21 November,2018

مليون ونصف مليون لبناني نزلوا الى ساحة الشهداء يحلمون ببناء وطن سيد حر مستقل.. فماذا بقي من الحلم؟

بقلم صبحي منذر ياغي

11

     عندما دوى الانفجار الكبير في الرابع عشر من شباط/ فبراير 2005، لم يكن احد يدري ان هذا الانفجار سيكون الزلزال الذي سيغير خارطة المنطقة وسيكون مدخلاً لثورات وتغييرات ورسم مشهد جيو – سياسي جديد.. انه الانفجار الذي استهدف الرئيس الشهيد رفيق الحريري… فانطلق لبنان بمسيرة واحدة وكانت ثورة الأرز المليونية في 14 آذار/ مارس 2005 في ساحة الشهداء.. ضمت جميع اللبنانيين بكل طوائفهم وانتماءاتهم ومناطقهم مرددين سوياً قسم جبران تويني.. دفاعاً عن لبنان العظيم.

برأي العديد من المتابعين والباحثين في التاريخ اللبناني الحديث ان ثورة الأرز في الرابع عشر من آذار/ مارس 2005 كانت من جهة بمنزلة ردة الفعل الشعبية والوطنية على اغتيال الرئيس الحريري، وعلى الوصاية السورية التي أرهقت كاهل الوطن طوال ثلاثين عاماً، ومن جهة أخرى رداً صارخاً على تظاهرة نظمها حزب الله في ساحة رياض الصلح يوم 8 آذار/ مارس 2005 تحت شعار( شكراً سوريا).

كانت صبيحة 14 آذار/ مارس 2005 تختلف عن مثيلاتها، مليون ونصف مليون من المواطنين اللبنانيين صغاراً وكباراً نساء ورجالاً وشيوخاً نزلوا بأعلامهم اللبنانية الى ساحة الشهداء، يهتفون للحرية، لرفض الوصاية السورية، ولمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد ورفاقه والابرياء. لذا دخلت هذه التظاهرة في السجل الذهبي للتاريخ اللبناني وباتت عبرة للشعوب العربية التي عادت بعد سنوات لتنتفض على أنظمتها وعلى الظلم والقهر.

وكانت القوى والشخصيات المنخرطة في تحالف 14 آذار قد بدأت ورش عملها مؤخراً في مجمّع <البيال> تحت عنوان <توحيد القراءة السياسية> لأوضاع لبنان والمنطقة والعالم، حيث يُفترض من خلال المناقشات الدائرة تحديد الخطوات المقبلة. والمتوقع أن يخلص المشاركون إلى عقد مؤتمر موسع في فندق <البريستول>، تُعلن خلاله وثيقة سياسية ترسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة.

ويبقى السؤال: هل شعلة ثورة الأرز ما زالت قائمة، وهل حققت أهدافها، ونحن على أبواب الذكرى العاشرة؟

22خيبات أمل

 

الزميل ايلي الحاج (عضو الامانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار) اعتبر ان ثورة الأرز على أبواب ذكراها العاشرة تقف الحركة المنبثقة من إرادة الناس بالحرية مثقلة بالمطلوب منها، وأيضاً بخيبات متلاحقة مُني بها جمهورها الواسع. خيبات قد لا تكون مسؤولة عن بعضها، لكنها غطت على أحلام غالبية من شعب لبنان عبرت عن رفضها لاستمرار الأمر الواقع آنذاك بالحناجر ورفع الأعلام، بالوقفة الواحدة في ساحات ذلك اليوم النادر من تاريخ هذه البلاد المشحون بالصراعات الطائفية والمذهبية. أحلام طليعتها أن يكونوا مواطنين آمنين محترمين في دولة حرة ذات سيادة، دولة كسائر دول العالم.

إلا ان الزميل الحاج يعود ويضيء على الجانب الزهري لهذه الثورة، فيقول في مجال آخر: <انتصر اللبنانيون بتحقيق جزء أساسي من مطالبهم بخروج الجيش السوري وإنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. وانتصرت قوى 14 آذار في انتخابات 2005 النيابية وانتخابات 2009 وعدد كبير من الانتخابات النقابية، لكن الانقلاب المضاد الذي نفذه محور قوى 8 آذار الإقليمي والمحلي أجهض الأحلام الكبيرة وبدّدها، شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة>.

هيمنة محور حزب الله

 

واعتبر الحاج ان اغتيال خيرة القادة كان له فعله المؤثر، بل <كاسر الظهر> في بعض المواقع. ساعدت بالطبع في تقدم هيمنة محور حزب الله على سياسة الدولة اللبنانية وإحباط لبنانيي 14 آذار أخطاء في إدارة الانتصار الذي حققه الفريق المنادي بالحرية والسيادة والاستقلال، بدءاً بالتحالف الانتخابي الرباعي في العام 2005 على حساب فئة واسعة من المناضلين اللبنانيين الشيعة غير القابلين بعقيدة الحزب المسلح وارتباطاته بإيران. كما على حساب فئة واسعة من المسيحيين انقض عليهم الجنرال ميشال عون انتخابياً وإعلامياً ليلتحق بحزب الله ناقلاً معه جمهوره من ميل إلى ميل. ثم توالت الانسحابات والانكفاءات الكبيرة والصغيرة، وكل لأسبابه، أهمها انسحاب النائب وليد جنبلاط ومعه الحزب التقدمي الاشتراكي.

وأضاف: تساقطت على الطريق أوهام كثيرة. لعلّ أولها وأشدها خطورة وهم إمكان <لبننة حزب الله> في العام 2005 وبعده. مع انهيار نظام الأسد وانشغاله عن لبنان إلى حدٍ بعيد بحروب الداخل السوري، حلت إيران وحزبها محلّه في السيطرة والتحكم في قرار الدولة ومفاصلها الرئيسية. تملك إيران اليوم حق <الفيتو> على إدارة القرار لكن القرارات الرئيسية مثل انتخاب رئيس للجمهورية أو السماح بتشكيل حكومة لبنانية أو إعلان الحرب والسلم، فأمور تعود إليها.

وتابع يقول: رافقت إحباطات 14 آذار انقطاعات عن ناسها، لا تذكرهم القيادات وتحاكيهم إلا قبل انتخابات نيابية أو في مناسبات محددة. لا تفاعل، لا مشاركة، لا أخذ ورد. وبمضي الوقت صار البت بالمسائل الرئيسية محصوراً في دوائر ضيقة، وحتى هذه لا تنسق دوماً وتتفاهم في ما بينها على سبل مواجهة التحديات والمحطات السياسية.

حفظ الروح.. والفكرة

وأمام هذه الإشكاليات، رأى الحاج انه صار ملحاً أكثر من أي وقت في الذكرى العاشرة حفظ الروح، أو الفكرة. روح تراكمت تجسداتها من مطالع التسعينات، حين تجسدت بمقاطعة المسيحيين لانتخابات 1992 وجاراهم المسلمون، وفي آلاف وآلاف بعد ذلك من المواقف والمقالات والمحطات النضالية لمثقفين وطلاب وسياسيين مهّدوا الطريق صعوداً إلى 14 آذار 2005. وكان دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه لا يزال حاراً. وكان أيضاً تحدي يوم 8 آذار/ مارس الاستعلائي والاستكباري لحزب الله الذي استوجب رداً من اللبنانيين أكبر منه بكثير.

66الجلاء العسكري

اما الكاتبة كارلا خطار فهي بدت أكثر تفاؤلاً ببقاء هذه الثورة مؤكدة ان عقبات كثيرة اعترضت مسيرة الشعب يوم انطلقت الثورة وكان الشباب في المقدّمة، تقدّموا السياســـــيين ورؤســــــــــاء الأحـــــــزاب، تقدّموا وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري، ورفضاً لوجود كل جندي سوري على الأراضي اللبنانية.. بعدها تمّ الجلاء العسكري، إلا ان الجلاء السياسي عاد ليدخل من الباب الواسع مع اجتياح بيروت وسيطرة <القمصان السود>.

يحمل شباب قوى 14 آذار، من مختــــــلف الإنتمــــــاءات والأحـــــــزاب والطوائف، في قلوبهم ذكريات مليون ونصف مليون لبناني، يحفظون ذكرى أهم حركة جماهيرية في تاريخ لبنان. كل هؤلاء الشباب نددوا بالنظام السوري، كسروا حواجز الخوف وقيود الوصاية، افترشوا الطرق والأرصفة والتحفوا علم لبنان. أحداث سياسية ربما أبعــدت القيـــــادات السياســــــية عــــــن الجماهير، لكن الاخيرة لا تنكر حنيناً الى اليوم المليوني، على أساس أنها شاركت في القيادة الى جانب المنظمات الشبابية التي تشكل هي المدماك الأول في ثورة الحرية والربيع العربي.

ثورة تم تسليمها للسياسيين

 

ورأت خطار ان هذه الثورة تمّ تسليمها الى السياسيين، لكن شرارتها لا تزال محصورة بشبابها. وإن كانوا هم وحدهم مؤتمنين على هذه الثورة وعلى مصير وطن، إلا انهم بدورهم يحمّلون المسؤولية الرسمية للطبقة السياسية التي ربّما أخطأت في تقديرات المواجهة.. وعلى الرغم من كل الاختلافات في الآراء والتمايز الحزبي ضمن قوى 14 آذار، إلا أن تلك القوى لا تزال وحدة واحدة موحّدة تجتمع كلّها حول رفض تدخل النظام السوري في لبنان وتصرّ على نزع السلاح غير الشرعي. بعد ثماني سنوات، الحلم ما زال حلماً، أما تحقيقه فمرتبط بالأوضاع الإقليمية..

 

حلم بناء الدولة

ولكن أين أصبح حلم بناء الدولة؟ يجيب الزميل عمر حرقوص: <الشعب اللبناني هو من قام بالتحرك في 14 آذار/ مارس، نزل الى الشارع وأشعل الثورة وانتصر على امل أن تتحمّل القيادة السياسية المسؤولية لإدارة المشروع>. ويشرح: <في كل مرة كان يتحرك حزب الله مع حلفائه في قوى 8 آذار لمواجهة مشروع بناء الدولة من خلال حكومة الوحدة الوطنية، كان الشعب يعتبر أن قيادته تحاول القيام بما هو أفضل للبلد، لذا كان يسامحها على ما قامت به ويمشي معها من جديد>.

ويصف حرقوص المشهد في العام 2005 قائلاً: <ان الثورة قامت بعد الإنتخابات وفي العام 2009 وكانت الإنتخابات بعد تجربة 7 أيار/ مايو وحكومة الدوحة، كذلك دعم الشعب قوى 14 آذار>، ويتابع: <كان خطاب قوى 14 آذار يتمركز حول العبور الى الدولة، والأخير لا يعني الإنقسامات الفدرالية والكونفدرالية التي ينتهي إليها مشروع القانون الأرثوذكسي، فيما أن العبور الى الدولة هو التقدم خطوات نحو الدولة المدنية وليس التراجع الى الوراء>.

ويلفت حرقوص الى أن ما نلحظه اليوم في قوى 14 آذار على المستوى السياسي هو تراجع، واصفاً هذا التراجع بما يقال على الطريقة المصرية <الجمهور عاوز كده>، إنما فعلياً ليس 33هذا مطلب الجمهور، مشدداً على انه في كل مرة نواجه مشكلة نعود بعدها الى دعم القيادة السياسية لقوى 14 آذار. لقد قدّمنا كل ما بإمكاننا وقد واجهنا النظام السوري في أقسى الأوقات وأصعبها، قبل الإنتفاضة وبعدها.

وينتقل حرقوص الى الجزء الآخر من قوى 14 آذار، أي الأمانة العامة، قائلاً: <الأمانة العامة يبقى خطابها عند الدولة المدنية، لأن هذه القيادة خائفة من خسارة أحزاب قد تخرج من قوى 14 آذار>. ويختم :<أما بالنسبة إليّ، فإن جمهور قوى 14 آذار أهمّ من الإدارة السياسية التي نختبرها يومياً>.

من ذكريات الماضي الجميل

اما الزميل هيثم النقوزي، فقد اعتبر انه أصبح من المؤكد أن حركة 14 آذار تنظيمياً أصبحت من ذكريات الماضي الجميل زمن المناداة بالحرية والسيادة والاستقلال وذلك لعدة أسباب وأهمها: أفرغها قياداتها أو مِمن يسمون أنفسهم قيادات من روحية الحرية والسيادة والاستقلال، ويا ليتهم لم يستغلوا المبادرة العفوية للتجمع الشعبي والوطني في 14 آذار بحركة تنظيمية فاشلة ولمصالح شخصية وأنانية ضيقة، فالمواطن اللبناني عندما لبى نداء الحرية في هذا اليوم العظيم لم يكن يعلم أن البعض فيما بعد سوف يستغِلهُم للترشح باسمهم على نيابة او بلدية او مخترة ومراكز كثيرة لا تقدم ولا تؤخر بالنسبة للمواطن المقهور ولم يتوقع ان يصل الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي في لبنان إلى هذا المستوى، وباسم آذار وهو من أجمل الأشهر في السنة، وعندما نزلنا إلى ساحة الحرية كنا نحلم ببناء وطن سيد حر مستقل، فرهنوا مِثل ما رهن غيرهم قرارهم لما وراء الحدود (حسب قولهم) وأصبحوا سواسية معهم وليس أفضل منهم. وفي يوم 14 آذار/ مارس التقينا معاً من كل الطوائف والمذاهب تحت راية العلم اللبناني وبحماية جيشنا الوطني اللبناني، فإذا بهم يفرقوا الطوائف والمذاهب ولم يوحدوها، فأين الوطنية بذلك عِلماً أن المواطن قرر في 14 آذار/ مارس الالتقاء والمصالحة مع كل الطوائف غصباً عن الذين قرروا ان يمنعونا من ذلك.

مهما كانت الإشكاليات ومهما كانت المواقف، تبقى ذكرى الرابع عشر من آذار ذكرى وطنية حقيقية وقف فيها شعب لبنان وقفة الرجل الواحد لتحرير الوطن من الارتهان والوصاية ووفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كانت دماؤه شعلة الاستقلال الثاني ومنارة للحرية.