24 June,2018

من ورّط عون بمرسوم التجنيس مضموناً وتوقيتاً وهل يتمكّن اللواء عباس من ”تنظيفه“ من غير المستحقين؟!

المشنوق  bلن يكون من السهل أو من الممكن قريباً معرفة الأسباب التي دفعت رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى توقيع مرسوم يمنح الجنسية لنحو 400 شخص عربي وأجنبي، على رغم أن هذه المسألة كانت موضع معارضة شديدة من <الجنرال> عون عندما كان رئيساً للتيار الوطني الحر حيث انتقد بشدة إقدام الرئيس السابق ميشال سليمان على إصدار مراسيم تجنيس قبيل نهاية ولايته الرئاسية وقبل أن يقع الفراغ الدستوري ويستمر من 25 أيار/ مايو 2014 حتى 31 تشرين الأول/ اكتوبر 2016. ولعل موقف <الجنرال> ظل في أذهان اللبنانيين طوال الأعوام الماضية، وهو ما جعل ردة الفعل الشعبية على توقيع المرسوم تأخذ منحى حاداً عبّرت عنه تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فاستغل بعض السياسيين، لاسيما المعترضين دائماً على سياسة العهد ومواقفه، صدور المرسوم لإطلاق النار المباشر على سيد قصر بعبدا والفريق المحيط به، متجاهلين أن المرسوم وقعه أيضاً رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق، والاثنان أضافا عليه أسماء لرجال أعمال سوريين وعرب حامت حولهم علامات استفهام كبيرة.

قد يكون من الصعب، تقول مراجع متابعة، إعطاء تبريرات لصدور المرسوم والعهد الرئاسي لا يزال في بدايته – علماً أن عملية التجنيس تتم عادة في نهاية كل عهد – لاسيما وانه حوى على مستفيدين سوريين وعراقيين وسعوديين وأردنيين وفلسطينيين، إضافة الى مجموعة من مكتومي القيد، وبعض الأجانب ممن تزوجوا من لبنانيات، أو لبنانيات تزوجن من أجانب. ومن الصعب أيضاً <الدفاع> عن مرسوم ضم متمولين اشتهروا بسعيهم الى اكتساب الجنسية اللبنانية مع ما يرافق ذلك من كلام عن <تقديمات> عينية لأشخاص – وربما مسؤولين – بعضهم سماسرة والبعض الآخر رجال سياسة أو أصحاب نفوذ، خصوصاً وأن هؤلاء المجنسين الجدد لا تتوافر فيهم شروط اكتساب الجنسية، وأبرزها أن يكون المرشح لنيل الجنسية قد قدّم للبنان خدمات جلى أو لعب دوراً في النهوض باقتصاده أو المحافظة على أمنه وغير ذلك من الأسباب المنطقية لمنح الجنسية.

 

تعددت الأسباب…!

وبعيداً عما تردد من أن ثمة <هدايا مالية> قدّمها بعض المجنسين الى الذين أمّنوا حصولهم على الجنسية من خلال إدراج أسمائهم في المرسوم المذكور، فإن بعض المجنسين الجدد نال الجنسية لأسباب إنسانية أو اجتماعية كمثل جمع شمل عائلة، أو لأسباب صحية حيث اتضح أن من بين المجنسين مَن يشكون مرضاً عضالاً يفرض أن يحصلوا على علاج دائم، ومنهم من يقيم في لبنان منذ أكثر من 40 سنة وأفراد عائلته وُلدوا وكبروا وتزوجوا في لبنان، إلا أنه من الصعب تحديد نسبة هؤلاء لأن المرسوم أُبقي طي الكتمان ولن ينشر في الجريدة الرسمية لأنه مرسوم رسمي والحصول عليه قد يكون صعب المنال.

في أي حال، قصة المرسوم بدأت قبل أشهر وكان الهدف الأساسي منها معالجة أوضاع عائلات تقيم في لبنان ولديها (حاجة) للحصول على الجنسية، إضافة الى تلبية رغبات لبنانيين منتشرين في دول الاغتراب بالحصول على الجنسية، ومن بينهم مَن أعدت ملفاته في <المؤسسة المارونية للانتشار>. وعندما أُعطي الضوء الأخضر للانطلاق بالمرسوم قبل الانتخابات النيابية بأسابيع استقر الرأي عند <ذوي الشأن> على عدم نشر المرسوم إلا بعد الانتخابات حتى لا يقال ان مضمونه كان محور استغلال سياسي، إلا أن الذي حصل أن الصيغة الأولية للمرسوم لم يكن يتجاوز عدد الأسماء الواردة فيها المئة شخص، لكن <شهيّة> بعض معدي المرسوم فتحت فصارت الأسماء <تغط> بشكل يومي فحل تونسيون وسوريون (وهم الغالبية) وفلسطينيون وعراقيون وأردنيون ومصريون وسعوديون وألمان وفرنسيون وبريطانيون وايرانيون وتشيليون وهنود وأميركيون على المرسوم إضافة الى مجموعة من مكتومي القيد بحيث توزع المجنسون بين أسماء رفعت من القصر الجمهورية بمتابعة من عدد من معاوني ومعاونات الرئيس عون، وأسماء أضيفت الى الصيغة الرئاسية في السرايا ووزارة الداخلية، ومعظم الذين أضيفوا في السرايا والداخلية هم من السوريين والفلسطينيين، ومن بينهم رجال أعمال سوريون طُرحت علامات استفهام حول أسباب تجنيسهم. و<نام> المرسوم الى ما بعد الانتخابات وصدر بصورة سرية بحيث لم يمر على أي من المؤسسات الأمنية ولاسيما منها الأمن العام للتدقيق في هويات المجنسين الجدد والبحث والتحري عنهم كما تقتضي الأصول والقوانين المرعية الإجراء، وظل المرسوم يروح ويجيء بين بعبدا والسرايا والصنايع الى أن أضيفت أسماء وفق حصص يعرفها الذين حضروا المرسوم الذي ما إن تسرّب خبر صدوره حتى انهالت ردود الفعل التي استهدفت خصوصاً رئيس الجمهورية لأن التوقيع الأخير له وحيّدت رئيس الحكومة ووزير الداخلية علماً أنهما وقعا المرسوم تطبيقاً للقانون.

من خدع الرئيس؟!

الحريري عون  b

وبصرف النظر عما إذا كانت ردود الفعل قد اتسمت بالقساوة والحدة وفيها الكلام الكبير، فإن المعلومات الكثيرة حول ملابسات ايراد أسماء المجنسين المحظوظين، تدفع الى التأكيد بأنها لا يمكن أن تكون قد مرت كلها لأسباب إنسانية واجتماعية، ومن السذاجة الاعتبار بأن لبنان بات جمعية خيرية يغدق جنسيته على <المحتاجين> من دون مقابل، خصوصاً أن السوابق كثيرة في هذا المجال، ومع تكرار الاتهامات حول <ممارسات ملتبسة> و<قبض فلوس> ضجت بها وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وتناقلها سياسيون، بدا أن كرة الثلج بدأت تكبر وان الذين <زينوا> لرئيس الجمهورية هذه الخطوة وخدعوه واعتبروها أنها <عادية> و<من حق الرئيس> استنكفوا حتى عن الدفاع عنها، فصارت السهام موجهة كلها الى قصر بعبدا الذي استمهل في البداية الرد على المنتقدين والمعترضين، الى أن اضطر بعد ثلاثة أيام من بداية الحملة الى التقاط <كرة النار> مجدداً والمبادرة الى تطويق ردود الفعل من خلال تسليم هذا الملف الى المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي حصل على المرسوم بعد صدوره ولم يُسأل الأمن العام مسبقاً عن الأسماء كما تقتضي الأصول، وطلب الرئيس عون من كل من يملك معلومات أكيدة عن المجنسين الجدد تخالف المعايير المعتمدة لمنح الجنسية، أن يتقدم بها الى الأمن العام للتحقيق بها واتخاذ الاجراءات اللازمة والتي يمكن أن تصل الى حد إسقاط الأسماء غير المستحقة من المرسوم وبالتالي حجب الجنسية اللبنانية عن أصحابها.

والسؤال يبقى: هل يكفي هذا الإجراء لإمتصاص الغضب الذي برز من خلال إصدار مرسوم التجنيس، وهل يعيد هذا الإجراء الثقة بالدولة وبرئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية؟

تجيب مصادر معنية ان صدور المرسوم أثر سلباً على صورة رئيس الجمهورية أكثر من غيره لأنه المؤتمن على الدستور وهو من أقسم اليمين على المحافظة عليه، وهو الذي رفع شعار مكافحة الفساد ونادى بالشفافية ونشأت بينه وبين الناس ثقة كبيرة وصلت الى حد وصفه بـ<بيّ الكل>، إضافة الى مواقف سابقة له يدين فيها التجنيس بمراسيم تمرر تحت جنح الظلام. وعلى رغم أن الحملات كانت قاسية في اتجاه الرئيس عون وتجاهلت عمدا غيره من المسؤولين، إلا انه يقتضي معرفة الجهة التي <ورّطت> رئيس الجمهورية و<زيّنت> له أهمية إصدار المرسوم والولاية الرئاسية في بدايتها، وبالتالي أخفت هذه الجهات على الرئيس عون معلومات حول عدد من المجنسين الذين لا مبرر منطقياً أو وطنياً لتجنيسهم، ليبقى السؤال: لماذا لم يتم التدقيق المسبق بأسماء المجنسين من قبل الأمن العام او غيره  من المؤسسات الأمنية المعنية، وبالتالي كيف أضيفت أسماء رجال أعمال سوريين لبعضهم ارتباطات سياسية، ومنهم ملاحق أمام القضاء السوري، إضافة الى أسماء أخرى لا تتمتع بمعايير الحصول على الجنسية اللبنانية؟!

هذه الأسئلة وغيرها كثير، يعتقد المطلعون أنها هزّت الصورة الرئاسية في أذهان اللبنانيين وهي أتت بعد الانتخابات النيابية التي حقق فيها الرئيس عون إنجازات وطنية وشعبية على حد سواء، وهو الذي نفذ ما كان قد وعد به لجهة إجراء الانتخابات وبقانون جديد، ونال فريقه السياسي تكتلاً هو الأكبر في المجلس النيابي. وما من شك بأن الدعم الواسع للرئيس عون وصورته المزهرة في كل لبنان، كانا هدف الذين استغلوا صدور المرسوم لإطلاق النار على بعبدا على نحو غير مسبوق، وكأن الذين عملوا ليل نهار لصدور المرسوم قدموا لمطلقي النار على بعبدا هدفاً على طبق من … دولارات التجنيس، وخدموا، بمعرفتهم أو عدم معرفتهم، الذين يستهدفون العهد وإنجازاته الكثيرة وينتظرون الوقت المناسب للتصويب عليه.

فهل يصلح <العطار> عباس ابراهيم ما أفسده مرسوم التجنيس الذي تسلل في توقيت غير سليم ولأسباب قد لا تكون سليمة هي ايضاً، واستفاد منه <سماسرة> يعرفون من أين تؤكل الكتف إذ سبق لهم أن <أشرفوا> على صدور مراسيم مماثلة في عهد سابق؟ أم يتكرر بالتقسيط ما حصل في 20 حزيران/ يونيو 1994 حين صدر المرسوم الرقم 5247 الذي منح الجنسية اللبنانية لمئات الآلاف من الأشخاص والمجموعات دفعة واحدة ينتمون الى 40 دولة مختلفة إضافة الى مئات مكتومي القيد، ولا تزال تداعيات هذا المرسوم <تجرجر> حتى اليوم؟!

 

شروط منح الجنسية!

تجيز القوانين والأنظمة المرعية الإجراء منح الجنسية اللبنانية لأشخاص غير لبنانيين، بمرسوم عادي يوقعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية، وهو لا يحتاج الى موافقة مجلس الوزراء. وقد حدد القانون الصادر في 5 حزيران/ يونيو 1939 أن الأجنبي يمكن أن يُمنح الجنسية بموجب مرسوم بناء على طلبه وبعد إجراء تحقيق في شأنه ضمن شروط معينة أبرزها الآتي:

1 – إذا أثبت أنه أقام في أراضي الجمهورية اللبنانية إقامة فعلية غير منقطعة مدة عشر سنوات.

2 – إذ أثبت أنه بعد اقترانه بامرأة لبنانية أقام في لبنان إقامة غير منقطعة مدة خمس سنوات على الأقل تبدأ من تاريخ زواجه.

ويمكن منح الجنسية اللبنانية بمقتضى مرسوم لكل اجنبي ادى الى لبنان خدمات جلى مهما بلغت مدة إقامته فيه.

إلا أنه غالباً ما تجاوز المسؤولون الشروط المحددة في القانون ومنحوا الجنسية لأشخاص لا يستوفون هذه الشروط.