19 September,2018

موجة البرد تغتال أطفالاً وسط النزوح السوري فاستحقوا لقب: أطفال الله في الشتات!

1  موت أطفال سوريين تجمداً من البرد حكاية لا يُراد لفصولها ان تنتهي في لبنان. قدرهم ان يموتوا أو أن يرحلوا بصمت عن هذه الدنيا دون ان يُحدثوا ضجيجاً يؤرق مضاجع المسؤولين، فدمغت أجسادهم بلون الحبر الأبيض فكانوا شهداء على كل من تخاذل بحقهم وجعلهم مجرد أعداد تُضاف الى قوائم الموت من دون ان تمتد لهم يد المساعدة او حتى السؤال عن أحوالهم قبل أن يمضوا الى جنة ربهم.

خبر وفاة طفلتين سوريتين  متجمدتان من البرد في احد مخيمات البقاع ومخيم شبعا هو الخبر الرقم سبعة عن أطفال سوريين يموتون في لبنان من البرد، لكن الخبر وكالعادة مرّ  مرور الكرام على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة وكأن هناك من تعود على موت أطفال نازحين غرقاً وحرقاً وبرداً. ذنب هؤلاء الأطفال انهم لاجئون يواجهون مصيرهم وحدهم، فلا دولة تسأل عنهم ولا مرجعية تلاحق احتياجاتهم حتى أصبحوا مجرد أرقام تُنشر هنا وتُذاع هناك.

ومن المعروف أن موت أطفال سوريين من البرد ليست بقضية جديدة في لبنان. فللعام الرابع على التوالي يُغيّب الموت الناجم عن موجة الصقيع والبرد التي تضرب لبنان أطفالاً لا حول لهم ولا قوة ذنبهم الوحيد أنهم هربوا من الدمار ولهيب البراميل المتفجرة فإذا بالموت يتعقبهم ويلاحقهم الى داخل خيم البؤس والقهر والجوع فيقعون ضحية الاهمال وغياب الانسانية عن قلوب ملؤها الحقد. لكنهم قبل ان يغادروا هذه الدنيا استحقوا عن جدارة لقب أطفال الله في الشتات.

5

هبة عبد الغني السورية ابنة الأعوام العشرة وطفلة أخرى في شبعا تحولتا كغيرهما من الأطفال الذين سبقوهما الى عالم آخر الى مجرد أرقام تماماً كما حصل منذ أقل من شهر مع الطفلة هلا ابنة الأيام الثلاثة وقبلهم محمد ووليد. كل هذا يحصل في ظل غياب أي اهتمام بوضع اللاجئين السوريين في بلاد الشتات وعدم وجود أدنى مقومات الانسانية أو أماكن استشفاء قريبة يمكن ان يلجأ اليها النازح عند الضرورة، تماماً كما حصل مع الطفلة هلا قوقاز بعد إصابتها بالتهاب رئوي حاد نتيجة تعرضها لبرد قارص توفيت على أثره أثناء نقلها الى المستشفى بعدما عجز والدها دياب عن إسعافها نظراً لصعوبة الوصول الى المكان من جراء الثلوج التي تساقطت في ذلك اليوم. وهنا يُخبر سائق السيارة التي حاول صاحبها اسعاف الطفلة أنه طوال الوقت لم يكن يسمع سوى دعوات الام وهي تردد على الدوام <الله يخليكي يا تقبريني ما تموتي>.

 

الموت يلاحقه من سوريا الى لبنان

يُخبر جيران أهل الطفلة أن رحلة شقاء العائلة كانت بدأت منذ سنتين عندما تهدم منزلهم في بلدة فليطة السورية الواقعة على الحدود مع لبنان من جراء البراميل المتفجرة التي قذفتها طائرات الاسد، وبعدها بفترة قصيرة توفيت شقيقة دياب من جراء اصابة بليغة كانت تعرضت لها إثر تهدم منزلهم في فليطة. وطالب النازحون الذين تجمعوا خارج خيم الموت حسب وصفهم لها، هيئات الاغاثة الدولية بالعمل السريع على انقاذ اللاجئين في عرسال وكل مخيمات النزوح في لبنان وحاجتهم الماسة الى كل وسائل التدفئة من مدافئ وبطانيات وخصوصاً الوقود ومساعدتهم على تدعيم الخيم والا سيكون مصيرهم ومصير أطفالهم الموت برداً.

2

ويُخبر الحاج أبو مصطفى العمري الرجل العجوز حكايات لا تنتهي عن موت أطفال سوريين من جراء الصقيع سواء في لبنان أو تركيا او حتى داخل سوريا. يتذكر كيف حصدت رياح البرد ثلاثة أطفال العام الماضي بينهم حفيده ابن اليومين محمود رعد الذي تجمد وهو في حضن والدته التي عجزت عن مد يد العون لطفلها ولو بجرعة من الدفء بعد ان تحول عوده الطري الى لوح خشبي أزرق وسط تخاذل دولي وعجز اجهزة الدولة اللبنانية عن فتح ممر كان لينقذ حياته وحياة آخرين يشهدون في كل يوم على زمن يموتون فيه من شدة البرد. ويذكرنا بتلك الطفلة السورية في مدينة الرستن التي <قتلت> بعد تجمدها من البرد والذي فضح موتها الجهات المتقاتلة في سوريا بعدما منعوا جميعهم عنها ابسط حقوقها في مدها بوسائل التدفئة، فماتت وهي رافعة يديها الى السماء وكأنها تدعو ربها للإنتقام من الجميع.

حافي القدمين كان يركض وراء مجموعة من الاولاد بين الخيم. تغوص أرجلهم في الوحل فيسقطون أرضا لكنهم سرعان ما يعاودون النهوض ليركضوا مجدداً خلف بعضهم. لا يذكر سليم ابن الخمس سنوات جيداً كيف مات ابن خالته محمد من البرد العام الماضي. يسأل عنه باستمرار فهو يريد أن يلعب معه. نسأله اذا ما كان اشتاق له فيجيب نعم. لكنه سرعان ما يسأل مجدداً <وينو محمد؟>. حياة العائلات السورية النازحة المنتشرة في خيم البقاع بدأت تشهد مرحلة جديدة عنوانها البؤس والشقاء، مرحلة فرضتها قساوة الطقس وتدني درجات الحرارة وهطول الامطار الغزيرة. كل هذه العوامل انعكست سلباً على حياتهم حتى باتت مهددة من جراّء الامراض المتفاقمة والمتزايدة يضاف اليها الاضرار التي لحقت بخيمهم ما يجعلهم في سباق دائم مع الوقت قبل وصول عواصف ثلجية اخرى فتراهم يبحثون بين الجرود والوديان عن أغصان مشحلّة من البساتين وقساطل زراعية بلاستيكية وحديدية لتدعيم الخيم.

وسائل تدفئة قاتلة

 

وللعاصفة الثلجية ويلات أخرى عبر وسائل التدفئة. فالنازحون يعرضون حياتهم وحياة عائلاتهم من جراء استعمالهم طرق غير آمنة ومضرة بصحتهم. يقول فواز العقلة: <غالباً ما نلجأ الى إحراق قطع بلاستيك صغيرة أو بعض من قساطل ري النقطة الكبيرة كي لا تتكدس الثلوج فوق الخيمة وتسقط علينا، ولمنع البرد القارس وتدني درجات الحرارة، اذ انه لا توجد بدائل للحصول على الدفء وإذابة الثلوج التي تتكدس من فوقنا ومن على جوانب الخيم>. وحول طريقة عيشهم وكيفية تأمينهم المال اللازم ليعيلهم على الصمود يؤكد ان لا مدخول حالياً سوى مردود بسيط يجنيه البعض القليل من الأعمال الزراعية التي يشاركون فيها من قلع للبطاطا وشك ورص التبغ. لكن كل ذلك لا يكفي اذ ان الحاجة الغذائية وبعض الأدوية الضرورية لعائلته المؤلفة من احد عشر فرداً تفوق قدراته خصوصاً وأنه أصبح المعيل الوحيد لها بعد موت والده وصهره في مدينة <الرستن>.

3

ويشير فواز الى أنه على الرغم من تسجيل اسمه لدى المفوضية العليا للاجئين السوريين، فهو لم يحصل حتى اليوم على أية مساعدة منهم كأنهم متروكون لقدرهم والموت البطيء.

وإذا كان فواز قد حظي ببعض المدخرات استعد بها للعاصفة الثلجية لقاء عمله بالزرع، فإن رحاب الهاشم ابنة حلب وولديها المعوقين لم يحظوا حتى بكومة حطب تقيهم شر البرد القارص ولو لساعة واحدة، فتقول <ما عندي إلا حرامات وموقد صغير في الخيمة تنقصه بعض الاخشاب، لا معيل لي غير الله وحده العالم بحالي، كل العالم تركنا نواجه مصيرنا أتمنى الموت في كل لحظة لأنني لم أعد قادرة على حياة الذل هذه. تصور انني أقوم بتجميع الأحذية البالية وقطع بلاستيكية لأستعملها وقوداً للتدفئة لأولادي المعوقين. دائماً أصلي وأدعو ربي ان لا يأتي الشتاء إلا وأكون قد رحلت عن هذه الدنيا لأنني لم أعد أقوى على تحمل المسؤولية وحدي، فزوجي تركنا منذ سنة ولا أعلم أين ذهب كل ما علمته من بعض النازحين هنا انه قتل أثناء توجهه الى سوريا لزيارة والدته ومنذ ذاك اليوم لم نسمع عنه اي خبر.

حال النازحين السوريين الذين بلغ عددهم في قرى البقاع أرقاماً خيالية ليس أسوأ من واقع البقاعيين في ظل أوضاع اقتصادية سيئة وانعدام فرص العمل لدى الغالبية العظمى منهم. محمود السروري ابن بلدة الحوش لم يتمكن هذا العام من جمع الأخشاب والأغصان التي تعود على جمعها قبل حلول الشتاء بسبب المنافسة والطلب المتزايد عليها، فما كان منه الا ان حول الصوبا في منزله إلى الزيت المحروق من دون أن يعير أية أهمية لما تسببه هذه الوسيلة من أمراض صدرية وحالات اختناق لدى الأطفال. يقول إنه اتفق مع بعض اصحاب المحال المتخصصة بتغيير زيت السيارات والشاحنات وقد تمكن خلال شهرين من جمع ثلاثة براميل بتكلفة بسيطة نوعاً ماً.

والمفوضية ترد بالأرقام وتنصف البعض

وضمن التقارير التي تنشرها في كل عام حول وضع اللاجئين أصدرت مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين هذا العام انه قد تم تقديم الدعم إلى أكثر من 837815 نازحاً سورياً (167,563 أسرة) من خلال تزويدهم بمواد إغاثة مثل البطانيات ومواقد التدفئة والملابس الشتوية، كما تلقى ما مجموعه 596350 نازحاً (119270 أسرة) مساعدات نقدية او قسائم للحصول على وقود التدفئة، وتم تقديم لوازم تجهيز المساكن لمقاومة العوامل المناخية إلى 163484 نازحاً (32697 أسرة)، واستفاد 16691 نازحاً (3338 أسرة) من عمليات تأهيل وتحسين المواقع.

4

كما تحدث التقرير عن ان أبرز التحديات التي تواجه عمل المفوضية في لبنان وهو النقص في التمويل حيث انه وفي ظل مستويات التمويل الحالية تستطيع المنظمات الإنسانية توفير قسائم أو مبالغ نقدية للحصول على الوقود في فصل الشتاء لـ400,000 شخص (80,000 أسرة) وذلك لشهري تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر 2014 ولـ300 ألف شخص (60 الف أسرة) لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر من العام 2015. أما بالنسبة إلى المأوى فالنقص الحالي في التمويل يعني عدم التمكن من مساعدة سوى 59,1 في المئة (54600 أسرة) من السكان المستهدفين الذين يعيشون في مساكن متدنية المستوى وترك بالتالي العديد من النازحين يعيشون في البرد وفي ظل ظروف مناخية قاسية.

وفي الوقت الذي أكدت فيه المفوضية بأن الوكالات والمنظمات الانسانية ستعمل على إعطاء الأولوية للأسر الأكثر تأثراً والتي تعيش في أبرد المناطق، فضلاً عن تحسين عملية تقديم المساعدات الشتوية عند تأمين التمويل. وخلص التقرير الى ان عمليات تسليم المساعدات قد توقفت في بعض الأحيان جراء تصاعد التوتر او وقوع حوادث أمنية او بسبب صعوبة الظروف المناخية في المناطق، حيث يمكن لدرجات الحرارة أن تنخفض إلى حد كبير. غير ان البرامج عادة ما تستأنف فور استتباب الأمن والتمكن من الوصول إلى المناطق المعنية.

تفشي الأوبئة والامراض

6

وعلى خط الفقر ذاته تنشط بعض الجمعيات العاملة مع النازحين السوريين في مخيمات النزوح كافة في لبنان للقيام بخطوات استباقية من شأنها منع تفشي الأمراض والأوبئة بين النازحين السوريين الذين يقطن قسم كبير منهم في مخيمات عشوائية لا تلتزم أدنى معايير شروط النظافة العامة، هذا مع العلم ان اطباء تابعين لوزارة الصحة اللبنانية كانوا قد حذروا مراراً من تفشي الأمراض الجلدية بين النازحين وتحديداً أمراض الجرب خصوصاً وانهم عانوا العام المنصرم من كثرة الأوبئة بين النازحين إضافة إلى تفشي مرض الحميرة والجدري وغيرهما رغم السيطرة على قسم كبير منها قبل أن تعود وتتفشى الامراض بشكل كبير في صفوف الأطفال ولاسيما أمراض الجرب والليشمانيا. ولا بد من الاشارة الى انه منذ فترة غير بعيدة قد تم اكتشاف بعض الإصابات بمرض السل في عدد من مخيمات النزوح لكن وبحسب تقرير صادر عن وزارة الصحة فإن لا شيء يدعو الى الذعر بعد ان تمت السيطرة على المرض بشكل شبه كامل.

هم في أسوأ الاحوال بشر لهم الحق بحياة كريمة والعيش بأمن وأمان وبعالم خال من الامراض، لكن تقاعس المجتمع تجاههم يجعلهم عرضة للموت بشكل دائم. غالبيتهم من الأطفال يعاندون الموت ويزرعون الأمل في نفوس بعضهم البعض. يتمنون لو ان الشمس تظللهم طوال الوقت لينعموا بدفئها، خصوصاً وأن الليل بالنسبة اليهم تحول الى وحش قاتل يهدد صقيعه أرواحهم، وما حكايات الجدة والجد سوى ترياق مؤقت يُنسيهم أن أجسادهم الطرية قابلة للتحول الى ألواح خشبية على يد العواصف <اليكسا> و<ميشا> و<زينة>.