22 September,2018

مياه الصرف الصحي تسقي البندورة والبقدونس والخس وكل ما ينبت في الحقول!

بقلم وردية بطرس

الدكتور-جورج-خليل

الهموم التي تثقل كاهل اللبنانيين لا تُحصى ولا تعد، فتارة تكون حياتهم وامنهم مهددين وتارة تكون صحتهم وأمنهم الغذائي مهددين أيضاً…فبعد فضائح الغذاء والأدوية، تبرز مشكلة جديدة قديمة الى الواجهة ألا وهي مياه الصرف الصحي التي باتت تهدد صحة الناس لأنه في كثير من الأحيان تختلط مياه الصرف الصحي مع مياه الشرب، فتسقي الخضار والفاكهة خصوصاً التي تُزرع في الأرض بالمياه المبتذلة والمجارير لدرجة ان المواطن يشم رائحة المجارير على الخضار مثل البقدونس والخس وغيرها…

تتعدد مصادر الصرف الصحي، فهناك الصرف المنزلي، والصرف الصناعي، وصرف مياه الأمطار، وماء الرشح (الخاص بتخفيض منسوب المياه الجوفية).غالباً ما يتكون الصرف أساساً من المواد العضوية السائلة من الحمامات، والمطابخ، والأحواض والتي يتم التخلص منها عن طريق أنابيب الصرف.كما انه في مناطق كثيرة تضم مياه الصرف ايضاً المخلفات السائلة من المصانع والمستشفيات والمطاعم وتؤثر هذه المخلفات تأثيراً سلبياً على اعمال المعالجة.

وتعتبر مياه المجاري واحدة من اخطر المشاكل على الصحة العامة في معظم دول العالم الثالث، لأن اغلب هذه الدول ليس لديها شبكة صرف صحي متكاملة.وتحتوي مياه المجاري على كمية كبيرة من المواد العضوية واعداد هائلة من الكائنات الحية، وتسبب امراضاً للانسان لأنها تصل الى مياه الري او تختزنه بعض النباتات في انسجتها بنسبة عالية مثل: الجزر، الكرنب، الفجل، الكرفس، الخس، السبانخ، الخيار، البقدونس، والبطاطا، والسلق، والروكا، مما يفقدها طعمها وتصبح رائحتها كريهة، وإذا تجولت في أي <سوبرماركت> وطلبت الحصول على باقة بقدونس، فإنك لا تلبث أن تعيدها الى مكانها لما يصدر منها من رائحة المجارير.

كما ان وجود العديد من البكتيريا الضارة بنسب تتجاوز الملايين من بكتيريا <القولون> البرازية والتي تعتبر المصدر الأساسي للأمراض المعوية وبكتيريا <السالمونيلا> التي تسبب امراض التيفوئيد، وبكتيريا <الشيغيلا> التي تسبب الإسهال.

ووجود العديد من بويضات الطفيليات المسببة لكثير من الأمراض مثل: <البلهارسيا>، <الانكلستوما>.وقد تنبعث روائح كريهة من مياه المجاري والتي تمثل خليطاً من غاز كبريتيد الأيدروجين وهو يسبب تهيج الأغشية المخاطية في العيون والجهاز التنفسي وغاز <الأمونيا> وهو غاز شديد السمية يسبب تهيج الأغشية المخاطية في الحنجرة والأنف.

وتشير آخر التقارير العالمية الى ان هناك نحو ملياري شخص يستخدمون مياه ملوثة بالبراز مما يشكل تهديداً صحياً عالمياً.وما زال سبع سكان العالم معظمهم من الفقراء ويعيشون في المناطق الريفية يقضون حاجتهم في العراء، مما يؤدي الى تلوث المياه وتهيئة أرضية خصبة للإسهال والكوليرا والتيفوئيد.

أما في لبنان، فلقد تعرضت مصادر المياه لكل أنواع التلوث بسبب غياب شبكات الصرف الصحي عن مناطق وجودها، وفي حال وجودها انعدام أعمال صيانتها ومراقبتها بالإضافة الى عدم ربطها بمراكز لمعالجة مياه الصرف الصحي المبتذلة قبل رميها بالقرب من السواحل ومجاري الأنهار والآبار.ومن أسباب التلوث ايضاً المكبات العشوائية واستخدام الأسمدة والمبيدات ورمي الزيوت والمحروقات في الأنهار والبحر.

 والمكبات العشوائية وما عليها من الأسمدة والمبيدات والزيوت المحروقة تغزو الشواطئ. يضاف الى ذلك ان  70 في المئة من مصادر المياه والشبكات في لبنان معرضة للتلوث الجرثومي، وتزيد نسبة التلوث في موسم الجفاف.وتعود أسباب هذا التلوث الى عدم وجود حماية لمصادر المياه الطبيعية، تعرض الينابيع والمصادر السطحية لمياه الزراعة والمياه المبتذلة والنفايات الصلبة، الطرق غير السليمة للتخلص من المياه المبتذلة والنفايات الصلبة، تعرض شبكات المياه لتسرب من المياه المبتذلة اليها، وحتى بحيرة القرعون لم تسلم من التلوث وآثاره. ففي أواسط الثمانينات، بدأت مشاكل التلوث وبتنا نحتاج الى الحديث عن نوعية المياه وليس فقط عن الكميات اذ بات نهر الليطاني مجرى مكشوفاً للصرف الصحي في البقاع والصرف الصحي مع مكبات النفايات الصلبة ونفايات المعامل التي اقيمت في المنطقة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.

الجرثومتان الأخطر

فما هي المشاكل الصحية التي يسببها اختلاط الصرف الصحي بمياه الشرب وغيرها من الآبار الارتوازية؟ وما هي الجراثيم التي تنتقل الى الانسان عند اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب؟ وماذا عن الخضار والفاكهة التي تسقى بمياه الصرف الصحي؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الدكتور جورج خليل اختصاصي امراض داخلية والتهابات جرثومية، وهو أستاذ محاضر لدى كلية الطب في جامعة القديس يوسف وسألناه اولاً عن آثار مياه الصرف الصحي على صحة الانسان فيقول:

لا شك ان لمياه الصرف الصحي تأثير ومخاطر على صحة الانسان عند استعمالها الى ما هنالك، اذا وصلت مياه الصرف الصحي الى مكان آمن وتتم معالجتها فلا مشكلة بذلك، ولكن المشكلة تكمن بأن مياه الصرف الصحي تختلط بمياه الشرب في كثير من الأحيان، وهذا ما اثار خوف الناس وقلقهم في الفترة الأخيرة.كما ان مياه الشرب تتلوث بسبب قساطل المياه اذا كانت مثقوبة مثلاً اذ تنتقل الجراثيم اليها بسهولة مما يؤدي الى تلوث مياه الشرب ايضاً.كما لا يغيب عن البال استعمال الآبار الارتوازية التي تكون احياناً ملوثة.صحيح انه في العادة يتم تكرير المياه التي تختلط بالصرف الصحي ولكن للأسف في لبنان احياناً لا يتم تكرير المياه قبل وصولها الى المستهلك او المواطن، وبالتالي يصبح عرضة للإصابات بالأمراض الى ما هنالك.فالمياه الملوثة والمختلطة بمياه الصرف الصحي لا توثر على صحة الانسان اذا شرب منها فحسب بل حتى اذا استعملها لغسل اليدين او الاستحمام خصوصاً اذا كان هناك جرح فيُصاب بالالتهاب، كما ان استعمال تلك المياه لجلي الصحون وغسل الخضار وغيرها يضر بصحة الانسان لأن تلك المياه تكون حاملة الجراثيم وكلما تكاثرت الجراثيم يزيد خطر الإصابة بالالتهابات.

ــ وما هي الجراثيم التي تنتقل الى جسم الانسان من خلال شرب المياه المختلطة بمياه الصرف الصحي؟

– هناك العديد من الجراثيم التي تدخل الى جسم الانسان من خلال المياه المختلطة بمياه الصرف الصحي ومنها جرثومة <ايكولاي> (تعيش هذه الجرثومة في الجهاز الهضمي للبشر والحيوانات، وتنتقل العدوى عن طريق ملامسة البراز. ويمكن ان تحدث عند شرب الماء أو تناول المواد الغذائية التي تلوثت من البراز). و<السالمونيلا> هي جرثومة منتشرة في الطبيعة والعديد من الكائنات الحية، اذ هناك أكثر من ألفي صنف منها، وتنتقل العدوى عن طريق الفم بشكل عام من خلال تناول أغذية او شرب مياه ملوثة بالجرثومة، وتستطيع هذه الجرثومة ان تلوث الغذاء وتسممه، وجرثومة <الشيغيلا> وهي أحد أنواع الجراثيم التي تصيب الجهاز الهضمي.كما يُصاب الانسان بمرض التهاب الكبد <ا> والذي يحدث بسبب تلوث المياه واليوم يكثر الحديث عن الإصابة بهذا المرض علماً انه احياناً لا ينتشر المرض واحياناً أخرى تتزايد نسبة الإصابة به.وجرثومة <الاميبا> (وهي احدى الطفيليات المعوية والتي تنتقل من الحيوان الى الانسان، وتنتقل العدوى نتيجة تناول غذاء ملوث).وهناك العديد من الطفيليات مثل طفيلية <الدزنطاريا> (وهو مرض تسببه جرثومة تغزو بطانة <القولون> وتنتقل من شخص لآخر نتيجة عدم اتباع اجراءات النظافة الصحية، وتشبه أعراضه الأعراض الرئيسية لمرض التهاب المعدة).

ــ وماذا عن العوارض؟

– عند انتقال جرثومة <السالمونيلا> والتيفوئيد و <الشيغيلا>، تظهر العوارض الآتية: ارتفاع الحرارة، تقيؤ، اسهال وتسمم. وفي اكثر الأحيان ،تكون العوارض تسمم خصوصاً اذا اكثر الانسان من تناول طعام ملوث، فمثلاً اذا كان عدد من الأشخاص يتناولون طعاماً ملوثاً فحكماً الشخص الذي يتناول كمية كبيرة يُصاب بالعوارض أكثر من غيره لأن كمية الجراثيم التي دخلت الى جسمه أكثر بكثير من الشخص الذي تناول كمية صغيرة من ذلك الطعام.وطبعاً في هذه الحالة، يجب إعطاء الشخص المضادات الحيوية، وكشف كمية المياه في الجسم لتعويض خسارة المياه بسبب عوارض انتقال تلك الجراثيم الى جسمه.

ــ الى أي مدى تلعب مناعة الجسم دوراً في هذا المجال، فأحياناً لا تظهر العوارض عند اشخاص تناولوا الطعام الفاسد او الملوث نفسه الذي تناوله الآخرون واصيبوا بالتسمم؟

– صحيح ان للمناعة اهمية في هذا الخصوص ولكن يجب عدم الاتكال على ذلك بشكل دائم اذ احياناً تكون مناعة الشخص دائمة واحياناً أخرى تكون مناعته مؤقتة اي اذا أكثر من تناول أطعمة ملوثة فمع الوقت لن تحميه مناعة جسمه من الإصابة بالأمراض الناتجة عن التلوث والجراثيم وغيرها.ويجب التنبه هنا الى انه احياناً تدخل الجرثومة الى جسم الانسان دون ان تسبب له اي عوارض، وبالتالي يفرز جسمه الجراثيم وبذلك تنتقل العدوى الى الأشخاص المحيطين به دون ان يعلم بذلك وهذه تشكل خطورة ليس على صحته فحسب بل صحة الآخرين، كما ان عدم ظهور العوارض عند انتقال الجرثومة الى جسم الانسان يسمح للجرثومة بالبقاء داخل الجسم وتلحق الضرر بالكلى او المرارة دون ان يعلم بالأمر الى ان يصل الى مرحلة صعبة.اذاً يجب التنبه لهذه الأمور اكثر وعدم التساهل ظناً منا بأن المناعة ستحمينا من الجراثيم.

انتبهوا للجرح!

ــ وماذا عن تأثير المياه المبتذلة على جلد الانسان عند استعماله تلك المياه؟

– صحيح ان ضرر المياه المبتذلة على صحة الانسان كبير ولكن يجب التنبه لهذا الأمر ايضاً اي جلد الانسان عند استعماله هذه المياه اذ يصاب حتماً بالضرر خصوصاً اذا كان هناك جرح ما اذ يُصاب بالتهابات مختلفة، كما ان تلك المياه المبتذلة قد تحتوي على مواد كيميائية وبالتالي ضررها كبير على جلد الانسان.اذاً كل هذه الأمور يجب التنبه لها سواء عند استعمالها بغسل اليدين او الاستحمام او الشرب او ري الخضار والفاكهة وغيرها من الأمور.

ــ وما هي مضار ري الخضار والفاكهة بمياه الصرف الصحي؟

– بما ان مياه الصرف الصحي تحمل معها الجراثيم وبالتالي تنتقل تلك الجراثيم الى الخضار والفاكهة اثناء عملية الري وبالتالي الخضار التي تُزرع في الأرض مثل البقدونس والخس والفجل والجزر والقرنبيط وغيرها تتضرر اكثر من الفاكهة التي تنمو في الأشجار وليس في الأرض…ناهيك عن الرائحة الكريهة التي تنبعث من الخضار التي تُروى بمياه الصرف الصحي.صحيح ان ذلك لا يحدث في لبنان بنسبة عالية، ولكن بمجرد ان يحدث ذلك ولو بنسبة  5 في المئة، فإن لذلك أضرار كبيرة على الخضار لأن تلك الخضروات تصل الى الناس، وبالتالي يُصابون بأمراض، وبالتالي هذه مشكلة صحية يجب تداركها لكي لا تتفاقم أكثر فأكثر فتكون النتيجة أسوء مما هي عليه الآن.صحيح انه عندما يتم طبخ تلك الخضروات يتم التخلص من الجراثيم ولكن معظم الخضروات تؤكل نيئة وهي مفيدة لجسم الانسان وبالتالي المشكلة قائمة.

ويتابع:

– لا شك ان غسل الخضار جيداً يزيل الجراثيم خصوصاً اذا تم استعمال المطهر وما شابه ولكن احياناً يحدث ذلك بطريقة خاطئة، فمثلاً يغسلون الخضار بالمطهرات إنما الطريقة قد تكون خاطئة، فعلى سبيل المثال اذا وضعت السيدة الخضروات في المياه وأضافت اليها المطهرات من ثم أخذتها بسرعة دون فرك الخضراوات جيداً فلن يتم التخلص من الجراثيم الى ما هنالك لأن المطهر لا يقتل بويضات الطفيليات الملتصقة بالخضار ولهذا ننصح عندما نقوم بغسل الخضار ان نستعمل فرشاة خاصة بالخضار لإزالة الجراثيم عنها تحت مياه دافقة وبهذه الطريقة يتم التخلص من الجراثيم، وبالتالي استعمال المطهر وحده لا يكفي اذ يجب استعمال الفرشاة تحت مياه دافقة وليس مجرد نقع الخضار بالمطهر.

ــ برأيك كمختص في الالتهابات الجرثومية، هل يجب دق ناقوس الخطر نظراً لتزايد نسبة التلوث في لبنان؟

سد-القرعون

– لسنا في وضع خطر بل في وضع شاذ، ان الحالة شاذة بما يتعلق بصحة المواطن سواء من حيث المأكل او المشرب الى ما هناك… لطالما كان هناك مشاكل صحية ناتجة عن التلوث وما شابه، ولكن في وقتنا هذا تفاقمت المشكلة أكثر فأكثر ولم يعد تجاهل الأمر مقبولاً ومسموحاً لأن صحة الناس مسألة لا يجب المساس بها. واذا لم تُعالج هذه المشاكل، فعلى المدى البعيد ستكون النتائج وخيمة، إذ إن الأمر لا يتعلق بظهور عوارض الاسهال وارتفاع الحرارة عند انتقال الجراثيم الى الانسان بل تهدد صحته وتجعله عرضة للإصابة بأمراض مزمنة مثل السرطان ومشاكل الكلى وغيرها من الأمراض.

 

ــ وهل يختلف الامر عند انتقال الجراثيم الى جسم الانسان من ناحية العمر اي اذا كان طفلاً ام راشداً؟

– لا شك ان ضرر انتقال الجراثيم الى الأطفال يكون اكبر من الضرر الذي يُلحق بالراشدين، كما ان المسنين يتضررون اكثر من غيرهم عند انتقال الجراثيم اليهم لأن مناعتهم اقل من غيرهم.كما ان النساء الحوامل أكثر عرضة للإصابة بأمراض ناتجة عن انتقال الجراثيم اليهن.

ــ هل من نصائح؟

– أولاً، على كل مواطن ان يتنبه لمصدر المياه وان يطّلع على كل ما يخصه من الناحية الصحية، فأحياناً لا يدرك الشخص ماذا يحصل من حوله بما يتعلق بالصحة ويتغاضى عن امور عديدة تجعله عرضة للإصابة بأمراض بسبب التلوث وما شابه.كما ان غسل الخضار والفاكهة بشكل جيد مع استعمال المطهر يحمي الانسان من انتقال الجراثيم اليه.فالأمور التي بامكان الانسان الاهتمام بها عليه ان يقوم بها والا يتجاهلها حفاظاً على صحته وسلامته، ولكن طبعاً عندما يتعلق الأمر بأمور تستدعي اتخاذ اجراءات مهمة، فذلك من واجب المسؤولين والقيمين على صحة المواطنين.