16 November,2018

”مهرجان المسرح الاوروبي“ للمرة الاولى في لبنان على خشبة ”مسرح المدينة“...

بقلم عبير انطون

في سياق فعاليات الدورة الأولى من «مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان> المستمرّة في «مسرح المدينة» لغاية 30 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، قدمت المسرحية اللبنانية نضال الأشقر عرض «مش من زمان> وهو الموعد اللبناني الوحيد في البرنامج الذي ضم اعمالاً من دول اوروبية عدة. المهرجان الذي استمد شرارة انطلاقه من فكرة <مهرجان السينما الاوروبية في لبنان>، لقي تجاوبا من المراكز الثقافية للبلدان المشاركة فدعمته بترحاب مرتكزة على أهمية بناء جسور التواصل الفنية والابداعية بين الحضارات والشعوب. كذلك فقد اعاد هذا الموعد الثقافي الى شارع الحمرا التاريخي الذي يحتضن المسرح <عجقة> من نوع آخر، فيها وجوه لبنانية، واخرى اوروبية واجنبية مختلفة، جاءت لتواكب النشاط الجديد في خطوته الأولى.

 

 <الشينيون>… والبريد!

 

 برفقة الموسيقيين خالد العبد الله ومحمد عقيل ونبيل الأحمر وإبراهيم عقيل، قدمت الفنانة المسرحية نضال الأشقر باللغة العربية تواكبها ترجمة الى اللغة الانكليزية على شاشة جانبية، فصولاً من ذكرياتها الشخصية والسياسية في <ديك المحدي> ضيعتها الجبليّة. العمل المطرّز بخبرة الفنانة التي خبزت المسرح وعجنته جاء على شكل مغناة ممسرحة بطريقة شاعرية مبتكرة فيها فن القصة والحكاية، التشويق والمتعة، وفيها السؤال والجواب المعلّق.

بشكل فريد لم يسبق ان جرت صياغته بهذا الشكل تحديدا، عادت نضال الاشقر بقلمها وإخراجها الى سنوات خلت، الى سنوات مرّت <مش من زمان>. استرجعت الكثير من <خزّان> الطفولة وربطت محطات من حياتها بحقبات من تاريخ الوطن. تحدثت بإسهاب وطرافة عن نضال والدها السياسي والعقائدي من دون ان تسميه، وخبّرت عن تعقبه من قبل السلطات، اختبائه، تخفّيه، وسنوات سجنه. وفي الجناح الثاني، رسمت صورة امها الجميلة كالاسطورة، والتي <كأنها من وحي الخيال>. كانت تعد الزوادة على مدى ثلاثة ايام لـ<البابا> وتوصلها له في عتم الليل في الحقول. ولما تم سجنه لم تتركه او تتأخر عليه، وكانوا يلقبونها بالبريد اذ يعرفون انها تحمل في <شينيون> شعرها الرسائل الى زوجها ورفقائه في السجن.

تكلمت الأشقر عن سجن المزة وما كان يعنيه، وعادت أيضا الى ايام الشيطنة والحرية والعناد والشعور الاول بالغيرة. غنت، وهي تروي حقبات من حياتها، احلى أغنيات ذلك الزمن الجميل، وبين اللمحة والاخرى، الذكرى واختها، كانت تلوح بيدها وتشدو مع خالد العبد الله والفرقة، مبللة ريقها بالشراب مرة وبغمضة العيون والحنين مرة اخرى. استعادت الكثير، واسترجعت ايضا يوما لم تفهم ما جرى فيه، ولا احد اخبرها او شرح، وهي وحتى اليوم وفي كل ثامن من تموز تستعيد المشهدية و<بتنتلي الدني دموع>.

الخروبة…!

<كنت طفلة شقية تقول نضال وعنيدة جدا. طفولتي سكنتها شخصيات أغنتها كثيرا، وما عادت على الخشبة. شكلت بلدتي مسرحي الاول، ومسرحي صار مدينتي. استعدت شخصيات زرعت في روحي الفرح والايمان>.

 احداث هذه الحياة في الاربعينات شهدت مراحل كثيرة ووجوها كثيرة، من <محمود> الذي ليس هو محمود، الى <جورج الوسيم ذي العينين الخضراوين> <اللي ما كان اسمو جورج ولا قرايب امي الروم من بلدة رحبة بعكار> والذي قتل على يد بائع مكانس في رأس بيروت والذي بدوره لم يكن <بياع مكانس>.

 الى محمود وجورج وجوه اخرى بعد… الرجل السياسي الالمعي <الشيخ سعيد>، <ادونيس>، و<ابونا الياس>… هذه الوجوه المختلفة، كانت رموز مرحلة حملت تعابير مختلفة ايضا، بينها مثلا كلمة <كبسة> الشهيرة، فبعد <ما راحو الفرنساويي> كثيرا ما كانت الكلمة تسمع، ويعنى بها حوالى 120 رجلا امنيا يلاحقون المطلوبين للتوقيف او الاعتقال. ذات ليلة، تروي نضال، وصلت <الكبسة> الى البيت تسأل عن الاستاذ (والدها) فخرجت والدتي تسألهم بدورها عما يريدونه، واذا بوالدي يخرج من بعدها. سلم عليهم سائلا اياهم عن <سبب تشريفهم> فقالوا له بأنه مطلوب. استأذنهم لبرهة بحجة <الحلاقة> واخذ <الدوش> لدقيقتين، على ان يعود ويرافقهم، واذا بدقائق الـ«دوش> تطول وتطول، وحلقة اهل الضيعة التي تسأل عما يحصل تتسع، ما أتاح للوالد المتسع من الوقت حتى يهرب الى البساتين المجاورة. كان يختبئ بأساليب عديدة تشرح نضال، مرة في <الشبّوق> ومرارا في شجر الخروب او في التوابيت الفارغة أو حتى في المقابر، وكانت له <واسطة مع ربنا>. وتروي الأشقر <البنت اللي بتحب الخبار <عن <ظهور> الشيخ الجليل باللحية البيضاء على والدها وهو غاف في شجرة البلوط مختبئا من جور الاعتقال، فاذا به يطلب منه تغيير مكانه للتو. استجاب والدها للطلب، وما هي الا عشر دقائق حتى وصل <رجال الامن> بهدف القبض عليه ليجدوا المكان فارغا!

 

الغجرية!

 والى الجمهور الحاضر اعترفت الأشقر بشعورها بالغيرة للمرة الاولى، الغيرة من تلك النورية التي كانت ترقص في ساحة <بولونيا> في عيد السيدة العذراء ووالدها يعزف لها على آلة البزق. كانت حرة، لا تأبه بكل ما هو حولها تطير وكأنها فراشة. حسدتها! غرت منها وعرفت هذا الشعور للمرة الاولى. افلتت من يد ابي ورحت ارقص مثلها. الى بولونيا والعيد والسمسمية المحببة عندها وأصوات البياعين تنادي عليها، خبّرت نضال عن هروبها من مراسم العمادة وكانت بعمر الثماني سنوات، واسترجعت الاشقر بضحكة عالية كذبها على الكاهن وهي على كرسي الاعتراف، كما ولم تغفل سيرة الأب الياس، خوري الضيعة المحبوب المحب للحياة، والمشارك في اخفاء المناضلين من وجه السلطة.

 

اغنيات عالبال…!

 بغير اغنيات عديدة رددها معها الجمهور على منوال <يا جارحة قلبي>، <حول يا غنام>، <برهوم حاكيني>، <شب الاسمر جنني>، <سمرا يا سمرا>، <يا بحر يا جميل>، <صفر يا بابور> وغيرها، لونت الأشقر التي درست المسرح في بريطانيا على يد اشهر الاساتذة فيها، أمسيتها اللطيفة بصور وجوه اخرى جديدة عرّفتنا عليها وكان بينها هذه المرة الشيخ ديب النفيلي: <لقد كان طبيبا عربيا مشهورا يقصده الكثيرون من لبنان وخارجه، الا انه عرف ببخله. ذات ليلة، وكان والدي مسجونا، جاء الشيخ يستفقد والدتي، فاذا به يقول لها: <انا مخجول يا ام غسان. مجمع شوية دهب. بيطلعوا كمشة، ربما تكونين بحاجة اليها… اتركيها معك، وعندما يرجع الاستاذ بالسلامة تعيدينها لي>، وتضيف نضال معلقة: <يا ريت كل البخلا متل الشيخ ديب>…

 

واوروبا هنا…!

 المشاركة اللبنانية عبر مسرحية <مش من زمان> لنضال الاشقر التفت حولها مبادرات من حول العالم. فكرة <مهرجان المسرح الاوروبي>، هي ايضا بنت افكار مديرة <مسرح المدينة> التي ناضلت طويلا لبقائه. عن المولود الجديد تقول:

 – استمديت الفكرة من <مهرجان السينما الاوروبية في لبنان>. تحدثت بشأنها مع رئيسة بعثة الاتحاد الاوروبي في لبنان <كريستينا لاسن>، ولما رحبت بها بدأنا بالاستعدادات والتنفيذ، على امل ان يكون الموعد سنويا نجمع فيه ما بين الفنون المحلية وتلك الغربية. هذا الأمر ليس جديدا على بيروت التي كانت تستقبل في رحابها أعمالا من حول العالم على خشبات المسرح في عاصمتنا.

 وبدورها كانت <كريستينا لاسن>  قد أعربت عن سعادتها بمشاركة نضال الأشقر و<مسرح المدينة> في إطلاق فعاليات النسخة الأولى من <مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان>، تعزيزاً للعلاقات الثقافية العميقة التي تجمع لبنان بدول الاتحاد الأوروبي، متحدثة عن جهود مشتركة لمراكز ثقافية أوروبية في فعاليات المهرجان، وعن دورة أولية تعددية من التعاون المشترك، في عروض مسرحية وفنية، وورش عمل تشارك فيها جنسيات متعددة، وإختبار تعاون سيتسع في السنوات المقبلة ليشمل أكثر من 6 دول أوروبية تشارك في هذه الدورة، منوهة بمستويات العروض التي ستقدم، والتي تحمل بعداً انسانياً، إلى الأبعاد الفنية.

نحن نلعب…!

سفارات البلدان المشاركة قدمت العون الاكبر، بشكل خاص مع ارتفاع كلفة دعوة هذه الفرق المختلفة والاجراءات والترتيبات المختلفة التي تتطلبها. لهذه المراكز الثقافية دور كبير تشير اليه الاشقر: انها تلعب دورا في تعزير جسور التواصل بين الدول والشعوب، وفي تعزيز العلاقات الإنسانية، وتبادل الخبرات الفنية: «أنا ألعب، أنت تلعب، هو يلعب، هي تلعب، نحن نلعب، نعيش لنلعب، هذه حرفتنا… نلعب مع جيراننا، مع أصدقائنا، ثم نبني جسراً، ونعبر إلى الآخر… ونخلق الحدث بأصواتنا، ونبراتنا، وأجسادنا، وعقولنا، هذه حرفتنا، ولكن يبدو أن الآخرين نسوا اللعب، يحرقون الجسور بدل بنائها…>.

شراكة!

 <مهرجان المسرح الاوروبي> يحمل على اجنحته ايضا اعمالا لبنانية ويقدم الافادة والخبرة للعاملين في المجال وبذلك يقدم شراكة فعلية بين المسرح الاجنبي والمسرح اللبناني ما يتيح الفرصة امام المحترفين في شتى المجالات مراكمة الخبرات، اكان في التمثيل او الكتابة المسرحية او الاخراج كما في تنفيذ بعض المسرحيات التي يتضمنها المهرجان. وفي مثال على ذلك، فان المسرحية الاسبانية المعروفة «البحر يموت أيضا» المأخوذة عن قصة لـ<فيديريكو غارسيا لوركا> لنحو 60 دقيقة وتحكي عن الساعات الأخيرة التي أمضاها <لوركا> قبيل تنفيذ حكم الإعدام به لأفكاره الثورية، يشارك فيها من لبنان المخرج أنطوان أشقر ومساعدته روى حسامي وستقدم بالعربية.

لهذا العام وقع الاختيار على فرق أوروبية من بريطانيا والدنمارك وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة بايقاع تقديم عملين يوميا، ما من شأنه ان يحرك المشهد المسرحي في المدينة ويلبي اذواق الجمهور المختلفة فيتعرف الى انماط جديدة من الاعمال قد تجذب انتباهه بشكل خاص لفئة الشباب. ففي هذا الاطار يقدم «المركز الثقافي الألماني» مثلا ورشة عمل لتحفيز المواهب المسرحية من عمر يتراوح ما بين 15 و21 عاما. بهذا الشكل يتعرف المهتمون عن كثب على أسلوب الكتابة المسرحية وعملية التمثيل في المسرح إضافة إلى كيفية تطوير سيناريو وقصة العمل المسرحي، ويشرف على هذه الورشة كل من لمى الأمين من لبنان و<فيكتوريا لوبتون> من ألمانيا وهي مجانية.

من جانبها اشتركت ايطاليا بمسرحية «أرليكينو خادم السيدين» لـ<كارلو غولديني> وهي من النوع الكوميدي وقد حملت إنتاجا لبنانيا إيطاليا يصب في خدمة هدف المهرجان. أما بريطانيا فتمثلت بمسرحية «اسمي راشيل كوري» المأخوذة عن كتابات لصاحبة الاسم وهي ناشطة أميركية عرفت بمساندتها للقضية الفلسطينية.

ومن فرنسا كانت «أصوات في الظلام> وتتضمن نصوص <فيشنياك> الشاعرية والقاسية معا، وتعرض عبثية مجتمعاتنا وسط سينوغرافيا بسيطة نطل من خلالها على تناقضات عالم بأكمله. ويساهم فيها من لبنان أورليان الزوقي إلى جانب مخرجها الفرنسي <إريك دونيو>. اما العمل الدانماركي بعنوان <غريب> المبتكر من  «رابوليتيكس» وهي مؤسسة دنماركية لا تهدف إلى الربح المادي، فسنتعرف من خلاله إلى لاجئين شابين يرويان قصة هجرتهما إلى هذا البلد الأوروبي مستشهدين بذلك الإحساس الذي تملكهما منذ أن حطا رحالهما على أرضه بأنهما غريبان.

 ومع ختام المهرجان لا تسدل الاشقر الستارة على شغف المسرح الذي ينبض فيها. فالمسرح والمدينة بعدان حيويان لبعضهما البعض وبالنسبة لها <لولا وجود المسرح لكان الإنسان يخسر الإرتباط التاريخي بينه وبين مدينته وبين ترابه وبين أمله بمستقبل افضل>.

 ولأجل ان يبقى النبض مستمرا تعمل الاشقر حاليا على عمل كبير يحمل اسم الشارع الذي يحضن مسرحها وهو شارع الحمرا، وفيه عودة الى ذكريات الناس الذين عاشوا فيه إنطلاقاً من مقهى <الهورس شو> وصولا الى شخصيات محلية وعربية عرفته كالياس الديري، انسي الحاج، ليلى بعلبكي، ومن مصر يوسف وهبي ونور الشريف وغيرهم الكثير من الاسماء التي عرفت اوج الشارع وعزه وساهمت في صناعة اسمه.