14 December,2018

مواكب وهّاب كادت تُعيد لبنان إلى عصر ”الجاهلية“!

بقلم علي الحسيني

 

أزمة جديدة احتلت صدارة المشهد السياسي والأمني، كادت أن تودي بالبلاد الى الخراب. وفي الأسبوع الماضي كان لبنان على موعد جديد مع فتنة تم إيقاظها غب الطلب بعدما استحضر الشهداء على المنابر بخطابات فتنوية أشعلت فتيل الشارع قبل أن تُغمض عيونها على مقتل محمد بو ذياب برصاصة متنازع على مصدرها بين القوى الأمنية وعناصر رئيس حزب <التوحيد العربي> الوزير السابق وئام وهاب، وفي حالات كهذه، وحده المواطن يدفع من روحه وأمنه الثمن ووحده يتحول إلى كبش محرقة بعد ان تُصفّى الأمور بين الكبار.

 

إبحثوا عن الأزمة الحكومية

عطفاً على الانسداد السياسي الكبير الذي يرسم صورة البلاد ويحتل الحيّز الأبرز لدى اللبنانيين كافة، كانت الأمور مُعدة لأن تخرج عن سياقها السياسي وتُنذر بتدهور أمني يُمكن أن يُسجّل في أي لحظة وان ياخذ البلاد معه إلى المجهول خصوصاً في ظل غياب المسؤولية عند بعض السياسيين وتركيز اهتمامهم على تقاسم المغانم الوزارية نوعاً وكمّاً. كل هذا التعنت السياسي والتصلب في المواقف وتجييش الخطابات واستحضار لغة التخوين والتهديد واستعمال المنابر السياسية في غير محلها، أوصل الاحتقان الى مناطق الجبل المفتوح أصلاً على غضب تاريخي بين الزعامات الدرزية، فكانت بلدة الجاهلية الشوفية هذه المرة، على موعد مع موت أحد أبنائها وذلك كنتيجة حتمية للتأجيج السياسي والمذهبي الذي سبق صعود القوى الأمنية إلى البلدة يوم السبت الماضي لاستدعاء وهّاب إلى النيابة العامة وامتثاله أمام القضاء بعد سلسلة من الإهانات والقدح والذم ساقها بحق الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

من المنطق القول، إن الأحداث التي شهدتها بلدة الجاهلية ليست خارجة عن السياق السياسي الراهن وعنوانه الرئيسي الأزمة الحكومية. هذا أمر على بداهته يبقى أساسياً في تفسير تطورّات الأحداث في الجبل عموماً منذ ليل الخميس الجمعة. تعود القصّة أو القضية الى الهجوم العنيف الذي شنّه وهاب على الرئيس المكلف سعد الحريري ووالده الرئيس رفيق الحريري، والذي استخدم فيه لغة غير مألوفة في القاموس السياسي. واللافت أن وهاب ما كان ليباشر في حملته هذه من دون ان يحصل على ضوء من حلفائه سواء الأقليميين أو المحليين أو أقله على عدم ممانعة، او أن يكون قد اخذ في الاعتبار انهم لن يثنوه عن حملته هذه في هذا التوقيت بالذات والتي تخاض فيها معركة توزير أحد النواب السنة الستة في الحكومة. وربما جاء هجوم

وهاب من باب التصعيد قبل أن يأخذ الأمر منحاً آخر.

وهاب : محاولة اغتيال؟

بعد تعرض مرافق وهاب محمد بو ذياب لإصابة حرجة، زاد الأول من هجومه على أركان السلطة السياسية والأمنية والقضائية. وبعد شيوع خبر وفاة مرافقه، لم يتوان وهاب عن متابعة رمي الاتهامات عبر صفحته على <تويتر> في سلسلة تغريدات مصوباً كلامه باتجاه <مثلث الاجرام>، كما وصفهم: الرئيس المكلف سعد الحريري والقاضي سمير حمود ومدير عام قوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان. وتوجه وهاب الى رئيس الجمهورية ميشال عون بالقول: فخامة الرئيس ائتمناك على أرواحنا ومستقبل أولادنا ليأتي سعد الحريري ويضغط على القضاء ليغطي سمير حمود جريمة أمام بيوتنا.

وتابع قوله: إن هؤلاء الكذبة وقعوا بشر عملهم ونحن أمام جريمة وهي برقبة سعد الحريري، وبيان مدير عام قوى الامن الداخلي عماد عثمان تكذبه نماذج رصاصات. وأشار وهاب الى أن محمد بو دياب فجر كبده برصاصة بندقية من نوع <M4> لا توجد الا مع شعبة المعلومات، لافتاً الى أن تقرير الطبيب الشرعي واضح ويتحدث عن رصاصة <M16> أو <M4> وأشار الى أن الشهود كانوا يلعبون في الملعب وسيشهدون معنا، المصفحة أطلقت الرصاص، وأحدهم أطلق الرصاص على محمد بو ذياب وهو يعتقد أنه أنا ما يعني أن محاولة لاغتيال كان يتم الإعداد لها.

وفي تسجيل صوتي يتوجه وهّاب إلى مناصريه بالقول: أبلغوا الكل ان مكتب المعلومات ينتهك حرماتنا، وإن كان الدروز يقبلون بهذا فلا مانع لديّ. إن كانت كرامة الدروز بيد سعد الحريري وسمير حمود وعماد عثمان فلا مانع لديّ. أضاف: انا موجود في البيت وقد حضروا للتبليغ بطريقة خاطئة مع 100 مصفّحة و100 محمولة وهذه ليست طريقة للتبليغ. هذا قرار من الحريري بقتلنا وافتعال اشتباك لقتلنا وإن كان الدروز من السويداء الى الجبل يقبلون بذلك فأنا أقبل. وختم: نحن في منزلنا والشباب كانوا <قدّها وقدود> وما حصل محاولة قتل من الحريري وكلّ نقطة دم سقطت اليوم هي برقبة سعد الحريري وسمير حمود وعماد عثمان.

الرواية الأمنية من الألف إلى الياء!

 

عند الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة من مساء السبت توفي مرافق وهاب محمد بو ذياب في مستشفى الرسول الأعظم التي نقل اليها بعد تعرضه لاطلاق النار. تقرير الطبيب الشرعي الذي كشف على الجثة بتكليف من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أشار الى ان الوفاة ناتجة عن الإصابة بعيار ناري دخل من يسار الصدر ومن مسافة غير قريبة استقر بالخاصرة اليمنى، وان اطلاق النار حصل بشكل مائل من اليسار الى اليمين وأن نزيفاً دموياً كثيفاً قد حصل ادى إلى الوفاة. وبحسب التقرير فإن بو ذياب ادخل الى غرفة العمليات حيث خضع لعملية جراحية لكنه عاد وفارق الحياة نتيجة توقف قلبه عن الخفقان.

كيف أصيب بو ذياب؟ بحسب الرواية الامنية التي حصلت عليها <الأفكار>، فإن قوة من شعبة المعلومات توجهت إلى بلدة الجاهلية من أجل العمل على إحضار وهاب للإستماع إلى إفادته إنفاذاً لإشارة النيابة العامة التمييزية. القوة كانت بحسب المصادر الأمنية مؤلفة من 50 عنصراً و12 آلية عسكرية في مقدمها سيارة بداخلها ضابط وعسكري. توجهت السيارة برفقة مختار البلدة أجود بو ذياب إلى أمام منزل وهاب فيما بقى الموكب بعيداً، وما ان حاول الضابط والعسكري الترجل من السيارة، حتّى تفاجآ بوابل من الرصاص أصيب بنتيجتها بو ذياب ونُقل الى مستشفى الرسول الأعظم.

وتُشير المصادر الأمنية ان مختار البلدة أجود بو ذياب، أشار إلى أن مرافقي وهاب قاموا بإطلاق النار نتيجة التوتر وأن القوة الأمنية لم تقم بأي عملية إطلاق للنار. أضاف: إن وهاب غادر المنزل قبل حضور القوى الأمنية وكلفه بإعلام الدورية بأنه سيتوجه إلى النيابة العامة مع محاميه يوم الأثنين. في إتصال مع المختار، عاد وأكد لـ<الأفكار> الآتي: قلت إنني لم أر جميع الناس فكان الهرج والمرج سيدي الموقف، أنا قلت حرفياً خلال التحقيق إنني لم أشاهد الدورية وهي تطلق النار ولم أقل انها

لم تُطلق النار. لا أوافق على كلمة: لم يُطلقوا النيران.

وبحسب المصادر الامنية فإن الرصاصة أصابت بو ذياب من الاعلى إلى الأسفل ما يعني أن مُطلق النار كان في مُستوى أعلى من الضحية، بينما القوى الأمنية كانت في مستواه، وهذا يعني أنه لو كانت القوى الأمنية قد أطلقت النار عليه، لكانت أصابته بشكل مباشر وليس بشكل مائل. وختمت المصادر قائلة: لو كان جرى الرد على إطلاق النار، لكان انتهى الأمر بمجزرة حتمية.

دور حزب الله.. سلبي ام إيجابي؟

ثمة آراء تقول إن حزب الله استخدم مع بداية ازمة تأليف الحكومة، أدوات للتصعيد بوجه الحريري، ووهاب هو إحدى هذه الأدوات. ويركن أصحاب هذا الرأي في تحليلهم هذا، إلى طلب وهاب نفسه من جميع الجهات مراجعة الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله في أي عملية رد لكل ما قام به أو تفوّه به، وكأنه بذلك يضع الحزب في واجهة الاحداث، أو كأنه يُعلن أن ما قام به كان بطلب من حزب الله شخصياً. لكن في الوقت عينه، فإن هذه الأراء تعتبر في المقابل أن الحزب وإن كان يستخدم ادوات التصعيد لزيادة الضغط على الحريري ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون في موضوع الحكومة، إلا أنّه لا يمكنه التخلي عن التحكم بضوابط اللعبة بحيث يضمن الا تفلت من يده وتذهب في اتجاهات قد يكون غير راغب فيها، على نحو ما حصل في الجاهلية.

ما ورد، يفسّر مسارعة حزب الله عبر مصادر قريبة منه الى نفي كلام وهاب عن ان الحزب اتصل بالحريري وتمنى عليه وقف ما يحصل في الجاهلية قبل التسبب بحرب. وهو ما نفاه ايضاً تيار <المستقبل>. كما ان وضع وهاب المسألة عند حزب الله بقوله: <فليتحدثوا من الآن فصاعداً مع السيد حسن نصر الله >، ليس سوى تعبير عن ارتباك أصاب وهاب ودفعه الى مراجعة موقفه. أولاً بسبب ادراكه اصرار اجهزة الدولة الأمنية والقضائية على جعل الاجراءات في قضية الشكوى المقدمة ضدّه تأخذ مجراها. وثانياً لأنّ ما حصل في الجبل قد لامس الخطوط الحمر، لاسيما بعد المواكب السيارة لمؤيدي وهاب وصولاً الى تخوم المختارة، والتي رد عليها الحزب التقدمي الاشتراكي بمحاصرتها، قبل تدخل الجيش واخراجها من مكانها وتوقيف العديد من عناصرها، بالإضافة إلى موقف رئيس <التقدمي> وليد جنبلاط المؤيد للحريري ولعمل الأجهزة الامنية في الشوف والذي شدد أيضاً على أن <المختارة خط احمر>. وكأنها رسالة سياسية إلى كل من يعنيه الأمر، وتحديداً حزب الله الذي في غنىً اليوم عن فتح جبهات جديدة.

علوش: وهاب جندي في مشروع حزب الله

 

عضو المكتب السياسي في تيار <المستقبل> الدكتور مصطفى علوش علّق في حديث لـ<الأفكار> على الأحداث بالقول: كان على رئيس حزب التوحيد العربي الوزير السابق وئام وهاب أن لا يثير النعرات من الأساس وأن يذهب إلى التحقيق الذي استدعي إليه، فالجرم الذي عليه يستأهل الذهاب إلى المحكمة والسجن لفترة طويلة لأن تداعيات كلامه كانت كبيرة. واعتبر ان المشغل الاساسي لما حصل في الجاهلية هو حزب الله حامي عدم الاستقرار في لبنان والمنطقة وهذه الاحزاب ليست لديها أية خيارات إلا الذهاب إلى مزيد من الفوضى.

وشدد على ان وجود حزب الله يستند إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في البلد.ووئام وهاب ليس سوى جندي في مشروع الحزب، ولكن محاولة لصق هذا الشذوذ بطائفة بأكملها تتميز بحكمة رجالها على مدى التاريخ، أمر غير مقبول وتشويه للموحدين الدروز لأن الحكمة تتعدى الطوائف لتكون واقعاً انسانياً عاماً. وطالب علوش بفتح تحقيق جنائي في قضية مقتل مرافق وهاب، ليعود ويقول: لكن عملياً قد  يكون من قتله هو وهاب نفسه بالقرار الذي اتخذه.

 

في مشهدية 8 آذار والتقدمي

 

 لم تكن قوى 8 آذار في أجواء كلام وئام وهّاب، عندما شنّ تهجمه على الحريري، ولم تكن راضية على مضمون كلام وهّاب الذي جرى التداول به على وسائل التواصل الاجتماعي، لا بل وضعته في خانة <الخطأ الكبير>، خصوصاً ان الحريري إستفاد من تهجمّات وهّاب في اكتساب تعاطف شعبي. هذا برأي مصدر في قوى الثامن من آذار. ويتابع: لكن نحن كقوى فاعلة في المشهد السياسي العام في البلد، لم نرتح لمشهد قوّة <المعلومات> التي دخلت بلدة الجاهلية، تحت عنوان تنفيذ قرار قضائي، وكادت أن تودي بالبلد الى حرب أهلية، أو تذكّي فتنة درزية – سنّية، في منطقة حسّاسة في الشوف. ورأى أن مسارعة جنبلاط الى بيت الوسط، جاء عملياً لفرملة الاندفاعة الحريرية، بعدما لمس تعاطفاً درزياً مع وهّاب تخطّى حدود الجاهلية والشوف، رغم ان جنبلاط عكس جواً مغايراً في تصريحه الاعلامي.

واعتبر ان نداء وهّاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واعتباره أن كرامة الدروز معرّضة للمس من خلال خطوة <المعلومات> أثار جزءاً كبيراً من بني معروف، الذين يعتبرون تاريخياً أن الدخول بتلك الطريقة الى بلداتهم ومنازلهم، يمس الحرمات والكرامات.

لكن مصــــادر في الحزب <التقدمي الإشتراكي> ردت على هذا الكلام بكلام من نوع آخر أشارت فيه إلى أن حملة وهاب على الرئيس الحريري وعلى والده الشهيد رفيق الحريري تجاوزت كل حدود في شكل أخذت تذكر مع بعض المواقف الأخرى بالحملة على الأخير قبيل اغتياله عام 2005، وأن جنبلاط تقصد التضامن مع الحريري لأنه ومحيطه فهما الحملة على أنها جاءت بتعليمات من القيادة السورية، وهو ما دفعه إلى القول في إحدى تغريداته بوجود أمر عمليات وراء هذه الحملة. وهذه القراءة نابعة من قناعة جنبلاط بأن عرقلة تأليف الحكومة أصلاً منبعها خـــارجي كما أوحى في أكثر من تغريدة وتصريح في الأسبوعين الماضيين.

ولفتت المصادر عينها إلى أن بعض محيط جنبلاط تعاطى مع العراضة المسلحة التي قام بها وهاب في الشوف وإقفال بعض أنصاره ليل الخميس الجمعة بعض الطرقات الرئيسة في الشوف، وصولاً إلى تحدي أنصار جنبلاط بمرور التظاهرات السيارة في المختارة، على أنها تذكير بالإنذار الذي وجهه إليه الرئيس السوري بشار الأسد خلال اللقاء الأخير الذي جمعه بالرئيس الشهيد رفيق الحريري في شهر آب/  اغسطس عام 2004 حين أجبره على التمديد للرئيس السابق إميل لحود، إذ قال للحريري الأب آنذاك: <إذا كان جنبلاط يعتقد أن الدروز معه فهناك دروز معي وبإمكاني أن أكسر الجبل على رأسه أيضاً>.

الخلاصة

كثيراً ما تردّد على ألسنة البعض في الداخل او الخارج، على أن لبنان هو ليس صاحب قرار نفسه وأنه قاصر وغير قادر على إدارة شؤونه بنفسه وصولاً إلى آخر المعزوفة. اليوم يتبيّن أن هذا الكلام أكثر من صحيح، فلو قُدر للبنانيين أن يحكموأ بحسب شرعهم المناطقي وميولهم السياسية، لقضوا على بعضهم البعض في أقل من 33 يوماً وهي المدة التي لم تستطع اسرائيل أن تهزم لبنان خلال عدوانها عليه خلال حرب تموز/ يوليو العام 2006. ولا يسع أي لبناني في ظل الظروف الحالية مع ما حصل في بلدة الجاهلية، إلا الترحم على المواطن بو ذياب على امل أن تكون دماؤه قد افتدت الوطن.