26 June,2019

ملف الرئاسة اللبناني قاسم مشترك بين السفير ”هيل“ في لبنان والسفير ”ويستفول“ في الرياض!

دقت ساعة الخيار بين جعجع والجميل!

 

1

في الحركة بركة. وفارس الحركة الآن هو السفير الأميركي في لبنان <دايفيد هيل> مرة في واشنطن ومرة في باريس ومرة في المملكة السعودية، والهدف هو تأمين غطاء إقليمي ودولي للاستحقاق الرئاسي في لبنان يوم 25 أيار (مايو) الجاري، فلا يكون هناك فراغ دستوري. وفي رحلات السفير <هيل> الى السعودية يكمن بيت القصيد.. فالرجل في هذه الرحلات الى الرياض لم يكن فقط للتشاور مع الرئيس سعد الحريري، أو لقاء وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أحد فرسان <اتفاق الطائف>، بل للتشاور، كذلك مع نظيره السفير الأميركي في الرياض <جوزف ويستفول> الذي عينته وزارة الخارجية الأميركية في هذا المنصب حديثاً، بعد نقله الى السلك الديبلوماسي الأميركي من ملاك وزارة الدفاع، ويكاد يكون واحداً من الرجال الذين يستطلع البيت الأبيض رأيهم في بعض قضايا الشرق الأوسط.

والثنائي <هيل> و<ويستفول> هو المكلف الآن بالملف اللبناني على مستوى وزارة الخارجية الأميركية، وشاغل هذا الثنائي في هذه الأيام هو عدم حصول شغور في موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية، وضرورة وقوع الاختيار على رئيس قوي في أوساطه المسيحية ولا يستفز المكونات الطائفية اللبنانية الأخرى، ويحفظ الاستقرار والتوازن، وبمثل هذه المواصفات لا حظ في الوقت الحالي لمرشح قوى 14 آذار الدكتور سمير جعجع، بعدما انقسم اللبنانيون حول ترشيحه للرئاسة بدءاً من طرابلس.

وهكذا، فاسم الرئيس صناعة لبنانية، لكن انتخابه صناعة اقليمية ودولية.

ومن هذه الفجوة أطل الرئيس أمين الجميل رئيس حزب الكتائب وعرض نفسه بديلاً للدكتور سمير جعجع على لائحة الترشيح الخاصة بقوى 14 آذار. وقد قضى نهار الثلاثاء الماضي متنقلاً بين معراب مقر الدكتور جعجع، وبنشعي مقر زعيم <المردة> سليمان فرنجية لتسويق اسمه كمرشح قوي ومقبول ولا يستفز اسمه أحداً. وهذا ما عمل عليه وزير العمل نائب رئيس حزب الكتائب سجعان قزي من البداية، وعزز وجود الرئيس الجميل كمرشح.

وحسابات الرئيس الجميل ورفاقه في حزب الكتائب تقول إن موافقة قوى 14 آذار عليه، وانسحاب الدكتور جعجع لمصلحته، سوف يكفلان له ستين صوتاً من أصوات النواب على الأقل، ويبقى عليه وعلى أعوانه تأمين الخمسة أصوات المتبقية للفوز في الجولة الثانية، أي نصف عدد نواب البرلمان زائداً واحداً. وهذه الأصوات الخمسة تحتاج الى مداخلات اقليمية ودولية، حتى يوضع الإكليل الرئاسي على هامة الرئيس الجميل. وفي حال عدم اكتمال زهور هذا الإكليل لا بد من التوجه الى مرشح وفاقي قادر على تأمين الأصوات الخمسة. وفي هذه الحالة تبرز أسماء جان عبيد وروبير غانم والعماد جان قهوجي، والثلاثة مقبولون من البطريرك الماروني بشارة الراعي، بعدما شعر بأن الأقطاب الموارنة الأربعة عون وجعجع والجميل وفرنجية قد خذلوه عندما لم يتفقوا فيما بينهم على مرشح واحد.

زيارة البطريرك للقدس واعتراض الحص

ومع احتدام معركة الرئاسة حتى تضع أوزارها يوم 24 أيار (مايو) الجاري، يحتدم الجدل حول الزيارة الرعوية التي ينوي البطريرك بشارة الراعي القيام بها للقدس من العاصمة الأردنية عمان لمواكبة البابا <فرانسيس> في زيارته للأماكن المقدسة، معلناً أنه لن يصافح أي مسؤول اسرائيلي، ولا يتعاطى مع أي مرجع اسرائيلي في هذه الزيارة، بل سيتصرف على أساس أنه يزور أرضاً عربية محتلة، وأماكن مقدسة تحت الاحتلال الاسرائيلي، ولن يعدم اللحظة التي يطلب فيها ضغطاً دولياً لسحب اسرائيل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني المحتل من بلدة الغجر.

ونفهم الدوافع القومية التي أملت على الرئيس سليم الحص صباح الثلاثاء الماضي أن يتمنى على البطريرك الراعي صرف النظر عن هذه الزيارة حتى <لا توحي بأن رأس الكنيسة في لبنان يضفي شرعية على سلطة الاحتلال مع ما يلازم ذلك من إيحاء بكسر المقاطعة مع العدو الاسرائيلي وتمهيد الطريق نحو التطبيع  الذي يطمح إليه الكيان الصهيوني>. فذلك هو النهج القومي للرئيس الحص. وليس نافراً أن ينقسم اللبنانيون حول هذه الزيارة الرعوية للبطريرك، لأن ذلك تثبيت لدور لبنان في القضايا القومية.

2

وليس من المنطق ظلم هذه الزيارة وتفسيرها بغير ما أراده البطريرك الراعي. فكل همّ الحبر الماروني الكبير من هذه الزيارة التأثير فاتيكانياً ودولياً على الاحتلال الصهيوني لهذه الأراضي المقدسة وضرورة إعادتها الى الحضن الفلسطيني والأردني، مثلما كانت عليه يوم 4 حزيران (يونيو) 1967 تنفيذاً للقرار الدولي 242 الذي صاغه ممثل انكلترا في هيئة الأمم <اللورد كارادون> والحضور في هذا الموضوع الى جانب قداسة البابا أفضل من سياسة التراسل مع الأمم المتحدة.

وأن يقول البطريرك من قلب القدس، ومن موقعه الى جانب قداسة البابا ان القدس محتلة من قبل اسرائيل صرخة ديبلوماسية لها مفعولها وتأثيرها، فكيف إذا أخذته الحمية اللبنانية وطلب انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من بلدة <الغجر>؟ وأظن أن البطريرك لن يوفر موقفاً في هذا الخصوص، ويؤشر على الدور العربي للموارنة في هذه المنطقة.

سجل .. انهم عرب!

وحسب غبطته أن يذكّر بدور الوزير الماروني اللبناني سليمان البستاني في حكومة السلطان عبد الحميد عندما أقنع السلطان بعدم بيع أي أرض في فلسطين لليهود عام 1905، كما كان يطلب <تيودور هرتزل> وحسب غبطته أن يذكّر بأن العروبة كانت بيارق مسيحية، ذهاباً من شهداء 6 أيار مثل <باترو باولي> وعبد الوهاب الإنكليزي، وسعيد فاضل عقل، والأخوين زريق. وحسبه أيضاً أن يعود الى ذكرى الأولين من آل البستاني وعلى رأسهم بطرس البستاني ابن بلدة الدبية والذي أسهم في تعريب التوراة.

وإذا تعمقنا في شعلة القضية الفلسطينية وجدنا على رأس المنادين بها مسيحيين من الجامعة الأميركية في بيروت، مثل الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد ونايف حواتمة، وصولاً الى شهيد القضية الفلسطينية كمال ناصر في الهجوم الاسرائيلي المخابراتي على بيروت يوم 10 نيسان (أبريل) من عام 1973.

وإذا صعدنا في تاريخ الصحافة العربية الى القاهرة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، رأينا أن رواد الصحافة العربية كانوا من المسيحيين أمثال أنطون الجميل وداود بركات قطبي جريدة <الأهرام> التي أسسها اللبنانيان سليم وبشارة تقلا، وبنت زغرتا روز اليوسف التي أنشأت مجلة في القاهرة وأعطتها اسمها <روز اليوسف>، إضافة الى قطبي جريدة <المقطم> يعقوب وفؤاد صروف.

كل هذه الذكريات المضيئة عن التاريخ القومي العربي لمسيحيي الشرق، لا بد أن يحملها البطريرك بشارة الراعي الى القدس المحتلة وكنيسة القيامة، وكنيسة المهد في الناصرة، ويرشق بها وجوه الإسرائيليين ويقول لمن أراد أن يسمع: <سجّل أنا عربي>.

ويترك البطريرك الراعي لبنان الى القدس، والبلد في حمأة البحث عن رئيس. لقد أدى البطريرك قسطه للعلى، وعمل ما يقتضي الواجب عندما جمع الأقطاب الموارنة الثلاثة العماد ميشال عون والرئيس أمين الجميل وسليمان فرنجية في صرح بكركي ومعه موافقة سمير جعجع على القرارات، بحكم تغيبه عن الاجتماع لظروف أمنية، ولكن البطريرك شعر بصدمة من عدم اتفاق الأقطاب الموارنة الأربعة على رئيس من بينهم.

تمديد ولو سنة واحدة!

وهذا ما جعل البطريرك الراعي وهو يلتقي في باريس الرئيس سعد الحريري، كما تقول جريدة <الأخبار>، يعرض عليه لإنقاذ الموقف الرئاسي في لبنان، وعدم

3

 الوقوع في الفراغ، أن يصار للتمديد سنة واحدة للرئيس ميشال سليمان، تكون المنطقة خلالها قد استردت عافيتها، ويكون لبنان أصبح مهيئاً لانتخاب رئيس جديد.

ففي هذه السنة التمديدية التي يقترحها البطريرك الراعي، وتوجب تعديل الدستور ستطفو على السطح أحداث بالجملة أولها انتخاب الرئيس بشار الأسد رئيساً للجمهورية السورية يوم 3 حزيران (يونيو) المقبل، برغم ما يثار حول هذا الانتخاب من انتقادات لاذعة. وثانيها انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً لجمهورية مصر العربية يوم 27 أيار (مايو) الجاري، وعودة نوري المالكي الى رئاسة الحكومة العراقية بائتلاف جديد، وانتخابات أوكرانيا يوم 24 أيار (مايو) الجاري، بالتوافق مع موعد الاستحقاق الرئاسي اللبناني، وانشغال الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> بهذا الحدث، دون أي حدث آخر، لأنه سيوضح ما إذا كان أهالي أوكرانيا مع الانضمام الى روسيا، كما يفعل أهالي <اوديسا> في الشرق الأوكراني أم يرفضون هذا الانضمام.

كلهم لا يسألون عن لبنان في هذه المرحلة، فهمومهم تكفيهم. وشطارة اللاعب اللبناني وخاصة الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط أن يستغلوا هذه السانحة ليخرجوا باسم الرئيس العتيد.

ومع ذلك فلا أظنهم يفعلون!