17 November,2018

ميشال عون في هيئة الأمم: أنــا لـبـــنان الـجـديــــد نـمــــوذج الـتـعــدد الـديـمـوقـراطـــــي!

بقلم وليد عوض

الحريري-ترامب---aaa

الحاكم لا يملك السلطة وحده. فالمسؤوليات تتشعب بحيث توجب على الحاكم أن يستعين بفريق من المعاونين أصحاب التجربة الواسعة في قضايا السلطة. وهذا ما يفعله الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في ممارسة السلطة، ويثير حوله الضجيج لفرط ما يبلغ عدد الذين يعينهم، ثم يستغني عن خدماتهم، وهو في هذا الباب يتأثر كل التأثير بالرئيس المحرر <ابراهام لينكولن> الذي أحيط بجيش من الموظفات والموظفين. وحتى يختبر كفاءات الذين حوله، وما معهم من ملفات، كان يستقبلهم واحداً واحداً ويسأل كلاً منهم بدوره.

وبلغ في استجواب بعضهم ان الاستجواب استغرق اثنتي عشرة ساعة بحيث سقط على كرسي من فرط التعب. وفي سنوات حكمه حتى العام 1881 ظل يختبر معاونيه ويصنف كلاً منهم في المرتبة التي تليق به. وهكذا تصرف مع مرافقه <جاريد كوشنر> بحيث اختاره مستشاراً مقرباً من أذنيه، أو مع <أوما روزا مانيغول> المذيعة التي شاركت في عقد لقاءاته التلفزيونية في فترة الاستعداد للمعركة الانتخابية واختارها مستشارة..

ويبدو ان الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> من المدرسة السياسية نفسها، مدرسة حب التغيير، وعدم الاتكال على ثورة برجل واحد. وهو بالاضافة الى ذلك عشير كتابات رواد الأدب مثل <ليو تولستوي>. وأخير مشاهد الرجل كان لقاؤه بالنائب السابق لوزير الدفاع الروسي والحاكم الحالي لولاية تولا <اليكسي ديومين>، والاثنان: <بوتين> و<ديومين> اكتشفا مواهب <جاسنايا بوليانا> المقيمة في مزرعة <تولا> التي تبعد مئتي كليومتر الى جنوب موسكو، وكان <بوتين> قد جذبته معرفة <ديومين> لـ<ليو تولستوي> صاحب رواية <الحرب والسلام>.

وقد أراد <تولستوي> أن يربي الخنازير لقاء أجر شهري يكفيه كمؤلف. ولكن تربية الخنازير لم تنفع فماتت كلها لعدم وجود العناية الطبية اللازمة لها.

وسأل <بوتين> عندئذ <ديومين>: <إذن.. مم كان <تولستوي> يعيش؟>. فجاءه الجواب الغريب: <كان يعيش من كتبه>.

ويسأل <بوتين> من جديد:

ــ وهل كان ذلك يكفيه لمعيشته؟

فيجيب: <أبداً.. في ذلك الزمان كانوا يعتاشون من قطع الأشجار>.

وكان <بوتين> يستظل بصورة <تولستوي> ويقول: <لن أجعله أفضل مني!>.

و<اليكسي دومين> الحاكم الجديد لولاية <تولا> هو المرشح الآن ليكون خليفة <بوتين>.

وبقدر ما تنتشر سياسة الانفتاح، وعبور الجسور، التي تفصل عواصم العالم، بقدر ما يعلن <بوتين> ضيقه من آلاف الجدران المنصوبة بين بلاد العالم، وأطولها الجدار القائم الآن بين الهند وبنغلادش بطول يتراوح بين 3268 و3326 كيلومتراً.

ومن يضيق صدره بمئات الجدران التي تفصل بين الدول، لا يمكن أن يرضى بعزل دول أخرى، مهما كان صغر حجمها. فأين صارت آثار هذه الجدران؟وهل يمكن لرجل بهذه الخصائص الانسانية أن يرضى بعالم مهدد بالتقسيم؟

الشاهد في ذلك ان <بوتين> المتأثر بأدب <تولستوي> والسلام المتقدم على الحرب لا يمكن أن يسير في مخطط تقسيم سوريا، سواء من الشمال المجاور لتركيا، أم من الجنوب المجاور للأردن.

 

باتجاه جنيف!

 

من جنيف 30 حزيران (يونيو) 2012، كانت انطلاقة مؤتمر السلام رقم واحد في سوريا، وفي تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، يكون المؤتمر الرابع للسلام في سوريا، كما يقول المبعوث الأممي <ستيفان ديمستورا> الذي طالت وساطته وتجاوزت أمد كل الوساطات، وبلغ من ذلك أن مجمعه السكني في فندق <شيراتون> صار يحمل اسم <ديمستورا> لكثرة ما يقضي فيه الرجل من أيام.

وقال <ديمستورا> في مؤتمر صحافي عقده في جنيف يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي عن مسيرة السلام في سوريا: <نعوّل كثيراً على روسيا وعلى إيران وعلى أي طرف له نفوذ على الحكومة السورية حتى تكون مستعدة عند دعوتها الى جنيف لبدء تفاوض حقيقي ومباشر مع أي منبر للمعارضة يحضر المفاوضات>.

واعترف مسؤول في الهيئة العليا للمفاوضات <ان هناك مفاوضات تجري بالفعل بين أطراف المعارضة موضحاً ان أحد الفصائل كان يعد نفسه لزيارة السعودية هذا الأسبوع لإجراء مزيد من المحادثات.

ولكن المفيد في كل هذه المحادثات هو السؤال: ماذا عن الأطراف المعنية؟ وأين موقف النظام السوري الذي يجسده الرئيس بشار الأسد من محادثات جنيف؟ بل أين هو من فكرة السلام الذي طرحها مؤتمر جنيف؟!

في الأساس ليست العلاقات متوترة بين قوات <سوريا الديموقراطية> والحكومة السورية. لا كلام وزير الخارجية وليد المعلم يكفي، ولا تصريحات مندوب سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري تشفي الغليل، بل تأتي تصريحات طلال سلو قطب <سوريا الديموقراطية> لتزيد النار اشتعالاً حيث يقول ان القوات الأميركية ستبقى في شمال سوريا لفترة طويلة بعد هزيمة <داعش>، بحيث تكون هناك علاقات مستمرة بين واشنطن ومناطق سيطرة أكراد سوريا.

السوريون المعارضون، وهم على سطح الأحداث، يطمحون الى حضور أميركي، ووجود روسي، ومساندة فرنسية، وتأييد مجلس التعاون الخليجي، ما عدا قطر، كنفحات أوكسيجين للنظام المتهالك، وفي رأيهم لم تعد المشكلة بوجود الرئيس بشار الأسد على رأس النظام، ولا بتسلسلات حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يمثله في لبنان رئيس فرع الحزب الوزير علي قانصو. فالبعد الدولي لنظام مثل النظام السوري هو الضمانة لاستمرار النظام المتهالك، وبدون هذه النفحات سيستمر دوي المدافع، وهدير الصواريخ وبيانات الاقتحام لبعض القرى في محافظة ادلب، ومحافظة تدمر..

 

2أي لبنان؟ وأي سوريا؟

 

أي ان الآتي أعظم، واستجماع مقومات البقاء لنظام بشار الأسد يتقدم على كل المعارك. فقد دفع الشعب السوري ما يكفي من كوارث وضحايا وقبور مظلومين، وبات عليه أن يستكشف مستقبل سوريا. هل هو مستقبل قومي عربي كما في زمان جمال عبد الناصر خلال فترة الستينات، أم هو نظام ليبرالي يشابه النظام الروسي والنظام الفرنسي، أم هو نظام بعباءة عربية متجددة. كما سيحلو السؤال: ماذا عن اتفاق الدولة السورية مع الدولة اللبنانية في المجلس الأعلى السوري اللبناني. وكيف ستكون علاقته مع الأردن في الجزء الجنوبي من سوريا؟

والمرحلة المقبلة موصوفة بأنها مرحلة توزيع الحصص. فأين سيكون الحضور الروسي، وأين سيتمركز الحضور الأميركي، وكيف سيتقاسم العـــــرب حضورهــــم الكبير في الخريطـــــة السوريـــــة، وهـــذا يستدعــــي بأن يكـــون مجمــــل القــــــول هــو: علــى غرار أي بلد في العالم يمكن أن تكون سوريا؟!

الروس ومدافع أنور كرم

 

الخبراء الروس يستحضرون نظام الماريشال <جوزف بروز تيتو> رئيس اتحاد يوغسلافيا، وكان نظاماً حليفاً للرئيس جمال عبد الناصر. وقوة حضور الرئيس المصري في لبنان خلال شهر أيار (مايو) 1958، جعلته يقطع رحلته البحرية الى يوغسلافيا، ويعود الى الاسكندرية ثم القاهرة، من أجل مدينة طرابلس التي اشتعلت فيها الأحداث، ووقع فيها الصدام العسكري: الجيش في الساحل، والثوار في عمق المدينة، بدءاً من قلعة <سان جيل> التي كانت معقلاً لفاروق المقدم، وهدفاً لمدافع العميد أنور كرم من منطقة البحصاص. ورغم التجاذب السياسي في طرابلس ولبنان يومذاك فإن مدافع أنور كرم كقوة عسكرية ممثلة للجيش اللبناني لم تكن محسوبـــة كمدافع عدوة، أو بقايا عسكرية من زمن الانتداب الفرنسي. والدليل على ذلك ان الرئيس رشيد كرامي، طيب الله ثراه، ما إن تسلم السلطة مع اللواء فؤاد شهاب، حتى رمم الجسور مع الجيش اللبناني، لتكون المقاومة في لبنان هي الشعب والدولة والثوار.

وفي هذه المعالم من التغيير أين سيكون موقع لبنان؟

لقد استطاع لبنان وهو يطل من عهد الرئيس ميشال عون أن يحافظ على نفسه كبلد مؤسسات، وجسور دولية، ومساعدات من صناديق الدعم الدولي، والتمسك بالقرار الدولي 1701، وهذه الصورة سيستحضرها الرئيس ميشال عون من منبر هيئة الأمم ليقول للعالم: أقدم إليكم لبنان جديداً، لبنان الحضور الدولي، ومربط المؤسسات، ومعقل الجامعات، وكل ما يطلبه منكم أن تساعدوه حتى يعيش ويتطور بصيغته التعددية، وانتشاره الاغترابي برئاسة نعمة جورج افرام، بحيث يكون نموذجاً عالمياً لتعدد الأديان والطوائف والتيارات، ومحط أنظار دول العالم، ولاسيما البلدان الصغيرة فيكون الصيغة الأفضل لأنظمة الدول الصغيرة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، إضافة الى أن لبنان بدءاً من طرابلس هو المفتاح لورشة إعادة الإعمار في سوريا!

وكل ذلك تزامن مع حملة قائد الجيش العماد جوزف عون وشعار انطلاقته العسكرية ضد عصابات <داعش> فجر السبت الماضي تحت عنوان: <فجر الجرود>!

ومن هنا… نبدأ!