21 September,2018

ميـشــــال عـــــون لـولايــــة رئـاسـيــــة ثـانـيـــــة عــــام 2022!

بقلم وليد عوض

عون جنبلاط

الرئيس ميشال عون حين يستقبل رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في قصر بعبدا ويتناقشان على بساط أحمدي يكون قد أذن لنفسه أن يختصر المشكلة السياسية التي تؤخر تشكيل الحكومة في لبنان، وأن يفكك العقد التي تعطل ولادة حكومة ما بعد الانتخابات المفروض أن تكون قد تمت خارج كل وصاية، كما ان استقباله للزعيم الوطني وليد جنبلاط يوم الأربعاء أمس الأول تدعيم لموقع رئاسة الجمهورية!

والعقدة الأولى في علاقة الرجلين هي مسألة تمثيل كتلهما النيابية. فكتلة الرئيس عون تتألف من تسعة وعشرين نائباً، وكتلة القوات اللبنانية تتألف من 15 نائباً. الرئيس عون يطلب من نوابه التسعة وعشرين 11 وزيراً، وسمير جعجع يطلب خمسة وزراء من أصل 15 نائباً انها عملية شد حبال بين أكبر قوتين مسيحيتين في مجلس النواب هما كتلة الرئيس عون ومعه تيار <لبنان القوي> وكتلة الدكتور جعجع. وإذا عم السلام بين الكتلتين انتهت المشكلة، وإذا استحكم الخلاف ولم يصل الى حل وطني جامع، فالمشكلة مستمرة ولا يملك الرئيس المكلف سعد الدين الحريري إلا الاستجارة بالله العلي العظيم!

في الأساس لا يرتدي الكيان الوطني اللبناني لبوساً طائفياً، كما كانت الحال زمان الرئيس كميل شمعون في حقبة الخمسينات. ليس هناك كتلة مسيحية يتزعمها كميل شمعون ولا كتلة اسلامية يتزعمها الرئيس صائب سلام، وحين ينحاز نائب معارض مثل اميل البستاني الى اجتماع دير القمر، لا يكون قد ترك طائفته المارونية بل يكون قد اختار طائفة الوطن، بدليل ان اجتماع دير القمر كان يضم كمال جنبلاط، وأنور الخطيب، وكان سيضم الزعيم عبد الحميد كرامي لو أراد تغليب الاعتبارات الوطنية على الاعتبارات المناطقية.

وكان لعبد الحميد كرامي زمان الأربعينات موقف متميز على طريق مهرجان دير القمر. فقد واجهه قائد دركي من آل الدويهي وقال له: <يا أفندي.. إذا سمحت بمرورك الى المهرجان فسأفقد وظيفتي، وعندي عائلة أخاف عليها حتى من تجريح النسيم>.

قال ابن الدويهي هذا الكلام عندما رأى عبد الحميد كرامي يفتح صدره ويقول له: تفضل وأطلق النار، لأنني ذاهب الى المهرجان.

وأطلق القائد الدركي سلاح الحكمة بدلاً من سلاح النار، خصوصاً وأن الأوضاع الأمنية بين طرابلس وزغرتا ستزيد الطين بلة، واعتبر الأمر بادرة وطنية من الرجلين: ابن الدويهي لم يطلق النار بل أطلق سلاح الحكمة، وعبد الحميد كرامي تعالى على الجرح وقام بتسليف ابن زغرتا موقفاً وطنياً.

ماذا تريدون؟!

كانت الطائفية وقود كل صدام بين البسطة والجميزة. وكان حرق التراموايات دواراً بين المنطقتين: البسطة تحرق قطاراً والجميزة تحرق قطاراً بالمقابل، حتى تجمع مئات الأنصار أمام دارة الرئيس صائب سلام في المصيطبة للرد على حرق التراموايات.

 

حركة صائب سلام

 

كان في امكان الرئيس سلام أن يزيد النار اشتعالاً ولكنه خاطب المجتمعين أمام دارته قائلاً:

ــ أيها القوم من دفعكم الى هذا. لقد اشترينا الترامواي. ومن أموالكم في دفع فواتير الكهرباء، ننفق على فرص العمل والعناية الصحية، فهل تحرقون كل هذه المكاسب؟

وغابت أعواد الثقاب عن حافلات الترامواي، وتوقف نسف هذه الحافلات وإسقاط الجرحى الأبرياء.

وهكذا تولد الزعامات.

والزعامة، خصوصاً إذا كانت رئاسة الجمهورية هي أقصى ما يشتهي إليه السياسي الماروني. هكذا كان توجه اميل اده رئيس الكتلة السياسية، والرئيس شارل حلو الذي وجد نفسه بين ليلة وضحاها يتوجه من منصب وزير التربية الى منصب رئيس الجمهورية بعدما اختاره لهذا المنصب الرئيس فؤاد شهاب مفضلاً إياه على ابن عمه الأمير عبد العزيز شهاب مرشح آخر ساعة. كانت التعبئة تعبر من الخط المسيحي الى الخط الوطني وهكذا أحب المرشح الرئاسي ابن جزين فريد قوزما أن يفعل، فكان تقربه من المسلمين غلاباً على مسيحيته.

وبفضل خط فؤاد شهاب جاء الى رئاسة الجمهورية حاكم مصرف لبنان الياس سركيس، وكان صاحب قماشة وطنية ديموقراطية، وكانت المارونية هي السبيل لترشحه للرئاسة، ولكنها لم تكن الوسيلة الديموقراطية، وكان لافتاً وهو يستقبل وفداً من الأطباء المسلمين في فندق <كارلتون> أن يحمل بنفسه الكرسي الى أحد الواقفين.

ومنذ ذلك الحين تراجعت حدة الموجة الطائفية، وصار سباق المسيحي الماروني الى كسب رضاء المسلمين هو الحالة الموصوفة للعلاقة بين الزعماء. ولا ينسى المعمرون كيف تحدى الرئيس صائب سلام الزمن والحواجز وقرر أن يقطع الطريق بين البسطة والجميزة، كإشارة الى أن جميع أبناء الوطن في بوتقة واحدة أهم بكثير من جمعهم في محتوى طائفي. ومن الذكريات أن الرئيس سلام خاض غير مرة ملاكمة رياضية مع الشيخ بيار الجميّل رئيس حزب الكتائب. وكم من مرة قال الشيخ بيار للرئيس سلام: يا صائب بك لا يكفي أن تقول للمسيحي: لا تخف، لأن الضرورة تقضي بأن يعلن شخصياً عدم الخوف. بدك هو ما يخاف.

زلزال الطائف

عون جعجع 1

وهكذا قام اتفاق الطائف خريف 1989 على محو حالتين استبدتا بالناس: الخوف عند المسيحيين، والغبن عند المسلمين، ومن انطفاء الخوف والغبن تجدد واقع لبنان وأصبح الوطن المرتجى للجميع، بفضل الدعم الذي وفره خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وملك المغرب الحسن الثاني ورئيس الجزائر الشاذلي بن جديد، وهذا ما استحق قيام وفد من نواب الطائف بزيارة كل من المغرب والجزائر لتقديم واجب الشكر.

ونعود الى حالنا.

فالرئيس عون كان محسوباً على أعداء اتفاق الطائف، ولم يسلم من تهمة قيام بعض أنصاره بالتهجم على البطريرك نصر الله صفير في بكركي، لأن البطريرك أعلن تأييده لاتفاق الطائف كخشبة خلاص للبنانيين من ذلك الواقع الأليم الذي جعل هناك حكومتين: واحدة برئاسة قائد الجيش ميشال عون، وثانية برئاسة الدكتور سليم الحص.

منذ ذلك الحين والعماد ميشال عون طموح الى رئاسة الجمهورية، وكان صاحب الهتاف الشهير من منصة قصر بعبدا <يا شعب لبنان العظيم> ومنذ ذلك الحين والدكتور سمير جعجع حبيس سجن وزارة الدفاع طموح الى رئاسة الجمهورية، بغض النظر عن جميع الاعتبارات، وكان يواظب على مطالعة سيرة الزعيم الافريقي المناضل <نلسون مانديلا> الذي خرج من السجن الى رئاسة الجمهورية برضاء المسلمين والمسيحيين. وهناك داخل منفاه في الضاحية الباريسية <هوت ميزون> كان ميشال عون يقيم حساباته السياسية، فهو يصبو الى رئاسة الجمهورية، ولا يرى جامعاً بين اللبنانيين الا اتفاق الطائف الذي عارضه وعارض من أجله البطريرك نصر الله صفير. ومن رحيل الوصاية السورية عن لبنان عام 2005 زاد قناعة بأن جمع اللبنانيين لن يتوفر إلا باتفاق الطائف.

وميشال عون الآن يبسط حمايته حول اتفاق الطائف ويهيب بأنصاره أن يتلزموا بهذا الاتفاق، وان احتاج الى بعض التعديلات لجهة صلاحيات رئيس الجمهورية التي ذهبت كلها الى مجلس الوزراء مجتمعاً.

وحتى الرئيس كميل شمعون لم يفارق الحياة في مستشفى <أوتيل ديو> إلا بعدما عقد الخناصر مع الرئيس رشيد كرامي عبر الوزير الدكتور جوزف الهاشم، وكانت البداية هي نقل صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، أي لكل الطوائف.

وهناك الآن رموز مسيحية تطمح الى قصر بعبدا: ميشال عون البالغ من العمر 83 سنة طمعاً بولاية رئاسية جديدة، وسمير جعجع الذي يعتقد ان شبابه ما زال يؤهله للمنصب، والنائب وزير الخارجية جبران باسيل إذا صرف الرئيس عون النظر عن ولاية رئاسية جديدة. وكذلك رئيس حزب الكتائب الشيخ سامي الجميّل ولو بمزيد من الجهد شرط أن يزيد عدد نواب حزبه في البرلمان.

ومن المشهد الذي يجمع بين الرئيس عون والدكتور سمير جعجع يمكن استشراف الغد السياسي الآتي في لبنان، كما ان حضور وليد جنبلاط يوم الأربعاء أمس الأول الى قصر بعبدا حالة تدعيم لمكانة رئيس الجمهورية. أي لا حكومة بدون جعجع، ولا استقرار بدون ميشال عون!