16 November,2018

ملف النازحين السوريين حلّ ضيفاً على طاولة الحوار... ولا حلول

 

مزايدة“ في توصيف الواقع… و”عجز“ في المعالجة وتجاهل لـ”خطر التوطين“ مع تراجع الاهتمام الأممي!

1

    إذا كانت الجلسة <البتراء> لطاولة الحوار التي انعقدت في قصر بعبدا في غياب خمس قيادات حوارية أبرزها حزب الله، حققت الغاية المستترة منها وهي تظهير صورة تجمع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مترئساً طاولة الحوار قبل أسابيع قليلة من انتهاء ولايته الدستورية، إلا ان هذه الطاولة <استضافت> موضوعاً جديداً الى المواضيع السابقة التي لم تُحسم ولم تُنفذ القرارات المتخذة في شأنها، هو موضوع النازحين السوريين الى الأراضي اللبنانية والذين أعطي أحدهم الرقم مليون في قيود مفوضية الأمم المتحدة للاجئين التي تتولى احصاء النازحين وتقدم لهم المساعدات باسم المنظمة الدولية. وهكذا كان النازح السوري يحيى شرقية صاحب الرقم مليون، أحد الجالسين ــ ولو صورياً ــ على طاولة الحوار التي وضعت جانباً <الاستراتيجية الوطنية الدفاعية>، لتبحث في <الملف الساخن> الذي فرض نفسه على الأجندة السياسية اللبنانية كلما التقى اثنان أو أكثر.

مزايدة على طاولة الحوار…

   ولعل ما زاد اجتماع هيئة الحوار <تجهماً وتشنجاً> ادراك المجتمعين في قصر بعبدا ان ملف النازحين السوريين مثل سائر الملفات المطروحة على طاولة الحوار سيبقى من دون حلول عملية لأن الكثير من الكلام حوله لا يحل مشكلة تتعاظم يوماً بعد يوم وسط عجز لبناني واقليمي ودولي على مواجهتها بالحلول الناجعة. صحيح ان الرئيس سليمان أدخل ملف النازحين في اطار <المخاطر والتحديات المتزايدة الناتجة عن تفاقم مشكلة اللاجئين السوريين>، إلا ان الصحيح أيضاً ان أقطاب الحوار الذين أثار أحدهم <شرعية هيئة الحوار>، تناوبوا في <المزايدة> في ملف النازحين وكأنهم يأتون من <كوكب آخر> على حد ما أسرّ النائب وليد جنبلاط الى أحد المشاركين وهو يستمع الى <المعلقات> التي قيلت عن النازحين و<الأخطار الوجودية>، اضافة الى <التحذيرات> التي صدرت من بعض <الحواريين> من اقدام أي فئة على استغلال الأوضاع الانسانية والاجتماعية للنازحين من أجل إثارة <قلاقل> في الساحة اللبنانية من خلال انتشار السلاح في صفوفهم. وكالعادة وُجد من يحمّل من الأقطاب حزب الله مسؤولية تزايد عدد النازحين السوريين، في وقت حذّر آخرون من أن اللبنانيين سيصبحون أقلية في ضوء استمرار تزايد النزوح، واقترح آخرون اقامة مخيمات للنازحين السوريين. ولما لم يصل <المتحاورون> الى اقتراح حلول عملية لمواجهة موجة النزوح السوري، اكتفوا بالقول إن هذا الملف سيبقى موضع متابعة، وضربوا موعداً جديداً للقاء في بعبدا في 5 أيار (مايو) المقبل، قبل 20 يوماً من مغادرة الرئيس سليمان القصر عائداً الى دارته في عمشيت بعدما يكون سلم الأمانة الرئاسية، إما الى رئيس جديد قال إنه سيتشاور معه في موضوع طاولة الحوار، أو الى… الفراغ الذي تحل فيه حكومة الرئيس سلام مجتمعة لتمارس صلاحيات رئيس الجمهورية ريثما يُنتخب الرئيس العتيد!

… وتزايد خطر التوطين!

   إلا ان مصادر متابعة توقفت عند عدم إيلاء طاولة الحوار ملف النازحين السوريين الاهتمام الذي يستحق والاكتفاء بـ<التنظير> حوله، لاسيما بعدما باتت المخاوف من <توطين> النازحين السوريين في لبنان مشروعة، في ضوء ما يتردد حول مسار الحرب السورية ودخولها في نفق المواجهات العسكرية وعدم القدرة على التوصل الى حلول عملية لها على رغم الكلام الذي يتردد عن احتمال انعقاد <جنيف ــ 3> خلال شهر أيار (مايو) المقبل. وإذا كان السفير البريطاني في لبنان <طوم فليتشر> أول من دق ناقوس خطر توطين السوريين من السفراء المعتمدين في لبنان، فإن المقاربة الرسمية لهذا <الخطر الجديد> بدت دون المستوى المطلوب واقتصار الأمر على التوصيف حيناً، والتحذير أحياناً، والتذكير بضرورة تقديم المجتمع الدولي مساعدات عاجلة للبنان، كما فعل وزير الشؤون الاجتماعية النقيب رشيد درباس وهو المعني المباشر بهذا الملف، و<زايدت> عليه وزيرة المهجرين القاضية اليس شبطيني عندما شهدا معاً <احتفالية> تسجيل النازح السوري المليون في قيود الأمم المتحدة وكأن هذا الحدث المؤلم يحتاج فعلاً الى احتفالية رافقتها <حفاوة> غير مألوفة بالنازح المليون الذي ترك حمص قبل شهر وتوجه الى يبرود ومنها الى طرابلس!

الأمم المتحدة تحصي… ولبنان يسأل

   والحقيقة المرّة التي تبقى أسيرة المواقف الرسمية الكلامية، هي أن تجاوز عدد اللاجئين السوريين في لبنان عتبة المليون

3

نازح، جعل لبنان يستضيف النسبة العليا من النازحين السوريين مقارنة بعدد السكان بعد مرور ثلاث سنوات على الحرب السورية. ويقول مسؤول دولي ان بين كل ألف لبناني هناك 220 سورياً أي ما يوازي ربع سكان البلد المضيف الذي بات <يستضيف> أكبر تجمع للاجئين في تاريخه. ويضيف المسؤول الدولي ان مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تسجل يومياً 2500 لاجئ سوري أي أكثر من شخص في الدقيقة الواحدة!

   هذا الواقع، حوّل اللقاء بين وزير الخارجية جبران باسيل ووكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الانسانية ومنسقة عمليات الاغاثة <فاليري آموس>، الى <مصارحة في العمق لم تخلَ من بعض الحدة> على حد ما كشفت مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار>، لاسيما وأن باسيل <عاتب> المسؤولة الدولية على عدم ايلاء الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ملف النازحين السوريين الأهمية الذي يستحق والاكتفاء بـ<احصاء> النازحين واصدار التقارير والأرقام وتوزعهم على المناطق اللبنانية. وأسف باسيل لكون الأمم المتحدة تدعو السلطات اللبنانية الى اجراء الاتصالات اللازمة بالدول والمنظمات المالية الدولية والعربية لمساعدة لبنان وفق ما تقرر في قمتي الكويت للاجئين السوريين، في حين أن مهمة الاتصال والمتابعة يجب أن تكون من مسؤولية الأمم المتحدة التي عليها أن <تلاحق> الدول لتنفيذ وعودها لاسيما وأن لبنان لم يحصل سوى على نسبة 30 بالمئة من المبالغ التي رُصدت له من أصل مبلغ مليارين و400 مليون دولار تعهدت الدول المانحة بتقديمه كما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون> في ختام قمة الكويت الثانية، علماً أن المنظمة الدولية كات تسعى للحصول على 6 مليارات و500 مليون دولار. وفيما سعت المسؤولة الدولية <آموس> الى شرح وجهة نظر الأمم المتحدة وما فعلته في هذا الملف الحساس، مستعينة بالممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان <ديريك بلامبلي> الذي حضر اللقاء، أكثر الوزير باسيل من طرح الأسئلة حول ما فعلته الأمم المتحدة لمعالجة قضية اللاجئين السوريين ولاسيما الأسباب التي تجعل نيويورك تنكفئ عن الاتصال بالدول المانحة لحثها على الوفاء بالتزاماتها، مكرراً ما سبق أن أعلن عن عدم قدرة الدولة اللبنانية على تحمل المزيد من النازحين، مع اقراره بالعجز عن ترجمة هذا <اللاتحمل> الى اجراءات عملية لاعتبارات مختلفة!

آخر احصاء للأمم المتحدة: مليون و1543 نازحاً!

170 ألف لبناني باتوا في مستوى الفقر وكلفة

كل أسرة سورية نازحة 7500 دولار سنوياً!

    أشارت تقديرات أعدها البنك الدولي الذي يرئسه <جيم يونغ كيم> الى أن الأزمة السورية كلفت لبنان نحو ملياري دولار أميركي نتيجة تراجع الحركة السياحية والتجارية والاستثمارية، اضافة الى زيادة النفقات لرعاية النازحين التي تكبدتها الخزينة اللبنانية. كذلك سجل تقرير البنك الدولي تراجعاً في مجالات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والصرف الصحي. واعتبر التقرير أن 170 ألف لبناني ُدفعوا الى مستوى الفقر، مع تراجع قدرة العائلات اللبنانية على تغطية نفقاتها. ويشكل الأطفال نصف عدد اللاجئين السوريين ولا تتسع المدارس الرسمية اللبنانية لاستيعابهم، علماً أن نحو 100 ألف تلميذ تم استيعابهم وتوزعوا في مختلف المناطق اللبنانية.

   واستناداً الى المفوض العام للاجئين <أنطونيو غوتيرسيس>، فإن 80 ألف لاجئ سوري في حاجة ماسة الى المساعدات الصحية، وأكثر من 650 ألفاً يحتاجون الى مساعدات غذائية شهرية للبقاء. علماً أن ما وصل من مساعدات للنازحين لا يتجاوز الـ242 مليون دولار من أصل مليار و890 مليوناً هي الحاجة المقدرة للعام 2014.

   وأظهرت أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الآتي:

    ــ 19 بالمئة من النازحين هم أطفال حتى الرابعة من العمر.

    ــ 20,9 بالمئة من النازحين هم أطفال تراوح أعمارهم بين 5 سنوات و11 سنة.

   ــ 12,4 بالمئة من النازحين تراوح أعمارهم بين 11 و17 سنة.

   ــ 44,7 بالمئة من النازحين أعمارهم بين 18 و59 سنة.

2

   ــ 2,8 بالمئة من النازحين من كبار السن.

   وتشير الأرقام الى ان الفئة العمرية القادرة على العمل هي الفئة الأكبر بين النازحين الذين يمثلون 38,5 بالمئة من القوى العاملة اللبنانية التي يقدر عددها بنحو 1,1 مليون عامل، أي ما يوازي 424 ألف نسمة ما أحدث ضغطاً كبيراً على سوق العمل في لبنان.

   ويشير تقرير أعدته الأمم المتحدة ان انفاق مفوضية اللاجئين شابه بعض الهدر ما دفع بالمسؤولين الدوليين الى اعتماد ضوابط لاسيما وأن كلفة كل أسرة سورية نزحت الى لبنان تقدر بـ7500 دولار سنوياً، ما يعني أن كلفة الفرد الواحد سنوياً تصل الى 1700 دولار.

   وفي معلومات أوردتها منظمة العمل الدولية ان نسبة البطالة في صفوف النازحات السوريات تبلغ 68 بالمئة في مقابل نسبة 30 بالمئة في صفوف النازحين الرجال. وبين العاملين من النازحين هناك ما نسبته 88 بالمئة ممن يعملون في مهن متدنية أو متوسطة المهارة، ويصل متوسط الدخل الشهري للاجئ السوري العامل الى 277 دولاراً أميركياً (الحد الأدنى للأجر في لبنان 448 دولاراً أميركياً). أما متوسط الدخل الشهري للعامل اللاجئ من الذكور فيبلغ 287 دولاراً وللعاملة اللاجئة 165 دولاراً. وتبلغ نسبة السوريين العاملين من دون عقد عمل نظامي 92 بالمئة، و56 بالمئة منهم يعملون في أعمال موسمية أو أسبوعية أو يومية.

   وأشار آخر تقرير لمفوضية الأمم المتحدة ان عدد النازحين الذي سُجل في قيود المفوضية بلغ مليوناً و1543 نازحاً.