25 May,2019

مَن ربح ومَن خسر في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين؟!

 

بقلم خالد عوض

من  المفترض أن تتوج المحادثات التجارية الجارية بين الأميركيين والصينيين بإتفاق يوقعه الرئيس الصيني <شي جن بينغ> والرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في واشنطن. هذا بالطبع في حال نجحت المفاوضات في الوصول إلى قواسم مشتركة تسمح لـ<ترامب> بأن يعلن انتصارا اقتصاديا وتجاريا وتتيح للصين أن تستمر بإغراق السوق الأميركي – وهو أكبر سوق استهلاكي في العالم – ببضائعها. ولكن ماذا لو فشلت هذه المفاوضات؟

سياسة عدم عض الأصابع!

 

عندما أعلن الرئيس الأميركي عن تأجيله فرض رسوم جمركية إضافية على واردات صينية تبلغ قيمتها ٢٥٠ مليار دولار سنويا كان يضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد. الأول والأهم هو تخفيف العبء على المستهلك الأميركي الذي بدأ يشعر بغلاء بعض مشترياته منذ إعلان الحرب التجارية وبدء فرض الرسوم الأولى منذ حوالى سنة. فلو كان <ترامب> فرض بين ١٠ و٢٥ بالمئة من رسوم إضافية على ربع تريليون دولار من البضائع الصينية  كما كان ينوي لكان مؤشر التضخم الأميركي ارتفع في تصاعد غير مسبوق منذ الأزمة المالية العالمية. إرتفاع التضخم أي غلاء الأسعار سيؤدي مباشرة إلى زيادة الفائدة على الدولار بسرعة أكبر على عكس ما يريد <ترامب> وعلى عكس ما يريد أيضا رئيس البنك المركزي الأميركي <جيروم باول> الذي أعلن أنه يريد التريث قبل مواصلة زيادة أسعار الفوائد. وزيادة أسعار الفائدة تعني زيادة وتيرة نمو الدين العام الأميركي الذي تجاوز منذ اسابيع مستوى الإثنين وعشرين ألف مليار دولار (٢٢ تريليون) وأصبح أكبر من مجموع الناتج المحلي الأميركي، وهذه الحلقة تؤدي إلى تراجع في النمو الاقتصادي الأميركي الذي رغم متانته بدأ يخف عن زخمه الأولي والمتوقع أن يكون أقل من ٣ بالمئة عام ٢٠١٩.

الحجر الثاني الذي كان <ترامب> يريد أن يصيبه هو إعطاء إشارة إيجابية إلى الصينيين تساعد في تقدم المفاوضات وتساهم في تخفيف التصلب من الجهتين. والحجر الثالث هو محاولة انجاح قمته في <هانوي> مع الرئيس الكوري الشمالي <كيم جونغ أون> لأنه يعرف تماما أن الأخير هو دمية صينية أو على الأقل أن الصين تستخدمه بصورة أو بأخرى للضغط على الولايات المتحدة، ومن الواضح بعد فشل لقاء <جونغ اون – ترامب> في فيتنام أن الصين لا تريد التنازل بسرعة في المسألة الكورية الشمالية.

الصين واثقة أو… خائفة؟!

 

منذ أيام افتتحت الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (البرلمان) التي تستمر أسبوعين وأعلن رئيس الوزراء الصيني <لي كه تشيانغ> أن الصين تستهدف نموا اقتصاديا بين ٦ و٦,٥ بالمئة عام ٢٠١٩ وبين ٥,٥ و٦ بالمئة سنويا في الخمس سنوات المقبلة. كل العالم كان ينتظر هذه الأرقام لأنها تعني الكثير بالنسبة للنمو الاقتصادي العالمي ولأسعار النفط وأسعار العملات وحتى إتجاه أسعار الفوائد. إذا استطاعت الصين تحقيق هذا المستوى من النمو الذي هو أقل مما كان عليه خلال العشرين سنة الماضية فإنها ستتمكن من مضاعفة ناتجها المحلي الحالي الذي يزيد قليلا عن ١٣ ألف مليار دولار ليصل إلى حوالى ٢٧ ألف مليار دولار عام ٢٠٢٥. هذا يعني أن الصين ستصبح أقوى قوة اقتصادية في العالم عام ٢٠٢٥ لأن الولايات المتحدة التي تنمو بمعدل ٢,٥ إلى ٣,٥ بالمئة سنويا والتي لا زالت الأولى اقتصاديا بناتج محلي يزيد حاليا عن ٢٠ ألف مليار دولار، بالكاد يمكنها أن تصل إلى ٢٧ ألف مليار دولار قبل عام ٢٠٢٥. ولكن ماذا لو لم تستطع الصين تحقيق هذا النمو؟ وماذا لو كانت الأرقام الحقيقية للنمو الصيني أقل من المعلن عنه لأن الشفافية المالية غير موجودة بالضرورة في كل ما يصدر عن الصين؟ الأهم من ذلك أن تحقيق نمو اقتصادي بمعدل ٦ بالمئة سنويا سيتطلب الكثير من ضخ الأموال لتوفير الرساميل للشركات عبر القروض، وهذا يعني مزيدا من الديون الدخلية في الصين حيث وصل مستوى القروض الحكومية ودين الشركات إلى أكثر من ١٨ ألف مليار دولار. كل ذلك يعني أن النمو الصيني جاء بالديون وأن المزيد منه سيتطلب قروضا أكثر وأكبر. التحدي الثاني أمام النمو الصيني هو الحرب التجارية الأميركية التي تقف بوجه الصادرات الصينية. رغم كل التحديات والعقبات التي يحاول <ترامب> وضعها أمامها،  يبدو أن الصين متجهة إلى قيادة العالم اقتصاديا مع حلول ٢٠٢٥ أو بعدها بقليل. ويبدو أنها أصبحت منذ مدة المحرك الأول للاقتصاد العالمي.

 

أوروبا… إلى الوراء!

 

المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا بدأت منذ أيام، وهي فعليا مباحثات بين الألمان والأميركيين على التبادل التجاري بين القوتين. المؤشرات المالية الآتية من أوروبا ليست مطمئنة لأنها تشير أن القارة العجوز لم تخرج بعد من الأزمة المالية العالمية. النمو لا زال ضعيفا بل بدأ يتراجع حتى في ألمانيا. ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي سيعود إلى التحفيز الكمي الذي توقف عنه مؤخرا لأن النمو لن يتحقق من دونه. لذلك لا زالت الفوائد على اليورو تحت الصفر وستبقى كذلك في المدى المنظور. هذا يعني أن الأوروبيين يدخلون المفاوضات مع الولايات المتحدة من موقف ضعف اقتصادي وأنه لا بد أن يقبلوا ببعض شروط <ترامب>، وأحد أهم شروطه سيكون الطلب منهم الوقوف معه في حربه مع الصين، التي لا زالت أوروبا حيادية فيها. ويكفي أن الهند سبقت باقتصادها فرنسا وبريطانيا عام ٢٠١٨ وستتخطى ألمانيا مع سنة ٢٠٢١ ليتبين أن مركز الاقتصاد الأوروبي يتراجع عالميا.

حتى الآن لم تنفع الحرب التجارية التي شنها <دونالد ترامب> في التنبيه إلى قوة الصين الاقتصادية وإتجاهها الأكيد إلى تبوء المركز الأول في العالم مع حلول عام ٢٠٢٥… وإذا لم تحصل حروب أو قلائل داخلية في الصين أو أزمة عالمية كبيرة، فكل ما يمكن أن يقوم به الأميركيون هو تأخير الصين وليس منع اقتصادها من أن يصبح الأول في العالم.