17 November,2018

من يرسم اقتصاد العالم: ”جانيت يلين“ أو ”فلاديمير بوتين“؟

 

بقلم خالد عوض

janette تتراوح تقديرات الخسارة المتوقعة في الناتج المحلي الفرنسي من جراء أحداث ١٣ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بين 500 مليار دولار يوميا (١٨ مليار سنوياً) و١٥٠٠ مليار دولار يومياً (٥٤ مليار سنوياً). التأثير الأكبر سيكون في السياحة ثم في الحركة الاقتصادية الداخلية التي ستتأثر بالتردد في الإنفاق والاستهلاك بسبب الخوف والحذر، بينما التقديرات المقابلة لحجم الكلفة التي تكّبدها الإرهابيون للقيام بالعمليات الإجرامية في <باريس> لا تزيد عن خمسمئة ألف دولار وهي تشمل السلاح وتشفير الإتصالات والذخيرة والتنسيق والسفر من والى سوريا عبر تركيا والتنقل بين <بلجيكا> و<فرنسا> وإيجار السكن والسيارات في <باريس> و<بروكسيل> والمصاريف الفردية لحوالى ثلاثين إرهابياً يفترض أنهم ساهموا بطريقة أو بأخرى في التحضير والتنفيذ. بمعنى آخر فإن كل دولار واحد ينفق على الإرهاب يمكن أن يؤدي إلى خسارة اقتصادية سنوية تزيد عن مليون دولار. لذلك أصبح الإرهاب بشكل عام والآتي من الشرق الأوسط بشكل خاص من أكبر الأخطار الاقتصادية المستقبلية.

هناك عاملان جيو – سياسيان وآخر مالي صرف يمكن أن تؤثر على الاقتصاد العالمي في المدى القريب. الإرهاب أولها لأنه يمكن أن يضرب في أي مكان وخسائر فرنسا تعكس ذلك. ولكن الأسواق المالية لم تتأثر حقيقة بكل ما حدث في العاصمة الفرنسية رغم فظاعته. البورصات العالمية ارتفعت يوم الإثنين الذي تلا جرائم <باريس> وكأن شيئاً لم يكن. ورغم الانعكاس الاقتصادي السلبي الكبير لما حصل على الناتج المحلي الفرنسي فإن الأسواق تعاملت معه وكأنه حدث لن يغير كثيراً في مسار الاقتصاد العالمي، خاصة وأن البنك المركزي الأوروبي مستمر في سياسة التخفيف الكمي وضخ اليورو في الأسواق بوتيرة تصاعدية.

العامل الجيو – سياسي الثاني هو الحرب التي تقودها روسيا في سوريا والأخطار الناتجة عنها. الكل خائف من جنوح الرئيس الروسي نحو مواجهة مع الولايات المتحدة مما يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية وربما عالمية. فلم يحدث منذ الحرب الكورية عام ١٩٥٠ أن أُسقطت أي طائرة عسكرية روسية من قبل دولة تابعة لحلف <الناتو>. وها هي تركيا تتجرأ على <فلاديمير بوتين> وتسقط له طائرة <سوخوي ٢٤> بواسطة طائرة <ف ١٦> أميركية فتضع بذلك حلف <الناتو> كله في صلب المواجهة مع روسيا في سوريا. ردة فعل الرئيس الروسي لن تكون بسيطة وهو لن يتأخر في انتهاز أي فرصة يمكن أن تسنح له ليرد على تركيا إما بالجو أو على الأرض أو عبر التهديد بوقف إمدادات الغاز أو حتى بدعم حزب العمال الكردستاني. العامل الاقتصادي بين روسيا وتركيا هو الذي سيحدد ما يمكن أن يحصل: روسيا بحاجة إلى تصدير الغاز إلى تركيا vladimirبقدر اعتماد الأخيرة على الغاز الروسي. هذا يعني أن الدولتين محكومتان بتخفيف التوتر وإبقاء الحرب الباردة بينهما.

لذلك فإن مفاعيل إسقاط الطائرة الروسية لم تؤثر كثيراً على الأسواق المالية العالمية، فبورصة طوكيو ارتفعت والبورصات الأميركية حافظت على مستوياتها رغم فداحة الحادثة وانعكاساتها الإقليمية والعالمية.

ماذا يقلق العالم إذا؟ الجواب هو عند السيدة <جانيت يلين> رئيسة البنك المركزي الأميركي التي ستقرر في منتصف الشهر المقبل إذا كانت سترفع سعر الفائدة على الدولار 0.25% بالمئة. هذا القرار أهم بالنسبة للأسواق المالية واستطرادا للاقتصاد العالمي من كل ما يحدث في سوريا من عمليات عسكرية، وحتى من أحداث ارهابية جديدة يمكن أن تقع لا سمح الله في أوروبا.

إذا رفعت <مسز يلين> الفائدة فيعني ذلك أن التعافي الحاصل في الاقتصاد الأميركي هو حقيقي ومستدام، أما إذا أجلت هذا القرار بسبب الإرهاب أو التوتر العسكري في سوريا أو أي سبب آخر فذلك يدل على أن الاقتصاد الأميركي لم يخرج بعد نهائيا من الأزمة رغم الانخفاض الكبير في مستوى البطالة، وهذا يعني الكثير للأسواق المالية إذ سنكون قد دخلنا في السنة الثامنة من فترة <صفر فائدة> على الدولار وهذا لم يحدث قبل ذلك، كما أنه يعني أن مفاعيل الأزمة المالية العالمية لم تنتهِ بعد وأن ما نشهده من نمو في الاقتصاد الأميركي لا يلغي الصورة المستقبلية القاتمة التي يرسمها حجم دين الولايات المتحدة.

من مصلحة لبنان أن تستمر الفوائد في الانخفاض حتى لا يخرج نمو الدين العام عن السيطرة، ولذلك فإن البنوك اللبنانية ومن خلفها مصرف لبنان تترقب تاريخ اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في ١٥ كانون الأول (ديسمبر) بقلق العالم نفسه.

بين الجموح العسكري للقيصر الروسي وحسابات الصيدلي لصاحبة القرار حول مستوى الفائدة على الدولار، من الصعب التكهن بالمسار الذي سيسلكه العالم اقتصادياً في المرحلة المقبلة.