11 August,2020

من ينفذ صبره أولا : إيران أو الولايات المتحدة أو... شعوب المنطقة من الإثنين معا؟

بقلم خالد عوض

بين اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني والرد الإيراني على قاعدة <عين الأسد> الأميركية في العراق حقيقة واحدة: استباحة سيادة دولة العراق. ماذا جاء يفعل قائد الحرس الثوري في العراق أساسا وماذا تفعل القواعد الأميركية هناك طالما أن الحرب على الدولة الإرهابية في العراق والشام انتهت؟ ربما تكون إيران قررت حفظ ماء الوجه عسكريا والإنتقال إلى معركة سياسية وأمنية شاملة لإخراج القوات العسكرية الأميركية من الشرق الأوسط كما أعلنت، إلا أنها في حال نجحت في ذلك فلن تتأخر شعوب المنطقة كلها في الإنقلاب عليها لإخراجها هي أيضا وكل أذرعها من كل دولة هي فيها، بمعنى آخر خروج الأميركيين عسكريا سيعني خروج الإيرانيين أيضا بكل مظاهر وجودهم.

 

البعد الإقتصادي والإنتخابي..

 

شركات النفط والأسلحة الأميركية استقبلت أخبار المواجهة الأميركية – الإيرانية بأحر إستقبال. سعر النفط ارتفع أكثر من ٣ بالمئة معززا أرباح شركات <ايكزون موبيل> و<شيفرون>، وأسهم شركات الأسلحة الكبيرة <نورثروب جرومان> و<رايثيون> و<لوكهيد مارتن> و<جنرال ديناميكس> ارتفعت كلها بين ٣ و٥ بالمئة. تلك الشركات هي القاعدة الرئيسة للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة وهي من أهم الممولين لحملات المرشحين الجمهوريين. ومنذ سنة ٢٠١٠ حققت شركات الأسلحة الأميركية أرباحا خيالية وتضاعف سعر سهم أكبر عشر شركات منها أكثر من ثلاث مرات. وإذا كانت موازنة وزارة الدفاع الأميركية قد تخطت مع مجيء الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> ٧٠٠ مليار دولار فإن حجم المبيعات السنوية لشركات الأسلحة تخطى ٢٢٠ مليار دولار في عهد <ترامب> وكل هذه أرقام قياسية تاريخيا. من الواضح إذاً أن الرئيس الأميركي همه الأول لا يزال الإقتصاد قبل أن يكون الحرب. صحيح أنه يهدد ويتوعد ولا يأبه بأي أعراف أو قوانين دولية إلا أن كل ما يريده حقيقة هو قفزة إقتصادية تؤكد له ولاية ثانية. في الوقت نفسه يبدو أن الولايات المتحدة أصبحت حاليا أكثر استعدادا لمواجهة مع إيران لأن وكالة الإستخبارات الأميركية انفقت مليارات الدولارات هذه السنة في الملف الإيراني وفي تطوير أسلحة سيبريانية حديثة جدا، مما يعني أن <ترامب> مستعد لأبغض الخيارات عنده أي الحرب لأنه يعرف أن الشعب الأميركي يجدد دائما لرئيسه إذا كان في حرب. <ترامب> يكسب إقتصاديا وشعبيا في الحالتين، أي بحرب واسعة أو بأخرى مضبوطة كما هي الحال اليوم.

 

إيران والمصالح الأميركية!

من دون إيران لما كان بامكان كل هذه الشركات العسكرية والنفطية أن تحقق ما حققته خلال العشر سنوات الماضية. من ليبيا إلى اليمن إلى سوريا والعراق المستفيد الأول هو من يبيع السلاح والنفط. فالعقوبات على إيران وخروج الولايات المتحدة من الإتفاق النووي أخرج أكثر من مليون برميل نفط يوميا من الأسواق في أقل تقدير إلى جانب تخفيض <اوبك> وروسيا لأكثر من مليون وسبعمئة ألف برميل يوميا (اتفقتا على تخفيض مليون ومئتي ألف برميل في العام الماضي ثم نصف مليون برميل آخر منذ شهر). كما أن العقوبات الأميركية على فنزويلا قلصت تصديرها النفطي من ٣ ملايين برميل يوميا عام ٢٠١٢ إلى حوالى مليون برميل يوميا عام ٢٠١٩. ورغم كل هذه التخفيضات لم يتمكن سعر النفط من العودة إلى مستوياته السابقة وظل يتراوح بين خمسين وسبعين دولاراً للبرميل. من دون العقوبات الأميركية على إيران وفنزويلا ومن دون الإتفاق الروسي – الخليجي لخفض الإنتاج لكان سعر النفط اليوم أقل من عشرين دولاراً. لا شك أن سعر النفط وحجم مبيعات شركات الأسلحة يرسمان إلى حد كبير السياسات الخارجية الأميركية خاصة عندما يكون هناك رئيس جمهوري في البيت الأبيض.

المواجهة الإيرانية – الأميركية إلى أين؟

كل هذه الإعتبارات الإقتصادية والمالية لا تلغي البعد الإستراتيجي للمواجهة الأميركية – الإيرانية. هل أصبحت القوة الإيرانية أكبر من المحتمل أميركيا ولذلك وجب تحجيمها اليوم؟ وهل تتمكن إيران من جر الروس والصينيين معها في حالة عدوان أميركي متفلت من القوانين الدولية كما يهدد <ترامب>؟ وهل يمكن أن تكون إيران قد استعدت تماما لهكذا يوم وكانت بانتظاره لتقلب الموازين العسكرية والسياسية في كل المنطقة؟ لا شك أن إيران ستختار الرد الطويل الأمد رغم الصواريخ الباليستية التي قصفت بها <عين الأسد>، فهي تعرف أن <ترامب> راحل عاجلا أم آجلا بينما من مصلحتها حماية نظامها وكيانها بتجنب حرب كونية معروفة نتائجها سلفا مهما تكبد الأميركيون من خسائر. المنطقة في مرحلة الحرب الفاترة والهبات الساخنة والباردة وهذا أسوأ وضع للإقتصاد الإقليمي، إلا إذا قرر <ترامب> خوض المغامرة الكبرى وتجربة بعض الأسلحة الجديدة التي لا أحد يعرف عنها أي شيء.

في الإنتظار، بدأ الرئيس المكلف الدكتور <حسان دياب> يكتشف أن مشكلة لبنان هي خارج حدوده وأنه لا يمكن معالجة الوضع الحالي بالدواء نفسه الذي كان سبب علته أي المحاصصات السياسية السخيفة وبدع الثلث الضامن المعطل وإلى ما هنالك من اختراعات غير دستورية… وبين أن يعتذر او أن يستمر في محاولته تشكيل <حكومة أفضل الممكن> خيط رفيع إسمه كرسي رئاسة الحكومة. الأيام ستبين إن كان هو الذي سيقطع هذا الخيط أم الثورة أم الأميركيون أم الإيرانيون… والخيط أصبح اليوم أرفع من أن ينقذ لبنان.