21 November,2018

نبيل فهمي

1   الوجه المضيء لمصر في الخارج هو وزراء الخارجية الذين تعاقبوا على الامساك بالمفتاح الديبلوماسي، ومنهم محمود فوزي، وعصمت عبد المجيد، وعمرو موسى، ونبيل العربي، واسماعيل فهمي والد وزير الخارجية المصري الحالي نبيل فهمي الذي جعل من بيروت في الأسبوع الماضي نافذة للاطلالة على العالم العربي، واستكشاف مستقبل المنطقة، والتحذير من أقدار الآتي من الأيام، كمثل الكلام الذي قاله ليل الثلاثاء الماضي لمذيعة <المستقبل> بولا يعقوبيان في برنامج <انترفيو>.

   ونبيل فهمي خلال أيامه الثلاثة التي قضاها في لبنان استحصل على كل ما يهمه من مجريات الأحداث، وأمسك بالهاجسين اللذين يعتريان نفوس اللبنانيين: الهاجس الأول هو هذا الطوفان من النازحات والنازحين السوريين بما لا تحتمله قدرة لبنان الجغرافية والاجتماعية والاستهلاكية على الاستيعاب، وضرورة مشاركة المجتمع الدولي في هذا الاستيعاب. والهاجس الثاني كان معركة رئاسة الجمهورية والخشية من الفراغ الرئاسي إذا لم يتوصل نواب مجلس الشعب، أو البرلمان اللبناني، الى انتخاب خلف للرئيس ميشال سليمان وترك الأيام تجرجر أذيالها بكل ما في ذلك من خطورة على الكيان.

   ونبيل فهمي (63 سنة) هو ابن وزير الخارجية الراحل اسماعيل فهمي، الذي ترك لولده المهندس المنغمس في العمل الديبلوماسي إرثاً يفخر به وإن لم يعجب اسرائيل والولايات المتحدة. هذا الارث يتمثل في استقالة اسماعيل فهمي من الحكومة كوزير للخارجية عام 1977 اعتراضاً على زيارة الرئيس محمد أنور السادات الى اسرائيل، وكانت له عبارته الشهيرة آنذاك وهي: <أعتقد أن هذه الزيارة ستضر بالأمن القومي المصري وتضر بعلاقتنا مع الدول العربية الأخرى، وتدمر قيادتنا للعالم العربي>.

   وكان اسماعيل فهمي على حق، بعدما أدت زيارة السادات لاسرائيل، الى اتفاقية <كامب دايفيد> عام 1979، والى تفسخ الجامعة العربية وانتقال مقرها الى تونس. كما كان اسماعيل فهمي على حق حين جفت مساعي الرئيس الياس سركيس للانقاذ خريف عام 1977، وقال لكاتب هذه السطور: <بعد ذهاب الرئيس السادات الى اسرائيل، أضعنا فرصة التقاط أنفاسنا في لبنان، وعدنا الى المربع الأول>.

   ولنبيل فهمي مع والده قصة دخلت التاريخ، عندما كان الوالد وزيراً للسياحة المصرية عام 1973، وكان نجله نبيل يخدم كجندي في القوات المسلحة المصرية، وقد طلب من الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة في ذلك الوقت أن يجري إعفاء ولده من الخدمة العسكرية واعطاءه فرصة التحصيل في الدراسة المدنية، لكن الفريق الشاذلي لم يقبل هذا الطلب وقال للوزير فهمي الأب: <حتى لو كان الطلب آتياً من ابن الرئيس السادات فلن أعطيه>، لكن وساطته عند وزير الحربية آنذاك أحمد اسماعيل أعطت ثمارها، وقام اسماعيل فهمي بارسال ولده نبيل الى نيويورك التي ولد فيها أصلاً، وتعيينه في وظيفة ديبلوماسية.

   وخروج اسماعيل فهمي من المعترك السياسي لم يلغ نشاطه في تأليف الكتب وتدبيج المقالات عن السلام في الشرق الأوسط. وأشهر كتبه ذلك الذي حمل عنوان <نتفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط ــ رؤية عربية>، وظل حتى وفاته عام 1997 يواصل العمل الأكاديمي والكتابة والتأليف.

   ومثل أبيه اهتم نبيل فهمي بالعمل الأكاديمي، وتم تعيينه في آب (أغسطس) عام 2009 عميداً لكلية العلاقات العامة في جامعة القاهرة الأميركية، بعدما كان سفيراً لمصر في الولايات المتحدة حتى عام 2008، حين اختاره الرئيس المؤقت عدلي منصور ورئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي وزيراً للخارجية.

   وخلال وجوده في بيروت حرص نبيل فهمي على التواصل مع جميع القيادات الفاعلة في الساحة اللبنانية، بدءاً من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، وكان له لقاء مع رئيس كتلة <المستقبل> النيابية فؤاد السنيورة بحضور وزير الداخلية نهاد المشنوق، ولقاء مع الرئيس أمين الجميّل وأركان حزب الكتائب بحضور وزير العمل سجعان قزي، ثم لقاء مع العماد ميشال عون، ولقاء مع رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، فضلاً عن وزير الخارجية جبران باسيل الذي كان معه جنباً الى جنب في طائرة طيران الشرق الأوسط المسافرة الى الكويت لحضور القمة العربية.

   وغداً إذا نشطت الديبلوماسية المصرية من جديد، كما كانت في لبنان زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسفيره اللواء عبد الحميد غالب، وكانت هذه الديبلوماسية ركيزة للبنان، فاذكروا نبيل فهمي بالخير.