23 September,2018

موقف عون من ”خيار الفراغ“ أو القانون الجديد ”العادل“ زاد جنبلاط بعداً عنه وقرّب بري منه... وأربك الحريري!

عون جنبلاط
في الوقت الذي تتحدث فيه الأوساط السياسية عن <فرصة حقيقية> للوصول الى اتفاق على قانون انتخابي جديد قبل منتصف شهر شباط/ فبراير الجاري، بدا من خلال تسارع الأحداث ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ليس في صدد <التساهل> في اعتراضه على التمديد للمجلس النيابي أو إجراء الانتخابات النيابية على أساس <قانون الستين>، وان المواقف التي أطلقها قبيل الجلسة ما قبل السابقة لمجلس الوزراء والتي <فجّر> فيها قنبلة <الفراغ> في مجلس النواب، ستتوالى الى حين الاتفاق على قانون جديد يحل محل القانون المعمول به حالياً.

وينطلق الرئيس عون من موقفه من ثابتتين سبق أن أعلن تمسكه بهما: الأولى ضرورة إجراء الانتخابات النيابية على أساس قانون جديد يحقق تمثيلاً شعبياً حقيقياً، والثانية عدم التمديد للمجلس الحالي في أي ظرف كان، ما يعني أن ما قاله في جلسة مجلس الوزراء في ما خص اختياره <الفراغ> إذا ما خُيّر بين إجراء الانتخاب على أساس <قانون الستين>، لم يكن هدفه الترويج للفراغ كما ذهب البعض الى القول، بل سعى الى التحفيز على الاتفاق على قانون جديد، وهي مهمة تسقط عنها صفة الاستحالة إذا ما قررت المكونات السياسية والطائفية التوصل الى قانون جديد.

وفيما ذهبت المراجع السياسية المتابعة الى القول إن الرئيس عون أراد أن يظهّر نمطاً جديداً في إدارة شؤون الحكم، أبدت في المقابل استغرابها للموقف الذي اتخذه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط دفاعاً عن <قانون الستين>، وقوله بأنه يقصي طائفة عن المشاركة في الحكم هي الطائفة الدرزية، لأن أي قانون سيتم الاتفاق عليه لن يلغي حصة الدروز في الندوة البرلمانية، ولا هو يهدف الى عزل مكون أساسي في قيام لبنان. غير أن <الصدام الكلامي> بين بعبدا والمختارة أعاد العلاقة بين رئيس الجمهورية والنائب جنبلاط الى نقطة الصفر، على رغم أن تلك العلاقة لم تكن <شهر عسل> بين الزعيمين الماروني والدرزي والتي شهدت عبر الاعوام الماضية مداً وجزراً حالا دون أي لقاء بين الرئيس عون و<أبي تيمور>، باستثناء الزيارة اليتيمة التي قام بها النائب جنبلاط لقصر بعبدا خلال الاستشارات النيابية الملزمة بعيد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية.

بري يقترب من عون بعد تباعد

 

وإذا كانت المعادلة قد أظهرت أن لا مكان في حسابات الرئيس عون لـ<قانون الستين>، فإنها بيّنت أن رئيس الجمهورية لا يخشى تحميله مسؤولية الفراغ في السلطة الاشتراعية لأنه يعتبر أن عدم وجود مجلس النواب أفضل من وجود مجلس ممدد له أو من وجود مجلس على أساس <قانون الستين>، الذي يرد الرئيس عون أنه سيعيد انتاج المجلس نفسه وسيكون بمنزلة تمديد مقنّع أو مموّه. والخلاف الرئاسي – الجنبلاطي الذي تطوّر بعد جلسة مجلس الوزراء، أدى عملياً الى تقارب مستجد بين الرئيس عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أجاد في <تبرير> الأسباب التي دفعت رئيس الجمهورية الى قول ما قاله رداً على محاولة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق <انتزاع> قرار من مجلس الوزراء بإجراء الانتخابات بأي قانون كان بما في ذلك <قانون الستين>، من خلال محاولة طرحه تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات وطلب اعتمادات للعملية الانتخابية. والذين تابعوا الوقائع الكاملة لما دار في مجلس الوزراء أيقنوا أن الرئيس عون الذي يملك في النهاية حق الامتناع عن توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في موعد محدد، لن يتأثر بالحملات السياسية التي هبّت من أكثر من اتجاه للضغط كي يعيد النظر في موقفه، وهو سيمضي في موقفه أسوة بما كان يفعله عندما كان رئيساً لتكتل التغيير والإصلاح سواء خلال تشكيل الحكومات أو في مقاربة المسائل الأساسية التي لا تنازل فيها ولا تراجع. وفي هذا السياق، تقول مصادر رسمية مطلعة على موقف الرئيس عون، بأنه لم يقصد لا إقصاء جنبلاط ولا غيره عن البحث في الانتخابات النيابية، ولم يتصرف بالتالي بـ<احادية>، بل هو يعتبر أن من يحاول احتكار حقوق طائفة الموحدين الدروز، هو <الزعيم> الدرزي نفسه الذي يخشى ليس على طائفته التي لا يزيد عدد أفرادها من الناخبين عن 300 ألف نسمة، بل يخاف على حجم تمثيله النيابي من جهة، وعلى وجود مرشحين مسيحيين على اللوائح التي يشكلها خصوصاً في دائرة الشوف وعاليه ليقطع الطريق على اي تمثيل درزي غير جنبلاطي من جهة أخرى، ولكي يبقى جسر عبور لنواب مسيحيين الى مجلس النواب من دون أن يكونوا من التيار الوطني الحر أو القوات اللبنانية من جهة ثالثة.

 

وجنبلاط يبحث عن حلفائه!

وبقي السؤال: الى أي مدى سيذهب النائب جنبلاط في مواجهته لرئيس الجمهورية؟ المصادر المتابعة والقريبة من بعبدا تؤكد بأن الزعيم الدرزي سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً، شريكاً في الاتصالات الجارية للاتفاق على قانون جديد للانتخاب، لأن الرهان على أن يبدل الرئيس عون في مواقفه هو رهان خاطئ، وبالتالي فإن على جنبلاط أن <يكوّع> إن أراد أن يكون له دور في صوغ القانون الجديد، علماً أن من هو على اطلاع على مواقف رئيس الجمهورية يتحدث ان الخلاف حول قانون الانتخاب مع النائب جنبلاط هو وجه من وجوه الخلاف بين الرجلين، لأن المقلب الآخر للخلاف هو عدم وجود نظرة واحدة الى الإصلاحات التي يسعى الرئيس عون الى تحقيقها في البلاد خلال ولايته الرئاسية، فضلاً عن ذهابه <الى النهاية> في معركته ضد الفساد في إدارات الدولة ومؤسساتها، وان كان النائب جنبلاط لا يعتبر نفسه معنياً بالحملات الإصلاحية التي ينوي الرئيس عون قيادتها في الآتي من الأيام. وفيما يراهن جنبلاط على وقوف الرئيس بري الى جانبه، إذ برئيس المجلس النيابي <يشجّع> الرئيس عون على المضي في مواقفه التي لم يرَ <أبو مصطفى> فيها رغبة في تعطيل الانتخابات النيابية، بل على العكس تشجيعاً على إجرائها وفق قانون جديد. صحيح – تضيف المصادر نفسها – أن الرئيس عون <تفهّم> الهواجس التي ساقها نواب اللقاء الديموقراطي خلال زيارتهم قصر بعبدا، إلا أن الصحيح ايضاً أن رئيس الجمهورية لم يقدم خلال اللقاء أي <تنازلات> تحت السقف الذي حدده مع إدراكه بأن ردة فعل النائب جنبلاط سوف تكون عنيفة وغير مرتدة. وبذلك يكون الخلاف بين بعبدا والمختارة قد وصل الى مرحلة متقدمة من القطيعة من دون أن يدركها كلياً، لأن الزعيم الدرزي <اختصاصي> في تكييف مواقفه على قاعدة الانحناء أمام العاصفة وعدم مجابهة الرياح متى تشتد.

وفد اللقاء الديمقراطي 

الحريري مربك!

أما موقف <الحليف السني> الذي كان يرى فيه النائب جنبلاط عاملاً مشجعاً كي يمضي في معارضته، فقد بدا بعد المواجهة الكلامية بين عون  وجنبلاط في حالة إرباك وأشبه بمن ينتظر سكون الريح ليعرف ماذا خلفت العاصفة ويحاول حصر الأضرار في حدها الأدنى. من هنا جاء موقف كتلة <المستقبل> لجهة <تبرئة> رئيس الجمهورية من تهمة تعطيل الانتخابات ودعوتها الى التحاور للوصول الى تفاهم بمنزلة <صدمة> للنائب جنبلاط الذي دشّن، من خلال مواقفه، حرب المواجهة مع العهد وهو في الأشهر الثلاثة الأولى من ولايته. وفي هذا السياق، تبدي مصادر قصر بعبدا أسفها لعدم <استفادة> النائب جنبلاط من إصرار الرئيس عون على إجراء الانتخابات على أساس قانون جديد لها، ليدخل على الخط ويحاول الحصول على حد أدنى من المكتسبات التي لن تُحجب عن جنبلاط إن هو أدرك أهمية الوقوف الى جانب رئيس الجمهورية في معركته هذه، لأن الرئيس عون – كما تقول المصادر نفسها – يعتبر نفسه <بي الصبي> الذي لن يتنازل عن حمايته من التعثر في مسيرة إنضاج قانون جديد للانتخابات. وأتت شروحات الرئيس عون لجهة قناعته بالوفاء للقسم تكملة لما قاله أمام السلكين الديبلوماسي والقنصلي من ثوابت لن يحيد عنها، فالمرحلة لا تسمح بهذا <اللوكس> في مقاربة المواضيع المطروحة وتتطلّب تعاوناً لمحو ثماني سنوات من عمر الوطن لم يكن خلالها من الممكن الوصول الى تفاهم في هذا الصدد.

وعليه، فإن المواجهة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لن تتوقف لأنها تصفية لحسابات قديمة، على رغم ما يبديه الرئيس عون من ليونة حيال إشراك الجميع في حوار وطني جامع يفضي الى اتفاق يجزم المطلعون أنه سيكون تسوية في كل ما للكلمة من معنى، على أن تكون أسس هذه <التسوية> مختلفة عن تلك التي وردت خلال الحديث عن <مخرج> يجري العمل له على قاعدة <لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم>!