26 September,2018

ملف الاستراتيجيـة الدفاعيـة مؤجـل الى ما بعد الانتخابات وعـون يطرحـه مـن زاويـة وفاقيـة لا خلافيـة لحمايـة لبـنان!

 

1280x960ما أعلنه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبيل مؤتمر <روما 2> عن أن الاستراتيجية الدفاعية الوطنية ستكون موضع بحث بعد الانتخابات النيابية المقبلة وتشكيل حكومة جديدة، لم يكن موقفاً جديداً ولا هو صدر قبل يومين من مؤتمر <روما 2> لإرضاء المجتمع الدولي وحثه على التجاوب مع المطالب اللبنانية المقترحة لدعم الجيش والقوى الأمنية… ذلك أنه سبق للرئيس عون أن أبلغ موفدين دوليين قبل شهرين بأن موضوع الاستراتيجية الدفاعية لا يمكن طرحه قبل الانتخابات لاعتبارات عدة التقت مع بعضها البعض وجعلته موضوعاً مؤجلاً وليس ملغى من الأجندة الرئاسية.

مصادر مطلعة قالت إن أولى أسباب تحديد رئيس الجمهورية مرحلة ما بعد الانتخابات للمباشرة بدرس الموضوع يعود الى رغبته في عدم جعل مسألة الاستراتيجية تطغى على الاستحقاق الانتخابي النيابي، لأنه لو فعل ذلك لقيل إن الرئيس عون يريد ضمناً صرف النظر عن إجراء الانتخابات بحيث تدور كل المناقشات حول الاستراتيجية ويتم صرف النظر عن الموضوع الانتخابي، وهذا ما لا يريده رئيس الجمهورية الذي يتطلع الى إجراء الانتخابات كأولوية تفادياً لتجديد رابع لولاية مجلس النواب المكون في دورة 2009 الانتخابية، وهو الذي عارض هذا التمديد في المرات السابقة وقبله في المرة الثالثة على مضض حتى تصبح دوائر وزارة الداخلية جاهزة لتطبيق القانون النسبي الذي اعتمد للمرة الأولى منذ قيام الجمهورية اللبنانية، إضافة الى أن قناعة الرئيس عون كانت وستبقى بأن القانون النسبي الذي سيفقد التيار الوطني الحر الذي أسسه ورعاه وترأسه طوال سنوات مقاعد في عدد من الدوائر، سوف يحقق عدالة التمثيل ولو تدريجياً بعدما كان النظام الأكثري قد ألحق غبناً بالكثير من اللبنانيين لجهة عدم احترام إرادتهم وخياراتهم، ذلك أن القانون الأكثري يعني فوز اللائحة بنصف عدد أصوات المقترعين زائداً ما نسبته 10 بالمئة، أي 51 بالمئة من المقترعين على ألا يتمثل 49 بالمئة منهم في الندوة البرلمانية.

 

لا بد من تحضير الأجواء!

ثاني هذه الأسباب، قناعة الرئيس عون بأن موضوعاً مثل موضوع الاستراتيجية الدفاعية يحتاج الى تحضير وتأنٍ في طرحه بعد التمهيد له في الأوساط السياسية والشعبية. ويعود ذلك الى أن هناك في الجانب السياسي من يرى في موضوع الاستراتيجية وكأن فيه مساساً بالمقاومة الاسلامية أو بسلاح حزب الله، ما يعني استطراداً ضرورة توفير توافق وطني حيال هذا الملف قبل طرحه في التداول أو على طاولة الحوار، ومثل هذا التوافق يتطلب أيضاً تهيئة المناخات الضرورية لإخراج الموضوع من التجاذبات الداخلية والخارجية وتهيئة أرضية صالحة للنقاش فيه.

ثالث هذه الأسباب، أن لبنان مرّ خلال الأشهر الماضية في مرحلة دقيقة وحساسة نتيجة الحروب المندلعة في جواره سواء في سوريا أو العراق بحيث لم يكن من الطبيعي فتح ملف بهذه الأهمية فيما دول المنطقة المجاورة للبنان تغلي صدامات وقتالاً، والإرهاب يتمدد فيها ووصل في حينه الى جرود الجبال الشرقية للبنان، لاسيما وان مناقشة الاستراتيجية الدفاعية ستستتبع حكماً البحث في مصير سلاح حزب الله الذي يشكل مادة خلافية في البلاد. وفي رأي المصادر نفسها أن التطرق الى هذا السلاح في الظروف التي كانت سائدة قبل أشهر كان ليعرّض لبنان لخطر انقسام أبنائه ويدفعهم مجدداً الى مواجهات يبدو أن لبنان في غنى عنها.

رابع الأسباب، أن الاستراتيجية الدفاعية تتطلّب إمكانات قتالية وعسكرية غير متوافرة لدى الجيش اللبناني الذي يواجه اسرائيل على طول الحدود، وبالتالي فإن دور الجيش سيكون مستضعفاً في المواجهة مع العدو وترساتنه المسلحة ما لم يتم تسليحه بالعدة والعتاد اللازمين. وبوضوح تام كان الرئيس عون يردد أمام زواره ان الاعتداءات الاسرائيلية لم تتوقف، لا في البر ولا في البحر، وفي حال كهذه، من الصعب لا بل من غير المنطقي افقاد الدولة اللبنانية ورقة المواجهة مع العدو الاسرائيلي في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة.

خامس هذه الأسباب، تكوّن قناعة خلاصتها ان فتح ملف الاستراتيجية الدفاعية يفترض أن تواكبه سلسلة اجراءات ميدانية من غير الأكيد أن لبنان قادر على اتخاذها راهناً وسط الأجواء الضبابية التي تحيط بالحلول المرسومة أو تلك التي سوف ترسم للأزمة في سوريا خصوصاً وفي المنطقة عموماً، مع توارد تصريحات المسؤولين الدوليين عن تعثر المفاوضات الجارية في جنيف أو في الآستانة للوصول الى حل للحرب السورية.

 

جلاء الوضع الاقليمي

كل هذه الأسباب مجتمعة حالت في السابق دون طرح الرئيس عون لموضوع الاستراتيجية الدفاعية وأدت لترك هذا الملف الى ما بعد جلاء الوضع اقليمياً، وتحصين الساحة الداخلية من أي ردود فعل سلبية يمكن أن تحصل إذا استمرت التجاذبات السياسية. لذلك، فإن رئيس الجمهورية، كما تقول المصادر، يأمل في أن تفرز الانتخابات النيابية واقعاً سياسياً جديداً في البلاد يترجم من خلال حكومة تتصدى لهذا الموضوع الدقيق متحصنة بأجواء اقليمية مؤاتية وإرادة داخلية ووطنية جامعة.

وفيما يبدو أن ثمة تفهماً للطرح الرئاسي بجعل الاستراتيجية الدفاعية مادة للنقاش والتحاور بعد 6 أيار/ مايو المقبل موعد الانتخابات، فإن ثمة من استذكر أن ملف الاستراتيجية نوقش على طاولة الحوار في العام 2014 خلال ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان من دون التوصل الى نتيجة عملية، خصوصاً أن النقاش فيه كان قد بدأ قبل 8 سنوات وبقي مجرد طرح لم تتوافر له عوامل النجاح في حينه، علماً ان الرئيس عون، الذي كان آنذاك رئيساً لتكتل التغيير والإصلاح، كان الوحيد الذي قدم رؤية مفصلة للاستراتيجية الدفاعية مع متطلباتها، لكن ذلك لم يكن سبباً كافياً لمناقشة هذا الموضوع. وفي معلومات المصادر نفسها، ان لا تصور معلناً بعد حول الآلية التي ستعتمد لمقاربة هذا الملف مع وجود عدة خيارات منها العودة الى الطاولة الحوارية المستطيلة، أو اعتماد مجلس الوزراء كمكان طبيعي للنقاش في حكومة وحدة وطنية كاملة الأوصاف، أو من خلال لقاءات ثنائية يعقدها رئيس الجمهورية مع الأطراف المعنية بالاستراتيجية.

 

حزب الله يتريّث!

 

وحيث ان المصادر نفسها تتحدث عن ضرورة ترقب موقف حزب الله وقيادة المقاومة من معاودة طرح الاستراتيجية الدفاعية على الطاولة من جديد، فإن الانطباعات الأولية التي تكونت بعد إعلان الرئيس عون عن موقفه، تشير الى أن حزب الله لا يبدو متحمساً فعلاً لإعادة البحث بالاستراتيجية الدفاعية راهناً، لذلك فإنه لم يصدر موقفاً واضحاً وصريحاً من قيادة المقاومة، وإن كان بعض التصاريح التي أدلى بها نواب في كتلة الوفاء للمقاومة أوحت وكأنه من المبكر إثارة هذا الموضوع راهناً، وقد أتى موقف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ليلقي ضوءاً على ما سيكون عليه موقف حزب الله، إذ ان النائب رعد قال في احدى المناسبات الاجتماعية <إن المقاومة التي تمثل ركناً أساسياً في معادلة القوة والدفاع عن هذا الوطن وقدمت الكثير والعتاد والتخطيط والإرادة، والتي يحتضنها شعبنا الوطني المعطاء، لا تحتاج الى نصوص، وهي تبقى حاجة ما دام هناك عدو اسرائيلي وتهديدات ارهابية لوجودنا وهويتنا>.

إلا أن مصادر قريبة من قيادة المقاومة أشارت الى أن الحزب لم يتغيب في الماضي عن تلبية الدعوة لمناقشة هذا الموضوع في عهد الرئيس سليمان، وسيكون بالطبع مرتاحاً أكثر في أثناء البحث فيه تحت مظلة الرئيس عون الذي يعرف القدرات الحقيقية للجيش، علماً أن حزب الله يرحب دائماً بأي دعم عسكري أو لوجستي تحصل عليه المؤسسة العسكرية التي تحتاج الى الكثير من الاعتدة البرية والبحرية والجوية. وتضيف المصادر نفسها ان الحزب ليس في وارد تقديم أجوبته عن الاستراتيجية في المرحلة الراهنة، لأنه مثله مثل الأحزاب اللبنانية الأخرى منهمك في الانتخابات النيابية بانتظار ما سيحمله هذا الاستحقاق من نتائج على صعيد الخريطة البرلمانية المقبلة وتوزع القوى فيها، مع تشديد فريق المقاومة على المساهمة في جمع كل القوى التي تساعد لبنان في جبه أخطار اسرائيل والجماعات الارهابية وتثبيت ثلاثية <الشعب والجيش والمقاومة> لأن جهات عدة في البلد تتعاطى مع المؤتمرات الدولية الداعمة من منطلق العمل على نزع سلاح حزب الله في نهاية المطاف.

 

التجربة الإيرانية؟

واللافت في هذا السياق، ما ذكره خبراء عسكريون لجهة عدم التعويل كثيراً على قدرة القوى السياسية على التوصل الى اتفاق حول مصير سلاح حزب الله، خصوصاً أن ثمة من يرى في صفوف قيادة المقاومة اعتماد التجربة الايرانية في لبنان بحيث يتم تحويل المقاومة الى كيان شبيه بالحرس الثوري الايراني، فيكون هناك الجيش النظامي والحرس الثوري. ويلتقي هؤلاء الخبراء مع عدد من المعنيين على القول بأن طهران تدفع أصلاً في هذا الاتجاه في العراق عبر الضغط على الحكومة العراقية لعدم دمج <الحشد الشعبي> بالقوات المسلحة وتكريس المثل الايراني في العراق. ويستبعد هؤلاء الخبراء إمكانية وصول قادة القوى السياسية والحزبية الى تفاهم حول الاستراتيجية الدفاعية ما دام استمر العدوان الاسرائيلي من جهة وتهديدات التنظيمات الارهابية من جهة أخرى بحيث تبقى للمقاومة حرية التحرك في مواجهة العدو الاسرائيلي والتنظيمات الارهابية في آن، لاسيما وأن الجيش اللبناني وهو جيش نظامي لا يستطيع مواجهة العدو بالإمكانات العسكرية المتوافرة لديه، مع استمرار الحجز على تزويد هذا الجيش بأسلحة نوعية ومن ضمنها شبكة صواريخ ومضادات أرضية وجوية، وهو ما قاله صراحة الرئيس عون لمنسقة الأمم المتحدة في لبنان والممثلة الشخصية للأمين العام <انطونيو غوتيريس> السيدة <كاردل> التي التقاها قبيل سفرها الى روما لحضور اجتماعات مؤتمر <روما 2>.

في أي حال، ترى مصادر معنية ضرورة إيجاد مناخ داخلي مؤاتٍ لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية يؤمل أن يتوافر بعد الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة، ما يعني استطراداً أن كلام الرئيس عون لم يكن <مناورة> القصد منها كسب الوقت وتقديم صورة مشجعة الى المشاركين في المؤتمرات الدولية لدعم لبنان التي بدأت في باريس قبل أيام، وسوف تستمر على تقطع، بل وجود إرادة رئاسية بدرس هذا الملف لسحب فتيله المتفجر داخل المجتمع اللبناني.