15 November,2018

من سيمول إعادة إعمار سوريا؟

 

بقلم خالد عوض

رياض سلامة

سنة ٢٠١٨ لن تكون سنة نهاية الحرب في سوريا ولكنها بلا شك ستحدد وجهة الحل في الدولة العربية المأزومة منذ سبع سنوات وستوضح إذا كنا سنشهد في التسوية النهائية بعد عدة سنوات سوريا واحدة أو سوريا مقسمة.

مشروع التقسيم موجود بقوة وخطوطه ترتسم يوما بعد يوم، من الغوطة الشرقية المدمرة إلى إدلب المحاصرة وصولا إلى عفرين ومنبج والحسكة الحامية. كذلك مشروع إعادة التوحيد لا زال يتنفس ولو بصعوبة، ومؤيدوه الدوليون حاضرون في تركيا وإيران وحتى روسيا. ما يجري حاليا على الأرض هو التحضير، من كل طرف، لإمكانية تطبيق هذا المشروع أو الآخر والاستفادة من التسوية النهائية مهما كان شكلها. وكما قال الصحافي <توماس فريدمان> في مقاله منذ أسبوع في صحيفة <النيويورك تايمز> أن الجميع لا يريد أن يخسر في سوريا وتعلم كيف يتفادى الغرق في وحول الحروب من خبرات سابقة (بإستثناء تركيا)، كما أن الجميع لا يريد أن يربح هناك لأن كلفة ما بعد الربح أصبحت باهظة.

هذا الكلام دقيق جدا. الوصول إلى تسوية في سوريا يربح فيها الجميع أقل كلفة على روسيا مثلا من أن تمتلك سوريا وحدها. انها المرة الوحيدة ربما في التاريخ حيث تكون كلفة ما بعد الحرب السبب في إتجاه الحرب وحماوتها.

رفيق الحريري السوري غير موجود

 

الكلفة التقديرية لإعادة اعمار سوريا تقارب ٣٠٠ مليار دولار. هذا يشمل أعمال البنية التحتية والمشاريع الإسكانية ومشاريع الطاقة والمياه والصرف الصحي ليس فقط في المناطق المنكوبة بل أيضا في بعض المدن التي لم تتضرر بالكامل مثل دمشق ودرعا حيث يلزم إعادة تأهيل وتوسعة للبنية التحتية الموجودة. من سيقوم بتمويل كل ذلك؟ والسؤال الأهم من هي الجهة الحكومية التي يمكن أن تؤتمن على إدارة مشاريع بهذا الحجم؟

البعض يقارن حرب سوريا بالحرب اللبنانية وكذلك مشروع إعادة الإعمار في البلدين، ولكن هناك فارق كبير إسمه رفيق الحريري، الذي كان يسعى منذ منتصف الثمانينات إلى بلورة تصور لإعادة اعمار لبنان وقد استثمر علاقاته الخليجية والدولية للتحضير لذلك رغم الإحتلال الإسرائيلي. وعندما حصلت التسوية عام ١٩٨٩ في <الطائف>، كانت فرق أعمال <اوجيه> في لبنان والسعودية وفرنسا منهمكة في دراسة المشاريع الكبيرة المطلوبة لإعادة الإعمار والتحضير لتسويقها وتمويلها دوليا وخليجيا. إلى جانب ذلك حافظ لبنان خلال حرب الخمس عشرة سنة على كيانه المصرفي فتمكن الأخير من تمويل الدولة بينما القطاع المصرفي السوري المتواضع أساسا شبه منهار اليوم، ويُضاف إلى كل ذلك الغطاء الخليجي الذي توافر للبنان، وهيهات أن تحصل سوريا على مثله.

كل عناصر إعادة الإعمار التي توافرت للبنان مفقودة اليوم في سوريا، وحتى يتبين مَن الشخص أو الجهة القادرة على النهوض بإعادة الإعمار لا بوادر لتسوية دولية ممكنة. بكل بساطة لا أحد يريد تحمل هذه المسؤولية.

إلى جانب كل ذلك، الديون المترتبة على الدولة السورية لروسيا وإيران تفوق قدرتها العملية على الوفاء بها لعقود. فروسيا حصلت على حقوق تطوير مناجم الفوسفات ومعظم مصادر النفط والغاز وستستخدم هذه المداخيل لتسديد كلفة تدخلها العسكري وتسليح الجيش السوري وليس في الوارد إستخدام أي من هذه المداخيل لإعادة الإعمار. أما إيران فهي أيضا تريد إسترداد الأموال التي انفقتها في امداد سوريا بالنفط على مدى عدة أعوام واسترجاع القروض الممنوحة من قبلها للدولة السورية خلال السبع سنوات الماضية والتي تقدر بأكثر من ٣ مليارات دولار، ورغم استحصال إيران على بعض الأراضي في مناطق مختلفة والفتح الكامل للأسواق السورية أمام منتجاتها إلا أن هذا لن يكفي لتسديد الكلفة الباهظة للدعم الإيراني لنظام الأسد خاصة في ظل التململ الشعبي المتعاظم في إيران. ولذلك ليس هناك أفق مالي أو اقتصادي لإيران أو روسيا في إنهاء الحرب اليوم، وكل ما بالإمكان هو المحافظة على المكاسب على الأرض وقضم المزيد من الأراضي والمواقع حتى rafic hariri 1تينع التسوية، أكانت في مشروع تقسيم أو مشروع توحيد أو فيديرالية.

 

لا أموال عند من تنادي!

دول الخليج والصين والولايات المتحدة غير معنية هي أيضا بتمويل إعادة الإعمار. بالنسبة للخليج فلم يجن من سوريا إلا الخسائر والمشاكل وانسحابه منها أصبح يوفر عليه الكثير، بل على العكس لقد أدى إنسحاب الخليجيين من سوريا إلى تحسين علاقتهم بالروس إلى حد كبير. الولايات المتحدة تحضر لخطة إعادة تأهيل بنيتها التحتية ستكلف أكثر من ألف وخمسمئة مليون دولار كما يردد <دونالد ترامب> باستمرار، وهذا سيتطلب مجهودا تمويليا مهولا لن يسمح للولايات المتحدة بتمويل أي مشروع آخر. أما الصين فهي مشغولة استراتيجيا بطريق الحرير، وسوريا لا تشكل لا الممر الإستراتيجي ولا السوق الجذاب نوعا وحجما حتى تنخرط في عملية تمويل معقدة. يبقى الإتحاد الأوروبي المعني بتدفق النازحين الملاذ الوحيد للمساعدة، ولكن أوروبا لن تخضع للشروط الروسية ولا يمكنها مواجهة الرأي العام الداخلي لديها إن هي قررت التعامل مع نظام تأكد إستخدامه للسلاح الكيميائي، ناهيك عن أن أوروبا لا زالت في مرحلة ضخ الأمول في أسواقها أي التخفيف الكمي مما يعني أنها لم تخرج بعد تماما من الأزمة المالية.

عقدة إعادة اعمار سوريا احد أسباب إستمرار الحرب بل الحروب المتعددة فيها، ومع كل يوم دمار تزيد كلفة إعادة الإعمار وتتعقد أكثر وأكثر مرحلة ما بعد الحرب ويصبح استمرار الحرب هو الخيار الأفضل للجميع، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا!

غياب القدرة على تحمل مسؤولية ما بعد الحرب في سوريا أصبح من أهم أسباب إستمرار الأزمة فيها… انها حلقة مفرغة لن تخرج منها قريبا لا سوريا ولا المنطقة ولا العالم!