25 September,2018

من ضغط ومن قبض ومن دفع ليقع لبنان ودولته وسياسيوه وإدارته في مستنقع النفايات؟!

بقلم جورج بشير

Mahatta00068 لم يكن مفاجئاً أن يغرق لبنان الأخضر والجميل في عز فصل السياحة والصيف بالنفايات هذه السنة ليضيف هذا الغرق الفاضح الى فضائح الإهمال والسمسرات والفساد. هذه الفضيحة الجديدة المدوية التي تؤكد مرة جديدة على غياب السلطة وعدم تحمّل المسؤولين لمسؤولياتهم، خصوصاً في الوقت الذي تغص مدن لبنان وقراه وبالتحديد مناطق الاصطياف بعشرات الآلاف من اللبنانيين المنتشرين في العالم جاؤوا يغامرون بزيارة وطنهم الأمّ تأكيداً على تعلّقهم بمناخه والأهل والأصحاب وكذلك ضيوفهم من العرب والأجانب وهم يدركون سلفاً انهم يسافرون الى بلد يعيش في وسط أتون حرب عالمية ضروس عنوانها الإرهاب وجيوش الإرهابيين من شذاذ الآفاق.

أجل، لم يفاجأ اللبنانيون بهذه الكارثة الجديدة التي حلّت بالبيئـة وشوّهت الصور الجميلة الزاهية المطبوعة في أذهانهم عن بلدهم لأن التمادي في عدم معالجة الأسباب الكامنة خلف هذه الكارثة معالجة حقيقية جذرية منذ سنوات والسكوت على الفساد والفاسدين وعدم محاسبتهم أو مساءلتهم سواء أكانوا في السلطة أم في الإدارة أم في السياسة، كان سيوصل البلد حتماً الى الحال التي وصل إليه في الأسبوعين الماضيين بسبب استمرار لبنان بالاعتماد على الطرق شبه البدائية في جمع ومعالجة النفايات وعنوانها الفساد والإفساد…

مع بداية عهد إعادة الإعمار بعد الحرب، أتى من أرشد الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى الطرق المعتمدة في أوستراليا لجمع وفرز ومعالجة النفايات وهي من أفضل الطرق الحديثة المعتمدة في تلك البلاد المتقدمة تقنياً أيضاً وباتت تعتبر من الدول الكبرى الراقية حيث سيف المساءلة والمحاسبة لا يرحم الفاسدين والمتلاعبين المتحايلين على القوانين كما عندنا. وهذه الطرق المعتمدة في أوستراليا جعلت تلك البلاد من أنظف بلدان العالم، حيث تنتج المحارق الخاصة بمعالجة النفايات <الأدوية والسماد المركّب والعطور والطاقة الكهربائية ونسبة التلوّث من جرائها صفر>…

وصودف يومئذٍ ان الشركة التي تقوم بعملية معالجة النفايات بعد جمعها من جانب بلديات المدن والقرى في مدينة سيدني عاصمة ولاية <نيوساوث ويلز> رئيس مجلس إدارتها من أصل لبناني مغترب من بلدة حدث الجبة في شمال لبنان (ج.غ.) دعاه الرئيس الحريري الى بيروت وتمنى عليه أن يوظف مع شركته وفريقه التقني خبراتهم الواسعة في هذا المجال الذي وضع مدينة <سيدني> في المرتبة الأولى في اللائحة القصيرة التي تضم أسماء أرقى وأنظف مدن العالم خصوصاً من حيث خلوّها من التلوّث.

 

ماذا حصل في لبنان؟

لبّى الأوسترالي اللبناني الأصل النداء فوراً للإسهام في ورشة إعادة إعمار وطنه الأم بعد الحرب، هذه الورشة التي قادها الرئيس الحريري وحضر الى بيروت مع فريقه الاستشاري واجتمع أكثر من مرة مع الرئيس الحريري والفريق المولج بورشة إعادة الإعمار. هذا الفريق الذي أفرز من بينه فريق آخر يهتمّ بقطاع جمع ومعالجة النفايات التي كان يرتفع منها جبلان مخيفان، الأول: في قلب العاصمة بيروت، والثاني: قريب من عاصمة الجنوب صيدا (جبل النورماندي، وجبل الناعمة)… وبعد ثلاثة أشهر من الدراسة، أنتج الفريق الأوسترالي اللبناني مشروعاً عرضه على الرئيس الحريري رحمه الله، يقضي بجمع وإتلاف ومعالجة النفايات بعد عملية فرز حديثة بتكلفة 42 دولاراً أميركياً للطن وفق العرض…

طبعاً، العرض الأوسترالي – اللبناني هذا لم يكن وحيداً، إنما كانت هناك عدة عروض أخرى… وبعد أقل من شهر، أبلغ رئيس الشركة الأوسترالي اللبناني الأصل الرئيس الحريري اعتذاره عن مواصلة البحث في الموضوع عن هذا الاعتذار. وقد حاول الرئيس الحريري مراراً وتكراراً معرفة أسباب الاعتذار، لكن الفريق الأوسترالي – اللبناني الأصل طوى الموضوع رسمياً ليتبيّن بعد فترة أن هذا الفريق تعرّض لحملة اتصالات رافقتها ضغوط وتهديدات لحمله على مضاعفة السعر ورفعه الى 85 دولاراً أميركياً للطن الواحد. وقد حاول الرئيس الحريري حمل الفريق على كشف أسماء <المتورطين والضاغطين>، لكن الفريق الآخر اعتذر بتهذيب لأسباب أمنية. ولأن الطرق المعتمدة في أوستراليا من جانب الحكومة في تقديم الشفافية وحكم القانون والمساءلة والمحاسبة مختلفة كثيراً عن تلك الطرق المتخلفة المعتمدة ليس في مجال النفايات جمعاً ومعالجة وإنتاجاً للطاقة، خصوصاً لناحية التكلفة وصون المال العام وحماية القانون، ولأن في أوستراليا كل مسؤول وكل مراقب وكل حامٍ للمال العام وحارس للمصلحة العامة هو <علي إبراهيم> نسبة للنائب العام المالي في لبنان القاضي علي إبراهيم… والشاطر يفهم…

لذلك لم يكن مستغرباً أن يقع لبنان منذ سنوات تحت وطأة أزمة الكهرباء  وتحت وطأة أزمة المياه جمعاً في السدود وحماية للآبار والموارد المائية التي يعتبر لبنان بلداً غنياً بالطاقة المائية بشهادة الدكتور فادي قمير والمرحومين الشيخ موريس الجميل وإبراهيم عبد العال، وتحت وطأة أزمة ثروة الغاز والنفط استخراجاً واستثماراً وإغناءً للخزينة الفارغة بحراً وبراً… وتحت وطأة سائر الأزمات التي تكاد تخنق اللبنانيين وتجعلهم يكادون يكفرون ببلدهم الذي لا يعرف سياسيوه وحكّامه والقيّمون على إدارته وشؤونه ومعالجة شجونه كيف يتحملون مسؤولياتهم، ولا يشعرون بفداحة الخسائر التي يمنى بها وطنهم وشعبهم لتأخره عن ركب الحضارة والنهوض والتطور العالمي، خصوصاً خسائره الفادحة على صعيد النقص الهائل الذي تسببه موجات الهجرة، هجرة الأدمغة والشباب، وموجات النزوح الهائلة التي تفوق قدرة البلد على التحمّل وتجعله على حافة هاوية الوقوع اقتصادياً واجتماعياً، تماماً كما هو حال اليونان، بعدما لامس رنهاد-المشنوققم الدين الداخلي والخارجي في لبنان السبعين ملياراً من الدولارات.

 

مَن المسؤول؟!

 

ليس كل من يتعاطون السياسة ويمارسون الحكم مسؤولين عن وصول لبنان الى هذا الدرك، وأصبح وكأنه يطير في حالة انعدام الوزن في حالة الضياع المخيفة المنذرة بكارثة، بل ان معظم هؤلاء يتحملون المسؤولية وان بدرجات متفاوتة، وخاصة معظم الإعلاميين والبرلمانيين الذين ساهموا في تطور بلدان وأوطان الآخرين وقصّروا أيّما تقصير في تطوير بلدهم، وحالوا في الوقت نفسه دون الخسارة الجسيمة التي لا تعوّض التي لحقت ببلدهم من جراء هجرة أصحاب الأدمغة والنابغين والمثقفين الذين ساهموا من خلال علمهم ونبوغهم في تطوير وبناء بلدان الغير وخسرهم لبنان، وأية خسارة…

البعض يعتبر ان انفجار أزمة النفايات كان ضاراً بالبلد. صحيح، ان انفجار هذه الأزمة المروّع ألحق الأذى الكبير بالصحة العامة والبيئة وشوّه صورة لبنان في الخارج كما في عيون اللبنانيين المنتشرين في العالم. لكن البعض الآخر يقول: ربّ ضارة نافعة، لأن هذا الانفجار فتح عيون المسؤولين والشعب اللبناني على أمور كثيرة بعضها كان مخفياً عنهم ولا بد وان ينصرفوا الى معالجتها.

لكن هذه المعالجة يجب أن تكون على الأقل بعيدة عن الفساد والفاسدين والمفسدين لأن تجارب الماضي كانت قاسية وقساوتها لمسها الجميع وتنشقوها مكرهين.

في اتفاق الطائف إشارة واضحة الى ضرورة اعتماد نظام اللامركزية، فأي حل لأزمة النفايات جمعاً ومعالجة واستثماراً في سبيل المصلحة العامة أفضل من هذا الظرف الذي يعيش لبنان في ظله؟… فالبلديات مسؤولة عن النظافة وجمع النفايات ضمن نطاق كل بلدية. والاتحادات البلدية مسؤولة عن شراء المعامل المتطورة الخاصة بفرز ومعالجة هذه النفايات وتصنيعها واستثمار ما يمكن إنتاجه منها، شرط أن تكون كل محرقة خاضعة لرقابة وإدارة كل اتحاد من هذه الاتحادات البلدية التي تثبت ان مسؤوليتها في التقصير وإهمال الواجب  متساوية مع مسؤولية الحكومات والبرلمانات والإدارات المتعاقبة على لبنان، خاصة في مجال عدم تطبيق نظام المساءلة والمحاسبة…

هذه الورشة لا تتطلّب حسب الخبراء المختصين أكثر من ستة أشهر وعندئذٍ يصبح لبنان نظيفاً من الناحية البيئية. وأما تنظيفه من النفايات السياسية فهذه ورشة أخرى وفضيحة أكبر…