19 September,2018

من وراء إخفاء المعلومات حـول ملـف النفـط والغـاز؟!  

بقلم طوني بشارة

 

Arthut-Nazarian

المتتبع لأوضاع النفط يدرك أن إمكانات استخراج النفط والغاز في الشرق الأوسط اتضحت منذ سنوات عدة، فالغاز اكتشف قبالة غزة منذ حوالى 16 سنة، لكن تطويره عُّلق لخلافات متعددة الأسباب بين إسرائيل وشركة الغاز البريطانية التي حققت الاكتشافات بالمشاركة مع شركة <سي. سي. سي.> للتعهدات.

حقل <تامار> يؤمن 65 بالمئة من حاجة العدو الإسرائيلي للكهرباء، ثم اكتشف العدو الإسرائيلي مكامن غاز ضخمة في حقل <تامار> القريب من حدود المياه الإقليمية، وحقل <ليفيتان> – أي العملاق – في منطقة لا تبعد كثيراً عن المياه الإقليمية اللبنانية، واللافت ان إسرائيل أصبحت تعتمد على حقل غاز <تامار> لانتاج 65 بالمئة من حاجاتها للكهرباء، وبالمقابل واجه حقل <ليفيتان> اعتراضات جمة في صدد الاحتكار من شركة <نوبل> الأميركية – الإسرائيلية، ولمواجهة هذا الامر تحرك رئيس وزراء إسرائيل <بنيامين نتنياهو> واتخذ موقفاً مناهضاً لدعاة محاربة الاحتكار ودعا للعمل على الإسراع في الإنتاج، مؤكداً ان إسرائيل في حال تم الإنتاج ستؤمن حاجاتها وستعمد الى التصدير، وما يؤكد ذلك المحادثات مع الأردن ومصر لتحقيق اتفاق يضمن للبلدين صادرات غاز منها.

 

التراخي اللبناني بملف النفط

 

مقابل هذه الخطوات للعدو الاسرائيلي في ما يختص بملف النفط، ماذا فعلنا كجهات لبنانية مسؤولة؟ هل قمنا باتخاذ تدابير معينة تكفل حق اللبناني بنفطه؟ ام اكتفينا بتبشير المواطنين بأن موارد النفط والغاز ستعزز قدراتهم التعليمية وستسمح بإنجاز معامل توليد الكهرباء بالطاقة النظيفة والمنخفضة الكلفة؟ ما هي انجازاتنا في هذا الخصوص؟ وما سبب الغموض في قضية النفط الذي يحوط المعلومات ويجعلها سرية حتى عن المجلس النيابي؟

قباني: من المعيب إخفاء المعلومات حول

ملف النفط عن النواب واللبنانيين

فرئيس لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة النائب محمد قباني اعتبر ان السرية بالمعلومات تُعتبر أمراً معيباً ويجب ان نخجل منه وننقلب عليه. وشدد على فكرة أن الوصول الى المعلومات في قطاع النفط والغاز شديد الأهمية، وخصوصاً بالنسبة الى المهتمين من اللبنانيين فضلاً عن المتابعين من الاجانب ويقول قباني: لن نقبل باستمرار هذا الغموض والسرية المريبة وسنقوم بكل ما علينا من اجل ضمان حق النفاذ الى المعلومات أي الى الشفافية في قطاع الموارد البترولية.

نزاريان ودورة التراخيص الأولى

 

وبدوره وزير الطاقة ارتور نزاريان أكد ان وزارة الطاقة والمياه وهيئة إدارة قطاع النفط تعملان معا على انجاز مواضيع عديدة متعلقة بدورة التراخيص الأولى ومنها: استكمال المنظومة التشريعية لحوكمة القطاع، والعمل على اشراك كل المكونات الوطنية المعنية بحوكمة القطاع ومراقبته، ناهيك عن وضع الخطط وهو دور منوط بهيئة إدارة القطاع التي تقوم بذلك بالتعاون مع الاستشاريين الدوليين وبناء على تجارب عالمية للإفادة من ايجابياتها، وكذلك لتفادي الإخفاقات التي وقعت فيها بعض البلدان في إدارة مواردها البترولية.

وإزاء هذا التراخي بموضوع النفط وغياب الشفافية وحجب المعلومات حتى عن النواب والسياسيين المعنيين بقضية النفط، هل ما زالت الجدوى الاقتصادية لملف النفط اللبناني تحــــــافظ على أهميتهـــــا؟ وهل ان الشركات المنقبــــة عـــــن النفــــط مــا زالت متحمســـــة في مقابـــــل هذا التراخـــي واللامبالاة؟

كامل وزني… وقضية الترسيم

الخبير الاقتصادي كامل وزني نصح الجهات المعنية بعدم الدخول في ما يخص ملف النفط في التفاصيل المتعلقة بكيفية الترسيم والاخطاء الحاصلة بعملية الترسيم، مؤكداً ان هذه الأمور ولاسيما المناطق المتنازع عليها بحاجة الى معالجة على مستوى سياسي، لذا من الأفضل عدم الدخول بتفاصيل هذه الأمور وذلك لفسح المجال امام الجهات القانونية لمتابعة الملف ورفع دعاوى لتحصيل حق لبنان في هذه المنطقة، إن كان بطريقة مباشرة ام غير مباشرة.

وزني والشق الاقتصادي للنفط

SAM_5648----1

وتابع وزني: ملف النفط يحتوي على شقين: الأهم هو الشق المتعلق بالاقتصاد، علماً ان مصير هذا الشق تفرضه اليوم الأسواق العالمية، على اعتبار أن أسعار النفط والغاز خلال الثلاث سنوات الماضية تراجعت أكثر من 60 بالمئة مما خلق صعوبة في عمليات التنقيب والتلزيم باعتبار ان المياه اللبنانية الموجودة فيها الثروة النفطية قد تكون على مسافات عميقة تتعدى الـ1000 متر.

واستطرد وزني قائلاً:

– للأسف أوقفت الشركات الاجنبية التنقيب على مسافة تزيد عن الـ1000 متر، علماً ان المسافات في لبنان تتراوح ما بين الـ1000 و1500 متر.

ــ نفهم من حديثك انه لم يعد هناك أي جدوى اقتصادية لعملية التنقيب؟

– مشكلة الجدوى الاقتصادية للشركات المعنية بعمليات التنقيب تعترضها عقبات حالية ومستقبلية أهمها:

أ – المنافسة القوية على مستوى العالم بعدما أقرت الولايات المتحدة رفع الحظر عن تصدير الغاز من اميركا، وهذا الامر حصل عام 2015 وأميركا لأول مرة تتخذ هذه الخطوة.

ب – عقبة مستقبلية متعلقة بوجود حقول غاز من الجانب الإيراني علماً ان الغاز تدنّت أسعاره في بعض الأحيان لتصل الى حدود الـ70 بالمئة، وهذا الامر يُعتبر عقبة امام الشركات على اعتبار ان عملية الاستخراج يجب ان تكون مربحة.

ج – كما انه لا يمكننا ان ننسى بأن دول العالم المعتمدة باقتصادها على النفط والغاز تعاني من مشاكل اقتصادية متعددة، فالسعودية تعاني حالياً من مشكلة الركود، اما فنزويلا فتمر بمرحلة الانهيار الاقتصادي، فهناك تراجع بعائدات هذه الدول يفوق الـ70 بالمئة، كما انه من المتفق عليه انه في حال اجرينا التلزيم اليوم فإن عملية الاستخراج ستنفذ بعد سبع سنوات على الأقل.

 

وزني والاتفاق غير المعلن بين بري وعون حول النفط

ــ هذا بالنسبة للشق العالمي للنفط، فماذا عن عقبات الشق اللبناني؟

– ان الشق اللبناني له طابعان: طابع سياسي، وطابع أمني، الطابع السياسي يتمثل بضرورة اتفاق القوى السياسية على توزيع <البلوكات> وكيفية العمل، ولكن الطبقة السياسية للأسف ومنذ البدء مختلفة على هذا الموضوع، ويقال انه جرى اتفاق غير معلن ما بين عون وحركة <أمل> لتسهيل عملية التلزيم، كما أن الجهات المعنية من وزراء وحكومة تشير الى عدم وجود عقبات حيال هذا الامر، ولكن الملف للأسف لم يكتمل حتى الآن.

وزنــــي: الرابح بقضية <البلوكات> المشــتركة هــــو مــــن يبـــدأ بـــــالتنقيب اولاً

 

 وتابع وزني:

– اما بالنسبة للجانب الأمني لاسيما المتعلق بـ<البلوكات> المتاخمة للحدود مع إسرائيل (<البلوكات> المشتركة) فبات شائعاً ان من يبدأ باستخراج النفط أولا سيكون المستفيد والرابح في قضية هذه <البلوكات>، علماً انه لا توجد قوانين تمنع الطرف الاخر او تحاسبه خاصة ان إسرائيل مدعومة من اميركا، وللأسف حتى الآن لا يوجد أي اتفاق لبناني على عملية البدء بالتنقيب، وباعتقادي ليس هناك في القريب العاجل أي اتفاق حيال هذا الموضوع.

ــ ولكن بالرغم من ذلك، فإن العديد من المسؤولين يؤكدون بأن النفط سيكون المنقذ للاقتصاد اللبناني، فما تعليقك على ذلك؟

– اعتقد أن هناك مبالغة في اعتبار النفط منقذاً للاقتصاد اللبناني، وهذا الامر قد يكون غير دقيق بسبب تراجع أسعار النفط والغاز بالعالم، ناهيك عن المنافسة الشديدة عالميا في هذا القطاع، كما انه لا يمكن تحديد الكميات الموجودة في أعماق البحار، فالكميات ما زالت غير محددة وقد تكون غير مجدية اقتصاديا.

وتابع وزني قائلاً:

– الجانب الإسرائيلي لزم على أسعار مرتفعة، ونحن لو لزمنا منذ اربع سنوات لكنا قد تمكنا من المحافظة على أرباح جيدة، على اعتبار ان الاجواء الاقتصادية يجب ان تخدم عملية التلزيم والتنقيب، علما ان تكلفة التنقيب تقسم الى شقين: تكلفة ثابتة وتكلفة متحركة، والحفر هو ضمن التكلفة الثابتة وهذه التكلفة مرتفعة في لبنان بسبب الأعماق الكبيرة التي تصل الى 1500 متر، ففي ظل ارتفاع تكلفة الحفر وانخفاض الأسعار عالمياً ترى الشركات انه لا يوجد أي دعم لعملية الاستثمار.

وزني ومصلحة الاقتصاد اللبناني

محمد-قباني 

ــ ما المطلوب حالياً للتمكن من الاستفادة من التلزيم بأسرع وقت ممكن؟

– ان الدولة ملزمة بإصدار القوانين، كما يجب ان نكون كجهات مسؤولة جاهزين بقوانين بمجلس النواب من اجل التلزيم وبسرعة عندما تتحرك الأسعار، كما يفترض بالقوى السياسية ان تكون دقيقة بعملية التلزيم وذلك عندما تكون الأسعار تخدم مصلحة الاقتصاد اللبناني أي بمعنى آخر عندما تكون الأسعار العالمية متجاوبة مع مصلحة لبنان الاقتصادية خاصة ان مديونتنا مرتفعة واعباءنا هائلة.

وتابع وزني:

– ان التعامل مع هذه الثروة اذا أصبح واقعاً فيجب ان يكون مدروساً وليس عشوائياً، لأن هذه الثروة أمانة لنا وللاجيال المقبلة، للأسف نحن جعلنا الجيل المقبل يدفع اثماناً باهظة من المديونية، واذا لم نعالج الاقتصاد بطريقة تقنية فقد نكون امام مصاعب تشكل عبئاً على الاقتصاد اللبناني.

 

التحدي الأمني من خلال التنقيب الافقي

 

ــ ماذا عن تقنية التنقيب الافقي وإمكانية السرقة من قبل العدو؟

– لقد بات مؤكداً ان التنقيب الافقي هو بمنزلة تكنولوجيا متبعة للسرقة في العالم، وهناك دعاوى عديدة في هذا المجال، منها دعاوى صدام ضد الكويت، ودعاوى في روسيا وأميركا، وهذه التكنولوجيا قد تستخدم ولا نستبعد ان يتعرض لها لبنان ويجب اخذ الاحتياط لان التنقيب قد يصل الى أكثر من 20 كلم وهو بمنزلة اعتداء على السيادة اللبنانية وتحدٍ أمني قد يؤدي الى تداعيات عسكرية.

ــ كما يبدو التأخير بالتنقيب واقع لا محالة، لكن لمصلحة من سيصب؟ روسيا ام اميركا ام بعض الشركات الأوروبية؟

– لبنان مشهود له بمراعاته للعلاقات الدولية، وهذه المراعاة قد تصب لمصلحة الشركات المتعددة الجنسية اذ يمكنها ان تدخل الى الأسواق اللبنانية، وفي السياق ذاته نرى ان روسيا علاقتها جيدة مع إسرائيل فتلزيمها للحقول المشتركة على الحدود سيضمن عدم حدوث أي استفزاز امني قد يولد تشنجات، كما انه لا يمكننا ان ننسى أيضاً اميركا وتجاربها الكبرى مع إسرائيل مما يعني انها قد تحافظ أيضا على مصالحها في هذا الخصوص. وبذلك فإن التأخير قد يصب لمصلحة روسيا وأميركا معاً.