20 October,2018

نادين لبكي المسكونة بهاجس بالأمومة: في”كفرناحوم“ نقلت واقع ما يجري على بعد ثلاث دقائق من بيتي... وما خفي كان أعظم!

 

بقلم عبير انطون

يستمر مهرجان <الفيلم اللبناني للسينما> في دورته الثالثة عشرة على الرغم من الصعوبات ليعرض اكثر من ستين فيلما لبنانيا محتفلا بالنساء، وبشكل خاص بالنساء في السينما اللبنانية مع نادين لبكي افتتاحا وهيني سرور للختام، وهي اول امرأة عربية عرض احد افلامها في الاختيار الرسمي في مهرجان <كان> عام 1974. باقة منوعة قدمها المهرجان برئاسة وفاء حلاوي وقد أفرد مساحة خاصة ايضا للاطفال ولافلام نساء المتوسط ولـ<سيني  – كونسير> في عزف حي في قلب بيروت. فماذا عن المهرجان وعن فيلم الافتتاح تحديدا الذي كان لمخرجته نادين لبكي في ختامه دردشة مع الصحافيين ووقفة مع <الأفكار>؟

تحد…. مستمر!

 

الانطلاقة منذ سنوات كانت بميزانية 500 دولار… كنا الاوائل في اطلاق مهرجان مماثل يجمع كل الانتاج اللبناني، يقول بيار صراف المنتج ومؤسس المهرجان… لقد شكل ذلك حدثا فريدا من نوعه حينذاك ووضع في الواجهة الانتاج اللبناني المحلي، فالافلام اللبنانية التي كانت تنتج كانت تذوب في مهرجانات الخارج ولا تجد لها مكانا في بيروت. لقد افاد <ولد في بيروت> (الاسم السابق للمهرجان) الساحة الفنية اللبنانية وجعل العاملين في المجال يجتهدون ويبرعون ويُكتشفون فتُعرف اسماؤهم، ليوقعوا لاحقا أفلاما روائية مع شركات انتاج لبنانية وحتى مع شركات معروفة في الخارج… كذلك شجع المهرجان على الكتابة السينمائية بفضل الورش وآفاق التعاون التي فتحها. اقول ذلك، والكلام لبيار،لأستعيد اسباب وجود المهرجان وضرورة الحفاظ عليه. للاسف توقف مهرجانان للسينما مؤخرا اولهما <مهرجان دبي الدولي للسينما> الذي كان يقدم مواسم جيدة جدا، وثانيهما <مهرجان بيروت الدولي للسينما> وذلك بسبب الماديات… اتكلم عن غيابهما عن المشهد السينمائي بأسف لان المهرجانات السينمائية تتكامل ولا تتنافس. كلما عرضت افلام كلما كان ذلك افضل للجميع. لقد سلمت الشعلة لمديرته الحالية وفاء حلاوي منذ العام 2014 واشكرها لجهودها كما ادعو الجميع بالا يتركوا المهرجان حتى يبقى حيا.

<كفرناحوم> افتتاحا!

 

 بعد ستة أشهر من التصوير، سنتين من المونتاج، و520 ساعة من الـ<راشز> أبصر فيلم <كفرناحوم> النور. فوزه بجائزة لجنة التحكيم في <مهرجان كان السينمائي< للعام 2018 وترشيحه رسميا من قبل وزارة الثقاقة اللبنانية الى جائزة الاوسكار عن افضل فيلم أجنبي لم يفاجئا من تابعه. <هو مغامرة العمر>، تقول نادين لبكي مخرجته والمشاركة الاولى في كتابته، والتي حين تتناوله لا بد وانها تتكلم ايضا باسم منتجه وواضع موسيقاه زوجها المؤلف الموسيقي خالد مزنر: لم نعد الاشخاص أنفسهم بعد هذه التجربة فقد دخلنا في هذه المغارة منذ حوالى 5 سنوات اي في العام 2013 وهي لا تزال مستمرة، وحتى اليوم لا زلنا نقوم بالمونتاج أحيانا. اخترنا قصصا من الواقع، وتعاملنا مع اشخاص غير محترفين يمثلون للمرة الاولى وكنا نحن في خدمة هؤلاء الاشخاص وليس العكس. لذلك كانت فترة التصوير طويلة جدا.

وتشرح نادين:

– لاختيار الممثلين والوقوف على تفاصيل ما ننقله الى الشاشة، كنا نقوم بكثير من الابحاث ونحضر الى اماكن مهمشة وصعبة جدا في لبنان. تحدثنا الى كثير من الاطفال والعائلات والامهات والعاملات الاجنبيات. زرنا سجونا وسجون احداث واصلاحيات والكثير من المؤسسات التي تعنى بشؤون الطفل وحقوق الانسان. جربنا ان نفهم، كيف توصلنا نحن في مجتمعاتنا ان نتقبل هذا القدر من الظلم وكأنه لا يعنينا، نعيش معهم على بعد ثلاث دقائق من بيوتنا، يرتعون تحت نير هذه القساوة وهذا الظلم وكأنهم غير موجودين بالنسبة لنا. كل المواضيع التي نتطرق اليها في الفيلم أكان من خلال زواج القاصرات او العمالة الاجنبية او الاتجار بالبشر او عمالة الاطفال مشاكل نعيشها وصدقوني بان الواقع افظع بعد مما نقلناه.

وتضيف مستكملة:

 – الفيلم الذي صور ما بين مناطق النبعة والكولا وغيرهما، مستوحى من القلوب التي فتحت لتتحدث عن معاناتها الينا. خلال ابحاثنا وبعد جلسات الكلام كنا ننهي حديثنا بهذا السؤال الوحيد للطفل امامنا: هل انت سعيد لانك ولدت؟ ويأتينا جواب الغالبية المطلقة: لا ! ولا أعرف لماذا ولدت، ولماذا أنا هنا، ولماذا اعطاني اهلي الحياة ان لن يحبوني، ان لم استطع ان آكل لما اجوع؟ لماذا انجبوني ان كانت افضل كلمة اسمعها سبابا وصراخا واهانات؟ وسأل الكثيرون منهم: أنا أدفع ثمن ماذا؟ لماذا انا اقاصص؟ لماذا وجودي بحد ذاته مجرد قصاص؟ لماذا انا من دون اوراق رسمية؟ أردنــا ان نعــرف اكثر تقول نادين: الولد في مثل هذه البيئة عندما يختفي، الى اين يذهب؟ من هــم اهلــه؟ كيف هــو شكل حياته؟ الاشخاص في الفيلم ليسوا ممثلين، هم يجسدون عذابهــم. كل واحد منهـم جـــاء مــع تجربته، مع قصته، مع وجعه، أي منهم ما كان يمثل. ما من تمثيل في الفيلــم. هــم، هــم بكل كيانهم وبكل تجربتهم.

 أريد حلا…!

 الفيلم لنادين هو دلة بالاصبع على جرح هي باعترافها غير قادرة على التئامه. وتقول: الكثير من الناس يعتقدون بأن هؤلاء الاولاد منتمون الى مافيات واننا عندما نعطيهم المال فانما نشجع المافيا من ورائهم. قد يكون ذلك صحيحا، لكن بالمقابل، يجب على الناس ان تعرف انه كلما اعطينا هذا الولد او البنت المال فانه يعود الى البيت بوقت اسرع، وكلما نام ابكر، وكلما ارتاح من عناء الشتاء والشمس. لا اقول ذلك تشجيعا انما تفكيرا بعذاب الولد امامنا باللحظة التي نراه فيها. هذا ما دفعني الى عمل الفيلم. ليس الجواب عندي. والفكرتان صحيحتان. هناك دراسات حديثة تقول بأن الولد بات يحصد مالا اكثر من المال الذي يجنيه والده ما يشجع الاهل على عمالة اطفالهم، لكن من يدفع الثمن؟ الولد الواقف على الطريق. مفروض ان يطرح السؤال بصوت عال لنجد المخرج لهذه الدوامة التي لا تنتهي. شخصيا وجدت نفسي وجها لوجه مع الوضع المماثل لممثلي الفيلم. كيف نساعدهم؟ كيف نردع أهلهم من ارسالهم الى الطرقات؟ سؤال كبير لست املك حاليا الجواب عليه واتمنى ان يشكل حافزا لفتح النقاش مع الجمعيات المختصة بالاطفال، مع الامم المتحدة، مع <اليونيسيف> على نطاق مؤسسات الدولة، مع الجسم القضائي وكل من هو معني.

ترفيه…. في محله!

 

من المشاهد اللافتة في الفيلم المشهد الذي دخل فيه فريق ديني يرفه عن السجينات. عن هذا المشهد تحديدا شرحت نادين:

 – هذا المشهد قصته طويلة. فمع قيامي بالابحاث قررت زيارة السجن تحت الجسر بوجه العدلية (تم اقفاله) لأفهم اكثر هذا المكان. نحن نمر به يوميا ونرى طوقه، فقررت ان ادخل واعرف كيف يعيش من فيه. توجهت الى مكتب كاريتاس هناك لانه يساعد العاملات الاجنبيات، فاذا بمجموعة الفرنسيسكان نفسها التي ظهرت في الفيلم تدخل للترفيه عن السجينات. اغتنمت الفرصة ودخلت مع هذا الفريق وهكذا اكتشفت السجن! رحت امشي معهم من غرفة الى اخرى، وعبثية الموقف لم استطع ان اقرر الا ان تكون موجودة في الفيلم. العبثية لما ترى اشخاصا تغني وترقص وعيوناً شاخصة لا تفهم ما يدور، عبثية نقلتها عيون فتاة اثيوبية قابعة في آخر زاوية في السجن تنظر الينا وكأننا من كوكب آخر، وكآبة البشرية كلها على وجهها. ومَن خلف هذه القضبان هن نساء لم يقترفن اية جريمة سوى ان ليس لديهن الاوراق الثبوتية المطلوبة.

 زين…. والحكمة!

 

لدى زين ابن الثانية عشرة عاما والذي يدعي على اهله عند القاضي بجرم انهم <خلفوه> اكثر من سر. ما الذي جعله يبدو مرتاحا وطبيعيا الى هذه الدرجة؟ كنت مغرمة به، تقول نادين. ما رآه وما مر به زين فضلا عن طريقته في التعاطي مع الامور والحكمة التي يتمتع بها ادهشتني جميعاً. كان يعلمني يوميا امورا جديدة في الحياة. في احد الايام عدت الى البيت محبطة لهول ما رأيته. التقطت ورقة وقلما ورحت ارسم، الامر الذي لا اقوم به عادة. رسمت ولدا يصرخ في وجه الكبار <فاتح تمو عم يصرخ>. لما انظر الى الصورة الآن اراها تشبه زين. عرفته قبل ان اتعرف اليه. في مرحلة شرح المطلوب لفريق <الكاستينغ> لاختيار زين طلبت مواصفات بدت لي تعجيزية: شكله اصغر من عمره جراء سوء التغذية، عيونه حزينة تظهر انه شاهد على المأساة، مسلوب من طفولته، طريقته بالتصرف اكبر من عمره ويملك حكمة في الحياة، كلامه شوارعي الخ… قلت في نفسي: <اين سيجدونه؟ هذه مهمة مستحيلة>. ولما رأيته للمرة الاولى قلت: <هذا هو>.

<لا تستطيع إلا ان تغرم بزين بكل كيانك> تقول نادين عن بطلها وتزيد:

 – جميع من عمل على الفيلم اغرم به. هذا الحب اعطى زين اندفاعا كبيرا، اجنحة يطير بها. شعر بنفسه محبوبا، ما يفعله هو الصحيح وكلنا في خدمته. بالعادة يطلب المخرج من الممثل كذا او كذا، هذه المرة بالعكس كنا نحن بخدمة زين والممثلين. من الاكيد ان هناك فيلما وسيناريو ومشاهد مكتوبة الخ، لكن في قلب المشهد كان يسمح لزين بان يفعل ما يريد ونحن موجودون لنلتقط هذه الحقيقة، لنلتقط هذا الواقع. في المشهد مثلا الذي ترونه يركض خلف الدراجة النارية التي تقل اخته سحر قرر زين في واحدة من اللقطات انه سيبقى يركض الى أن ينزل سحر عن <الموتوسيكل> وبقينا نركض وراءه… استغرقت اللقطة ربما ساعة، والفريق كله يركض خلفه. كنا بخدمة الممثلين وكان ذلك مهما جدا ليكونوا هم انفسهم. ما من كلمة <اكشن> في التصوير، نبدأ به ولا يعلمون باننا بدأناه ليكونوا قد دخلوا في الحالة فنبدأ التصوير من دون ان يشعروا. حتى الاضاءة وحركة الكاميرا كلها كانت معدة بشكل لا يعيق حركتهم الحرة.

 الطفل يصير أمّاً!

 ونسأل نادين: جعلت زين الصبي ابن الثانية عشرة بأبعاد ثلاثة: هو طفل يريد ان يكون كغيره من الاطفال وان يرتاد المدرسة لكنه يعمل، وهو يقوم بدور الاب لما يريد ان يحمي اخته سحر من زواج وخيم العواقب، وهو يصير اما ايضا لما يقوم بالاهتمام بالطفلة <يوناس> بنت العاملة الاثيوبية التي اوكلت اليه الاهتمام بها. الامومة ليست غريزة انثوية اذاً؟

 – صحيح تماما تجيب نادين.. زين فقد كل طفولته الا انه حكيم ويعرف كيف يتدبر أموره. واذا اردت ان آخذ قصة الفيلم على مستوى آخر، انها قصة ولد أصبح راشدا بعمر الاثني عشر عاما بعد ان اقترف جريمة، يترك اهله ويصير عنده عائلة فيصير بمثابة الام ويهتم بطفلة.

وننهي مع المخرجة المتألقة:

ــ منذ فيلم <هلأ لوين> الى فيلم <كفرناحوم> هاجس الامومة مستنفر لديك، لماذا؟

– انه امر طبيعي، وهو الهاجس الاكبر. عندما ترين على قارعة الطريق ولدا او بنتا يمد يده لا يمكنك الا ان تقيمي المقارنة وترين احد اولادك فيه، ما يزيد الغضب على هذا الواقع المرشح للانفجار لاحقا ان لم تحل الامور بطريقة ما، واقع يترجم تماما ان لم يستدرك معنى كلمة <كفرناحوم> التي تعني الجحيم او الخراب، وهو مصطلح مستخدم في الادب العربي والفرنسي كما الانكليزي ليعني بشكل او بآخر كلمة <جهنم>!