احتواء الفوضى. فإيران شريكة أساسية في الحرب ضد <داعش> على كل الجبهات رغم وجودها خارج التحالف الدولي. وهكذا بدل أن تكون إيران أحد أسباب الفوضى يسعى <كيري> من خلال الملاحق السياسية للإتفاق النووي إلى تحويلها قوة اطفائية إقليمية تساعد في لجم الفوضى.

ميشال عون بديلاً عن الفوضى

هناك من يعتبر أن ابرام الإتفاق النووي مع إيران ومجرد النقاش الغربي حول إمكانية بقاء الرئيس السوري لمدة زمنية محددة يعزز حظوظ العماد ميشال عون أو الوزير سليمان فرنجية في الوصول إلى سدة رئاسة الجمهورية. وبغض النظر عن الدور الإقليمي لإيران في المرحلة المقبلة فإنها كرست نفسها اللاعب السياسي الأول في العراق وسوريا و لبنان. ومن هنا يجب وضع جردة حساب عن منافع التوافق الوطني على مرشح تدعمه إيران كما كان يحصل <التوافق> على الرؤساء الثلاثة الذين جاءوا بعد الطائف. ويبقى التحدي الحقيقي في إمكانية استنباط مخرج سياسي ودستوري لائق لهذا التوافق لا يضطر معظم السياسيين لمغادرة لبنان إلى الدوحة أو ربما القاهرة هذه المرة،ولا يستجلب تغييراً للنظام ، كما يحذر البعض ويحفظ ماء الوجه لـ<١٤ آذار> وداعميها الإقليميين من خلال حكومة يرئسها سعد الحريري. ربما لن تصل البنود السياسية في الإتفاق الأميركي ــ الإيراني إلى هذه التفاصيل ولكن، غير الفوضى، لا بديل في الأفق عن هكذا توافق.