18 September,2018

نادين لبكي بنت عمر الشريف في فيلم مغربي بعنوان ”القصبة تهتز“

24_gnaza_party_par_hassen_brahiti_2012__446
ها هي المخرجة والممثلة نادين لبكي تعود إلينا من جديد، ومن المغرب هذه المرة تحت عباءة المخرجة المغربية ليلى مراكشي. نادين هي في الفيلم واحدة من بنات الممثل العالمي عمرالشريف الذي يحيا طيفاً بعد ان يموت في المشهد الاول منه. جدتها، أمها، أخواتها الثلاث ــــ احداهن انتحرت ــــ لهن كل واحدة حكاية. قصصهن الشخصية، هي قصص نساء هذا الشرق في رحلتهن الملتبسة أبداً ما بين تحرر وتقاليد. في الفيلم مفاجآت، جيل قديم وجيل جديد، صراع ومراهقة ونضج وتساؤلات..

 فماذا عن الفيلم وماذا تقول عنه كل من مخرجته ليلى مراكشي واحدى بطلاته نادين لبكي عقب عرضه في بيروت؟

عمر الشريف..  <مولاي حسن>..

في مدينة طنجة المغربية تدور أحداث الفيلم. تأتي إليها الأخت الصغرى صوفيا بعد طول غياب من نيويورك حيث تزوجت وأنجبت صبياً سيكون رفيق جده المتوفى طوال الفيلم من خلال طيفه، يحدثه، يسأله ويلعب معه. صوفيا لحقت بحلمها بأن تكون ممثلة في الولايات المتحدة وتزوجت فيها من <غريب> أميركي. وحدها ابنة العائلة البورجوازية الرأسمالية لم تنصع لقوانين والدها الصارمة، هو الثري الكبير الذي كان ينتظر بناته الى حين عودتهن من أية سهرة حتى يرى من يرافقهن. لقد حرم <مولاي حسن> (عمر الشريف) من الابن الذكر الذي يرث اسمه وماله. هذا الحلم لم تحققه له سوى <ياقوت>، الخادمة في البيت. ينجب منها صبياً، والاثنان يخفيان الأمر عن الجميع إلا عن زوجته (هيام عباس) التي لا تنبس ببنت شفة حتى لا تخرب عائلتها. يقع المحظور ويحب الاخ أخته من دون ان يعرف كلاهما انهما اخوة، حتى انها تحمل منه ويجبرها والدها على الاجهاض.

وفاة الوالد تجمع العائلة من جديد، وتطفو الخلافات الى السطح خلال ثلاثة أيام هي مراسم الجنازة المغربية وفق ما تنص عليه التقاليد الاسلامية، اذ ثمة واجبات لإحياء مراسم الحزن: الابتعاد عن الشواطىء، وبالتالي عدم ارتداء لباس البحر، بل ارتداء الجلابيب، لم شمل العائلة، وإضفاء مظاهر المأتم على المنزل. منذ المشاهد الاولى للفيلم تطرح القضايا الرئيسية. مشاهد اولى بـ<المايوه> عند شاطئ البحر يليها أخرى بالجلابية المحتشمة، كذلك، سريعاً تطرح مسألتا الهوية والجنسية لدى وصول الابنة الى المطار في حوارها مع الشرطي..  اما عند الوصول الى الدار الكبيرة الفخمة فيبدأ انكشاف الكم الكبير من الخدع والأسرار والأفكار عن الوالد كما عن كل افراد العائلة التي ينحو كل فرد فيها باتجاه معين لا بل متناقض مع الآخر. <صوفيا> ( مرجانة علاوي) تعيش حرة في نيويورك تمثل في افلامها السينمائية دور الارهابية. <مريام> (نادين لبكي) لا يهمها سوى عمليات التجميل لأنها لا تريد ان تشيخ فتصرف مئات الآلاف على تكبير ثدييها ومؤخرتها، هي الناقمة على عيشها الروتيني والتي لم تنجز شيئاً في حياتها، و<كينزا> ( لبنى أزبال) التي تعيش الالتزام الديني، والذي تسرقها منه لحظات تحرّر تشرب خلالها الجعة وتطرح للنقاش ما كان محظوراً.

نادين لبكي: أريد ان أفهم..

Omar-el-Sherif-+-Enfant-Photo-de-Hassen_Brahiti_

 

ما بين ليلى مراكشي (المولودة في العام 1975) ونادين لبكي هم المرأة المشترك، فهذه لم تغب يوماً عن اي من أفلامهما. <الإحساس الكبير> كان القاسم المشترك للسيدتين الجميلتين. يوم واحد زارت فيه المخرجة المغربية لبنان للبحث مع نادين في دور مريام جعلها تفكر ملياً في الأمر وتوافق: <لقد وجدتها تطرح بعمق وذكاء همّ المرأة من خلال تساؤلاتها والصرخة التي تريد ان ترفعها>.

وتزيد نادين:

– مع مراكشي أردت ان <أكون ممثلة فقط، فالتجربة تهمني أكثر من النتيجة>. فنادين المخرجة أولاً، تمثل في أفلام غيرها حتى تغني نفسها من خلال تجارب الآخرين، بحيث ترتاح من مسؤولياتها ولا تلتفت إلا للدور. هذه المرة أرادت ان تفهم أكثر من خلال شخصية <مريام> سبب لجوء الكثيرات الى عمليات التجميل فتتساءل: <هل هي السطحية فقط تدفعهن الى ذلك، فنستمتع نحن بالنظر اليهن بعين الشفقة معتبرين أنفسنا فوق هذه السخافات، ام ان لهؤلاء النسوة دوافع عميقة، جروح داخلية يحاولن دملها بعمليات التجميل؟  أملك الحشرية لفهمهن، للتقرب والتعاطف معهن. لماذا نعتبر كل سيدة تلجأ الى هذه العمليات سطحية وفارغة؟  في شخصية مريام التي لعبتها حاولت ان أغوص في الاسباب وان أمنحها بعض الأبعاد. ليس سهلاً للمرأة ان ترى نفسها تكبر أو تخسر أنوثتها ونظرة الآخر لها. كذلك فإن مريام تملك طاقة أكبر من أن تكون أماً فقط، وهي بلسانها تعلن أنها لم تفعل شيئاً في حياتها. تشرب الكحول لكي تنسى، لكي تخرج من الروتين الذي تعيشه>.

 الروتين، حتى في حياتها العادية تكرهه نادين. في هذا المجال اعتبرت ان الادوار المتنوعة تخرجها من شخصيتها الحقيقية فتستمع بذلك. فهي ان غيرت شخصيتها بدون أدوار سينمائية سيعتبرها الناس <مختلة>، لذلك نراها في أدوار مختلفة. قريباً سيعرض لها في بيروت فيلم <ريو آي لاف يو> الفيلم المقسم الى عشرة أجزاء تولى كل مخرج جزءاً فيه، وهي صوّرت الجزء الذي أخرجته مع الممثل الاميركي <هارفي كارتل>.

مراكشي: جنازة خالي..

من ناحيتها، تعود ليلى مراكشي الى الاخراج بعد ثمانية أعوام على شريطها السابق <ماروك> والذي كان قد أثار جدلاً واسعاً حينها واعتبر استفزازاً للاسلاميين حتى انها كانت قررت لفترة الابتعاد التام ومن ثم عدلت عن الفكرة:

<كنت أعمل على إنجاز سيناريو عن عائلة <أوفقير>، بعد سنتين ونصف السنة، توقف المشروع وكنّا حينئذٍ في مرحلة التحضير. راودتني فكرة فيلم جديد، خاصة أنني عشت تجارب  كثيرة في تلك الفترة: نهاية المراهقة، الانتقال الى سن النضوج، الأمومة، البحث عن الهوية….  فكان فيلم <روك القصبة>، وهو عنوان أغنية للفرقة الموسيقية <The Clash> التي تعبر عنه في الفيلم < صوفيا> الثائرة والتي تشبهني بشخصيتها الى حد بعيد>.

IMG_1356

 

لمعت لدى مراكشي فكرة الفيلم بعد وفاة خالها الذي كان بمنزلة شيخ العائلة، وفي جنازته راحت تتبلور لديها الحبكة من خلال ما سمعته، قصص النساء اللواتي رحن يبحن لبعضهن البعض بأسرار وخبايا وكأنهن يكشفن لبعضهن حقيقتهن وهن الضعيفات في واقعهن، الأمر الذي استفزها ودفعها الى الكتابة مسمية الأمور بأسمائها، ساكبة إياها في قالب درامي ـــ كوميدي حتى توصل الرسالة الى المشاهد من دون ان تثقل كاهله بالوعظ المباشر. الجنازة هذه، يمكن قراءتها من زاوية سياسية ايضاً، فبحسب ليلى <يرمز هذا الموت بكل تأكيد الى نهاية حقبة ما. والآن وقد غاب الرئيس نشعر بالثورة التي تُهدر>.

انفتاح مغلق..

 اختيار مراكشي لممثلين عالميين ومن أقطار متعددة على رأسهم طبعاً الممثل الكبير عمر الشريف <كان بقصد إغناء الفيلم وإضفاء صبغة عالمية عليه من خلال عائلة شكل الممثلون أفرادها، فنقلوا صورة صادقة وطبيعية. يكشفون الاسرار، يستعيدون الذكريات ويتشاركون الدمعات الابتسامات، ويبوح كل واحد فيهم بما في داخله في محاولة مصالحة مع الذات والآخر.

تتحدث شخصيات الفيلم باللغات الثلاث: العربية والفرنسية والانكليزية، وبهذا الانتقال من لغة الى أخرى، رغبت ليلى في إظهار أن <هذه العائلة تملك مؤهلات تسمح لها بالتعاطي بانفتاح مع العالم وشؤونه، لكننا نكتشف ان أفرادها منغلقون على أنفسهم>.

  وعن مشاركة الممثل العالمي عمر الشريف تقول:

– منذ زمن طويل وأنا معجبة بالفنان العالمي وبكل ما قدمه في السينما العالمية والعربية. كان أملي الدائم منذ دخولي عالم الإخراج ان أعمل معه وكانت موافقته شرفاً كبيراً لي. للصراحة، لقد فوجئت عندما وافق، اذ انني لم أكن أتوقع ذلك.

وتزيد ليلى:

– لم يكن فيلم <روك القصبة> فيلماً سهلاً وتطلّب تركيزاً وجهداً كبيرين، فضلاً عن جهد مادي لتنفيذه من ضمن فريق عمل مختلط جمع مغاربة وفرنسيين.

IMG_1306

وعن مشهد الجنازة الذي نقلته بتفاصيله، والذي تضحك خلاله البنات الثلاث، في حين ان الشيخ يتلو الصلاة، واذا ما كان سيشكل جدلاً من ناحيته هو ايضاً، اعتبرت مراكشي انه نقل لعادات وتقاليد بعيدة عن المبالغة وانه واقع مغربي صرف، ليس الغرض منه إثارة أية حساسيات ولا أية جهات. أعتقد انه بعد عدد من الافلام الجريئة التي عرضت مؤخراً، بات الجمهور والمشاهد المغربي أكثر تفهماً وقبولاً لما يراه سينمائياً حتى في المواضيع الحساسة. في الفيلم نقلت وجهة نظري أيضاً حول الموت الذي أعتقد انه على علاقة وطيدة مع الحياة، وبأننا بعد مماتنا، ننتقل الى عالم آخر يشبه الحياة.

وحول التقاليد المغربية، الشرقية بشكل عام، تعبر مراكشي عن احترامها لها، فهي لا تدعو الى نسفها أبداً، ولعل المشهد الاخير الذي تجتمع فيه العائلة أبلغ دليل على دعوتها الى لمّ الشمل والترابط والتسامح (صورة الشجرة العملاقة الضاربة الجذور في أول الفيلم وآخره). <في الغرب اليوم يعملون على مفهوم العائلة والترابط فيما نحن في الشرق نقوم بالعكس، وهذا خطأ كبير، انما العائلة لا تعني التسلّط من قبل الرجل على الاناث حوله، بل ان يعشن حريتهن في ظلّه ولا تكن قويات فقط بعد مماته>.

لن يقتصر عرض <روك القصبة> على صالات السينما في لبنان فقط، سيعرض في المغرب وفي فرنسا وفي اي مهرجان يدعى اليه كمهرجان <تورونتو السينمائي الدولي> في كندا، ومهرجان <دبي السينمائي> بدورته العاشرة الذي عرض من ضمن فعالياته. أما الفيلم المقبل لليلى التي تعيش خارج المغرب، فلن يدور في الفلك عينه بل بعيداً، وبعيداً جداً. هذه المرة تقول ليلى <الى الغرب، در> فهناك أيضاً ناس ومشاكل سأغوص في أعماقها.