26 September,2018

من النفق الفلسطيني الموصـــول بالضاحيــــــة الى نفــق الانتحــــاريين

1 لا يمكن فصل ما يجري في لبنان من تهديدات أمنية وعمليات انتحارية متقطعة تبلغ مناطق متعددة فيه عما يجري في الداخل السوري من حرب وقودها الشعب السوري نفسه بعضهم مدعوم بشكل مباشر من أفرقاء وأحزاب لبنانية وبعضهم الآخر مدعوم بمال وسلاح ورجال الخارج، ولا يخرق هذا المشهد سوى صرخات الخوف التي تصدر من البلدين ومشاهد الموت التي تدخل الى كل منزل.

لبنان يُضرب مجدداً من بوابة أمنه

كل الاشارات والمعلومات التي كانت ترد الى الأجهزة الأمنية اللبنانية تباعاً جميعها كان يُنبئ بحصول أمر ما من شأنه ان يهز الوضع الأمني في البلد وسط تكتم شديد لم تُفصح الأجهزة المختصة عن أسبابه لغاية اليوم وهو الأمر الذي أدخل معظم اللبنانيين في دائرة الشك والتكهنات خوفاً من المجهول الذي ينتظرونه لدرجة ان مناطق كثيرة عاشت وما زالت تعيش لحظات رعب قاسية بانت ملامحها مع التفجيرين الأخيرين الذين وقعا الاسبوع الماضي، الاول عند مدخل البقاع على حاجز لقوى الأمن الداخلي والثاني عند المدخل الشمالي للضاحية الجنوبية على مقربة من حاجز للجيش اللبناني ليتأكد للقاصي والداني ان المُستهدف من كل ما يحصل هو الأمن في لبنان فكانت الضربات من بوابة الأمن.

خلال الايام القليلة الماضية استيقظ اللبنانيون على خبر اكتشاف نفق يمتد من مخيم برج البراجنة، وصولاً إلى مخيم صبرا، ومن الاخير الى أماكن قريبة جداً من عدد من المؤسسات الصحية والأمنية التي تتبع لحزب الله على رأسها مستشفى <الرسول الاعظم> الأمر الذي أحدث بلبلة في نفوس المدنيين خصوصاً في ظل الانتشار الأمني والعسكري الكثيف الذي نفذته القوى الأمنية اللبنانية بالإضافة الى انتشار مجموعات من عناصر الحزب بسلاحها الكامل على طول طريق المطار الأمر الذي تسبب في زحمة سير خانقة عند المداخل المؤدية الى قلب الضاحية نتج عنها بعض الاشكالات الفردية نتيجة للضغوط النفسية التي عانى منها المواطنون العالقون داخل سياراتهم خصوصاً وان زحمة السير ظلت على حالها قرابة الخمس ساعات.

ما هي حقيقة الأنفاق؟

تجول بين أحياء المخيم بطرقاته الضيقة لا رائحة على الاطلاق للبارود، وحدها رائحة الطهي التي تخرج من نوافذ البيوت تحتل مساحات المخيم كلها لدرجة ان كل منزل يمكنه معرفة نوعية الطعام التي تطهوها المنازل المجاورة لتبدأ عند الساعة الثانية ظهراً عملية تبادل صحون الاطعمة بين الجيران، ما يُشعر الزائر ان اهالي هذا المخيم قد نقلوا معهم عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها عن اهاليهم في فلسطين المحتلة.

2

لا يثير خبر وجود أنفاق داخل مخيم برج البراجنة استغراب أبناء المخيم نفسه وهم الذين تجاوزوا مثل هذه <التلفيقات> التي تُثار في وجههم بين الحين والآخر وإن كانت الأنفاق بحد ذاتها مهما بلغ طولها او عرضها أمراً او عملاً يعتز به أهالي جميع المخيمات الفلسطينية في لبنان خصوصاً وان لا ملاجئ حقيقية تحميهم من اي هجوم يمكن ان تشنه الطائرات الاسرائيلية. ومن جملة ما يقوله أبناء مخيم البرج ان هناك بالفعل أنفاقاً كانت تُستخدم خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وفي زمن حرب المخيمات بين الفلسطينيين وحركة <امل> اما لنقل السلاح او الطعام. لكنهم اليوم يؤكدون أن الأنفاق هذه قد دُمرت بشكل كامل خلال عمليات إعادة الإعمار التي تلت حرب المخيمات وأن لا آثار لوجودها على الاطلاق.

أصبحنا مثل الطليان

أمّا بالنسبة الى الاشكالات التي تحصل من وقت لآخر بين أبناء المخيم والجوار فهي في غالب الاحيان تحصل نتيجة تحرّشات بين عدد من أبناء الضاحية وأهالي المخيم نتيجة التحالفات السياسية التي ينسجها كل من الفريقين، وكما هو معلوم ان اكثرية سكان مخيم البرج هم من المؤيدين للثورة السورية بعكس مؤيدي حركة <امل> وحزب الله الذين يناصرون بشكل مطلق النظام السوري. وعلى حد قول عدد من أهالي المخيم ان اتهامات كثيرة تطالهم ومعظمها ظالمة بحقهم. فمثلاً، عندما تُسرق اي سيارة أو دراجة نارية من خارج المخيم يتسارع البعض إلى إتهامهم فقط <لاننا شعب مغلوب على أمرنا> وفي اعتقادهم أنهم باتوا كـ<الطليان> وذلك من بوابة <كل الحق على الطليان>، وهم بحسب رأيهم أصبحوا <ملطشة للرايح والجاي>.

 حماس لـ<الأفكار>: لا وجود للأنفاق

من جهته يؤكد المسؤول السياسي لحركة المقاومة الاسلامية <حماس> في بيروت رأفت مرة لـ<الافكار>: ان وضع مخيم برج البراجنة اليوم هادئ جداً فالناس تعيش حياتها بشكل طبيعي والاوضاع السياسية هادئة هي الاخرى خصوصاً وان العلاقة بين أبناء المخيم ومع الجوار لا يشوبها شيء. لكن البعض خلال الاسبوع الماضي اختلق  مجموعة من الافكار حول مخيم البرج وعدد من المخيمات الاخرى ومن ضمنها ما حكى عن وجود أنفاق تصل الى أماكن حساسة في الضاحية الجنوبية او اطرافها تبيّن انها مجرّد اكاذيب وأضاليل لا تخدم سوى أعداء القضية الفلسطينية والشعبين اللبناني والفلسطيني. ونحن بدورنا كحركة اسلامية مقاومة ننفي نفياً قاطعاً وجود مثل هذه الأنفاق ونحن في هذا الصدد قمنا بإجراء مجموعة اتصالات مع جميع القوى الأمنية والحزبية لكننا لم نتلقَ أي إشعار او طلب من أي جهة يُفيد بصحة هذا الكلام.

ويتابع مرّة: هذا التجني الواضح يأتي ضمن سياسة التحريض على الفلسطينيين لإرباك الساحة الفلسطينية ولإرباك العلاقة بين الفلسطينيين واللبنانيين وتحديداً العلاقة السنية ـــ الشيعية في ظل المناخ الحاصل في المنطقة. ونحن نواجه هذا المخطط بالوعي وبمعالجة الاشكالات التي يمكن ان تحصل خصوصاً وان التواصل بيننا وبين القوى الأمنية والحزبية قائم لمصلحة الشعبين وتثبيت الأمن والاستقرار. ويؤكد بمتابعة <حماس> للتطورات

3

 الحاصلة في المنطقة لأن أولويتنا المقاومة والعودة الى فلسطين ولذلك لا مصلحة لنا ولا لأي فريق آخر بالدخول في اي اشكال مع اي طرف>.

فتح لـ<الافكار>: وضع المخيم

تحت السيطرة الأمنية

كما في <حماس> كذلك في <فتح> اذ يؤكد مسؤول <منظمة التحرير الفلسطينية> في مخيمات بيروت سمير ابو عفش ان كل ما يشاع هو مجرد استهداف اعلامي للمخيمات والاحداث الأمنية السابقة تدل على ذلك، فعندما قصفت الضاحية بصاروخين قيل انها قصفت من المخيمات، وعندما حصل التفجير الاول في الرويس قيل ان السيارة اتت من المخيمات، كذلك الأمر في تفجيري السفارة الايرانية، وكل ذلك تبيّن انه غير صحيح وأن لا علاقة للمخيمات بهذا الموضوع. نافياً في الوقت عينه وجود البيئة السلفية الجهادية داخل المخيم، فبالرغم من وجود بعض السلفيين الذين يرخون لحاهم إلا ان السلفية الجهادية لا وجود لها مطلقاً في المخيّم.

وإذ يُشير الى ان هناك تعاوناً كبيراً بين الدولة اللبنانيــــة ممثلة بالقــــوى الأمنية ومخابرات الجيش وبين اللجان الشـــعبية والفصائل الفلسطينية التي تقوم بتسليم اي شخص تطلبه الدولة، شدد على وجود احصاءات دقيقــــة <نملكها عن من يسكن المخيـــّم ان كان من الفلسطينيين او من اللاجئين السوريين، وهذا يساعدنا طبعاً على ضبط الوضع والسيطرة على المخيّم أمنياً>.

المشنوق: التهديد لم يتوقف بل انحسر

4

 

بدوره لفت وزير الداخلية نهاد المشنوق الى ان الأمن لا يزال ممسوكاً بدليل الارباك الذي يطاول عمل الارهابيين. وان التهديد الأمني لم يتوقف يوماً بل انحسر نسبياً، ولا يمكن ان يستقر الوضع الأمني طالما لا يزال الانغماس اللبناني في النيران السورية ان كان مع النظام او ضده.

 وسط كل هذه المعمعة الأمنية والسياسية التي دخلت فيها البلاد الاسبوع ما قبل الفائت والتي ما تزال ذيولها قائمة حتى الساعة لم يصدر عن حزب الله أي بيان يوضح فيه ملابسات هذا المخطط وأهدافه لكنه سارع إلى نشر عناصره المسلحة في محيط المستشفيات الثلاثة <الرسول الاعظم>، <بهمن> و<الساحل> وسط إجراءات استثنائية غير مسبوقة بدأت بقطع الطريق القديمة لمطار بيروت الدولي ونشر حواجز أمنية قامت بتفتيش السيارات في المناطق القريبة من النقاط المحددة وبحسب معلومات أمنية حصلت <الافكار> عليها ان الحزب قرر تشديد إجراءاته الأمنية هذه بسبب ورود معلومات عن احتمال تعرّض المنطقة لعمل إرهابي. وان المجموعات التي نفذت اعتداءي البقاع والضاحية تلقت أكثر من ضربة موجعة، بسبب عمليات التوقيف التي قامت بها الأجهزة الأمنية، وخاصة لناحية القبض على الرؤوس المُخططة لعمليات التفجير.

.. وللضاحية الجنوبية رأيها

كل الاحتمالات تبقى مفتوحة لدى سكان الضاحية الجنوبية فهؤلاء بغالبيتهم مؤيدون لـحزب الله وللدور الذي يقوم به في سوريا هذا من دون اغفال البعض المعترض على سياسة تدخل الحزب العسكرية. الناس ضمن هذه البقعة الجغرافية تنقسم الى فئتين، فئة وهي المؤيدة تطالب على الدوام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بحسم الامور في سوريا والتخلّص من الارهابيين الذين باتوا يقضون مضاجعهم في عقر دارهم (الضاحية الجنوبية) وخير دليل بالنسبة اليهم التفجير الثاني الذي وقع عند مدخل منطقتهم منتصف ليل الاثنين الماضي. والفئة نفسها مستعدة لتقديم الغالي والنفيس من أجل ان ينتصر حزبهم لتعود بعدها خيرة شبابها الى عائلاتهم ومنازلهم ولحماية الحدود التي تفصل بين لبنان وفلسطين المحتلة.

أمّا الفئة الثانية فهي أكثر من غيرها اعتراضاً على كل ما يقوم به حزب الله سواء في سوريا او في لبنان. وهناك مثل متعارف عليه داخل اوساط الاهالي هنا يقول: <خذوا اسرار حزب الله من الضاحية>، وتبعاً لهذه المقولة تخرج من هذه المناطق المعلومات الاكثر اثارة للجدل قد يُصيب بعضها مثلما يُخطئ بعضها الآخر. ومن جملة التحاليل التي تداول بها بعض هؤلاء السكان خلال الايام العشرة الاخيرة ان الاجراءات الأمنية المفاجئة التي حصلت والتي ادت الى اغلاق طرق الضاحية وتحديداً حول مستشفيّ <الرسول الاعظم> و<بهمن>، كان سببه وصول عدد كبير من مقاتلي الحزب أصيبوا خلال المعارك المتجددة في القلمون وان حال بعضهم خطرة. لكن أوساط حزب الله نفسها كانت تحدثت ضمن حلقاتها الضيقة عن <فان> للركّاب معد للتفجير، يقوده انتحاري كان يسعى لتفجيره داخل مستشفى <الرسول الاعظم> وان هناك عدداً من الاشخاص قد اُعتقلوا فعلاً من بينهم سوريون وفلسطينيون.

5

المشهد اللبناني بدا خلال الفترة القليلة الماضية أكثر وضوحاً. البلد في مهب الرياح الخارجية وفي عين العاصفة لدرجة اصبح فيها وكأنه ليس ساحة فعل، انما ساحة صدى لكل ما يحصل في المنطقة بدءاً من الذي يجري في سوريا وليس انتهاءً بالعراق، وما الاستنفارات الأمنية التي حصلت في شارع الحمرا وما لحقها من تفجيري البقاع والضاحية التي استعادت جزءاً كبيراً من أمنها الذاتي سوى مؤشر بسيط يدل على عمق الازمة التي يمر بها لبنان في ظل الفراغ الرئاسي الحاصل والذي يبدو انه مكمل في طريقه ما لم يقتنع البعض ان مصلحة الشعب والبلد يجب ان تتقدم على مصالحهم وطموحاتهم وان ما يُصيب أبناء البقاع هو نفسه يُصيب أهالي الشمال والجنوب والعاصمة وان الدماء الموعودة بالسقوط هي دماء أبناء هذا الوطن مهما حاول هذا البعض التقليل من خطورة ما يجري من خلال تحميل المسؤوليات لهذه الجهة او تلك الدولة.

وحده القرار السياسي يحمي البلد

 

هي اذاً خطوة أمنية مهمة تُسجل للقوى الأمنية اللبنانية التي تعمل على انقاذ لبنان من مخططات ارهابية يمكن ان تمتد تداعياتها الى عدد من المناطق. وبحسب أوساط أمنية ان لفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي الشغل الاكبر في الكشف عن عدد كبير من المخططات كانت في طور التنفيذ منها ما كان سيطال شخصيّات سياسية بارزة ومنها ما كان مُعداً ليطاول نقاطاً أمنية ومنشآت حساسّة، ولتخلص الاوساط نفسها الى القول ان <الجهات الأمنية التي حمت جزءاً صغيراً من بلد يُصارع من خلال الموجود للبقاء خارج دائرة التأثيرات الاقليمية يمكنها ان تحمي كل لبنان في ما لو كان هناك قرار سياسي موحد>.