21 November,2018

من يحكم الولايات المتحدة الأميركية؟

 

بقلم خالد عوض

Yellen55

ليس طبيعياً أن يخسر الرئيس الأميركي خلال حوالى ستة أشهر كل الفريق المساعد الذي عيّنه عند توليه منصبه. لم يبق في البيت الأبيض أي شخص من الذين اختارهم <دونالد ترامب> ليكونوا مستشاريه الدائمين في <المكتب البيضاوي>. وليس عادياً أيضاً أن يظهر كل هذا التباين في المواقف بين وزيري الخارجية والدفاع من جهة والرئيس الأميركي من جهة أخرى في أكثر من موضوع. كما أنه من الغريب جدا أن تتناقض مواقف وتصاريح الرئيس الأميركي نفسه حول مسائل استراتيجية بالطريقة التي نشهدها اليوم، أو أن تصبح تهديداته بلا أي قيمة، مثل تحذيراته الفارغة لكوريا الشمالية، مع أنه رئيس أقوى دولة في العالم اقتصادياً وعسكرياً. وإن كان كل هذا يدل على شيء فهو أن منصب الرئاسة في الولايات المتحدة أقرب إلى أن يكون فخرياً وأن الولايات المتحدة وسياستها لا يؤثر فيها كثيرا رأي أو كلام الرئيس، لأنها نتيجة أبحاث وتحليلات وقرارات تقوم بها مؤسسات… كل المطلوب من الرئيس الاطلاع عليها والاختيار بين ما يطرح عليه منها. هذا لا يعني أن الرئيس ليس بإمكانه التصرف بحرية في أمور عديدة، مثل أن يحاول أخذ أموال العرب أو أن يؤخر أو يسرع قرارات إدارية، ولكن في ما يتعلق بالأمور الاستراتيجية، فدور الرئيس محدود جداً، وإذا كان <ترامب> قد نجح في أمر وحيد حتى اليوم فهو في إثبات ذلك.

ما هي المؤسسات التي تؤثر مباشرة في التوجه الاستراتيجي للولايات المتحدة؟ العدد كبير ويفوق العشرة، ولكن بعض هذه الإدارات فاعل جداً في القرار السياسي النهائي للرئيس.

أحد أهم مراكز القرار الأميركي هو المصرف المركزي المعروف بالاحتياطي الفديرالي. فعندما يكون الدولار هو العملة الأكثر تداولاً في العالم، يصبح سعر صرفه والفوائد عليه وكل ما يتعلق بالديون به مسائل حيوية جدا بالنسبة للعالم كله وليس فقط للولايات المتحدة. كان <ترامب> يعبّر خلال حملته الإنتخابية عن عدم رضاه من أداء رئيسة البنك المركزي <جانيت يلين>، ولكنه اليوم أصبح ميالا إلى التجديد لها، مع أنها لم تغير أي شيء في طريقة عملها. قرار إزاحة رئيس البنك المركزي الأميركي ليس في يد <ترامب>. هناك آلاف مليارات الدولارات التي تتحرك يومياً بهذا الاتجاه أو ذاك حسب همسة من <جانيت يلين> أي أن الاقتصاد العالمي كله يتأثر بتوجهاتها، وبالتالي هي من أهم المؤثرين ليس فقط في التوجه المالي بل حتى في التوجه السياسي للرئيس الأميركي.

المركز الثاني المهم هو <البنتاغون> أو وزارة الدفاع. الكل يعرف أن تعيين وزير الدفاع الجنرال <جايمس ماتيس> لم يكن خيار <ترامب> بل جاء بتزكية قوية من المعسكر الجمهوري في الكونغرس ومجلس الشيوخ. أهمية وزارة الدفاع ليس فقط في موازنتها المالية المرتفعة بل في أنها تشرف على أكثر من ثلاثين قاعدة عسكرية أميركية كبيرة في العالم إلى جانب عشرات القواعد الصغيرة الأخرى، كذلك هي مسؤولة عن عدة وحدات ووكالات عسكرية، ولذلك فإن وزير الدفاع يتربع على أهم منظومة عسكرية في العالم وعنده من المعلومات ما يكفي للتأثير على سياسة الرئيس بل حتى على رؤيته. والمتمم لوزير الدفاع هو مستشار الرئيس للأمن القومي، المنصب الذي يشغله الجنرال <ماك ماستر>، الآتي أيضا بالزخم الجمهوري نفسه الذي أتى به وزير الدفاع.

قيل أن قرار <دونالد ترامب> منذ أيام بالانغماس أكثر في أفغانستان، جاء بنصيحة <ماك ماستر>. فالأخير أطلع <ترامب> في معرض اقناعه على صورة لصبية أفغانية تسير في شوارع <كابول> عام ١٩٧٢ donald-trump بالـ<ميني جوب>، قاصداً أن التطرف في أفغانستان يمكن القضاء عليه. مع العلم أن حجم استفادة مجموعة شركات أميركية من الوجود العسكري في أفغانستان هو بمئات مليارات الدولارات.

وبالإضافة إلى هذه المراكز الاستراتيجية، هناك مجموعة كبيرة من الوكالات الأمنية والاستخباراتية يحاول المسؤول الأول فيها التأثير على قرارات الرئيس. وبناء على الثقة التي يمكن أن تنمو بين حاكم البيت الأبيض ورؤساء تلك الأجهزة يصبح الرئيس الأميركي ميالاً أكثر إلى الاستماع إلى هذا الجهاز أو ذاك. وهناك أمثلة كثيرة حول تأثر الرئيس الأميركي في السابق بنصائح الـ<سي.آي. إي> أو وكالة الأمن القومي أكثر من سماعه لوزير الخارجية أو حتى وزير الدفاع.

الكلام عن طريقة الحكم في الولايات المتحدة هو للدلالة على أن معظم مواقف <دونالد ترامب> التي نشاهدها حية أو نراها من خلال تغريداته لا قيمة لها. وعلى عكس سلفه <باراك اوباما> الذي كان يزين كلامه بدقة، يطلق الرئيس الأميركي الحالي مواقف صاخبة لا تؤدي إلى نتائج بينما معظم القرارات الجدية التي يتخذها والتي تناقض كل أفكاره مستوحاة من <الاستبلاشمنت> الداخلي.

أحد هذه القرارات التي أخذها الرئيس الأميركي والتي لم تلق الاهتمام الإعلامي الدولي رغم أهميتها هو إطلاق اليد لجهاز قيادة الفضاء الإلكتروني (CYBER COMMAND) ومنحه صلاحيات واسعة تصل إلى حد القيام بهجمات إلكترونية لا سقف أو حدود لها.

يعني أن الولايات المتحدة التي ما فتئت تشكو من القرصنة الإلكترونية والتدخل الروسي في شؤونها ستنتقل إلى الهجوم. هذا ليس قرارا للرئيس بل هو قرار استراتيجي أميركي يعبّر عن نوعية الحروب التي سنشهدها والتي لن تكون كلها بالبارود والنار. هذا يعني أيضا أن الولايات المتحدة لن تكتفي بقوة الورقة الخضراء مالياً أو الانتشار العسكري في العالم بل ستستخدم الأسلحة التكنولوجية لتعزيز نفوذها حتى لو تطلب ذلك التدخل الإلكتروني المباشر في شبكات الدول، إن كان بموافقتها أو حتـــــــــــــــــــــــــــــى من دونها. المضحك في الاستنفار الإلكتروني العالمي الحاصل حالياً والذي يبدو أن الولايات المتحدة ستسلك فيه الطابع الهجومي من الآن فصاعدا، هو أن الدول الأكثر أماناً من الاعتداءات الإلكترونية هي التي لم تدخـــــــــــــــــــل في نطاق الحكومة الإلكترونية، أي أن الدول الأقل تطورا هي الأكــــــــــــــــــــــــــــــثر أمنا!

قد يكون <دونالد ترامب> مالئ الدنيا وشاغل الناس إعلامياً ولكنه لا يعدو مجرد رمز لخلية مؤسسات تحرّك العالم كله وتسيطر على معظمه.