24 September,2018

ملفات الفساد وعجز الحكومات اندمجت بالنفايات لتؤلف سيمفونية الشعب يريد إسقاط النظام وحكومة سلام!  

بقلم جورج بشير

machnouq لم يكن أهــل النظــــام اللبــــناني والمستفيــــدون الأوَل من خيراتــــه ومشاريعه وغازه وكسّاراته ونفاياته، وإيجارات المناطق الحرة في المطار، ومشاريع الكهرباء والماء وأقساط المدارس، بغافلين عن التحضيرات التي سبقت نزول جماهير الشعب اللبناني الى شوارع العاصمــــة في الأسبوع الماضـــي تعبيراً عن نقمة الشعب، كون الكيل قد طفح، خصوصاً بعد أن سمح نواب الأمة لأنفسهم بتمديد ولايتهم مرتين قافزين فوق الدستور.

أجل، لم يكن أهل النظام زعماء <مافيا> الحكم والحكومة والبرلمان غافلين عما يجري، خصوصاً وأنهم فوجئوا بالاعداد الغفيرة التي تقاطرات من المناطق كافة تعبيراً عن نقمة الشعب العارمة في شوارع العاصمة.

أهل النظام كشّروا عن أنيابهم وبعثوا برسائلهم يميناً ويساراً وبرزت نيتهم مساء الأحد الماضي بافتعال الصّدام مع رجال الأمن وفركشة التظاهرات البريئة التي اندلعت عقب إعلان وزير البيئة محمد المشنوق عن تأجيل البت بفض عروض النفايات في اللجنة الوزارية، بعد تكدّس هذه النفايات تلالاً في شوارع مدن وقرى لبنان كافة.

في عزّ  فصل الصيف الحارق هذه السنة، أرجأت اللجنة الاجتماع واتخاذ القرار الى خمسة أيام أي الى يوم الثلاثاء الماضي.. وهذا الإعلان أثار ما يشبه الثورة العارمة من جانب المواطنين الذين سئموا مشاهدة تلال النفايات بالأطنان مكدّسة في شوارع وأحياء المدن والقرى اللبنانية منذ شهر تقريباً، ولا أحد يجمعها أو يعالجها، ولا حكم ولا حكومة ولا إدارة تتجنّد ليل نهار ومن دون تأخير لإيجاد الحل الناجع لهذه الفاجعة التي حوّلت البلد الى ما يشبه مستودع القمامة، بعد أن كان اللبنانيون الى حين محسودين على بلدهم الجميل والأخضر الذي فيه هواء نقي وعليل ومناخ رائع يقصده الناس من كل حدب وصوب لكي يتنشقوا نسمات الهواء النقي فيه ويتمتعوا بالصحة والعافية في ربوعه التي قيل فيها يوماً: <نيال من له مرقد عنزة في جبل لبنان>…

 

 الحق ليس على النفايات

 

ظاهرة وصور أكوام النفايات المكدسة في الشوارع لم تكن وحدها السبب الذي أدى الى انفجار الشعب ونزوله بالآلاف الى شوارع العاصمة اللبنانية، ولا تأخر هذه الحكومة بالذات وهي حكومة تصريف أعمال أصلاً، في إيجاد الحل الناجع لأزمة جمع وفرز وطمر ومعالجة النفايات وعجزها منذ مدة عن هذه المعالجة، بل ان للانفجار الشعبي الكبير أسباباً أخرى بديهية لا تقل أهمية وخطورة عن أزمة النفايات، ولعلّ أبرزها أن هذا الشعب اللبناني وجد ذاته بين ليلة وضحاها وهو غارق في أكوام الزبالة والحكومة تتفرّج، تدرس وتمحّص ولا تجد حلاً، بل إنها تزيد في طين الأزمة بلّة بالإعلان عن تأجيل الاجتماع والحل وفقاً لما أعلنه وزير البيئة، وذلك رغم غرق هذا الشعب والوطن الجميل الذي ينتمي إليه في ملفات معقدة خطيرة تقضّ مضاجع الناس وتسيء الى سمعة لبنان واللبنانيين وتدفع بالآلاف من شبابهم الى الهجرة، بحيث أن أعداد الجاليات اللبنانية المنتشرة في طول العالم وعرضه باتت تعدّ أضعافاً مضاعفة لعدد السكان (15 مليوناً للمغتربين و4 ملايين للمقيمين).

SAM_0758أما سائر الملفات المعقّدة التي دفعت بالشعب للنزول الى الشوارع بهذه الأعداد الغفيرة فأبرزها ضياع البلد لسنوات من دون موازنة عامة، ومع هذا الضياع ما يقال عن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لأحد عشر مليار دولار دخلت الى خزينة الدولة ولم يُعرف كيف خرجت!، وملف ثروة الغاز التي يملكها لبنان في آبار قعر البحر والمياه الإقليمية، هذا الملف الذي لم يجد له حكماً أو حكومة أو مجلساً نيابياً كما في اسرائيل مثلاً يقونن إخراجه وتسويقه وسدّ حاجة لبنان وخزينته المَدينة بـ70 مليار دولار الماسّة الى هذه الثروة بعد تسويقها وبيعها في الأسواق العالمية، فيما هذا العدوّ الاسرائيلي يعمل في ضوء الشمس ونور القمر على نهب ما يمكن نهبه من ثروة لبنان من الغاز والنفط وتسويقها في العالم. ولعلّ الملف الآخر والأهم هو ملف الكهرباء الضائع بين نهب الطاقة وعدم تسديد ثمنها وعدم تأمينها للبنانيين، وملف المياه الضائعة ثروتها في البحر المتوسط، فها هي مقطوعة عن منازل اللبنانيين ونسبة لا يستهان بها تنهبها اسرائيل لسد حاجتها. وملف أزمات السير الخانقة، وملف الارتفاع الكبير في أسعار المواد الاستهلاكية من دون رقابة، وأقساط المدارس وضياع أموال الضمان الاجتماعي وأموال الصناديق البلدية، وملف عقود الإيجار لمصلحة الدولة في مطار بيروت الدولي، وملف الأملاك البحرية المحتلة والأملاك العامة التي جرى ضمّها الى أملاك شركات خاصة مستحدثة، خصوصاً في العاصمة… وغير ذلك من الملفات التي يتقدم عليها ملف الكسّارات والمرامل التي تطحن جبال لبنان وتزيلها من الوجود…

 

من المسؤول؟!

طبعاً ليست حكومة الرئيس تمام سلام مسؤولة وحدها عن استمرار كل هذه الملفات والمشاكل المعقّدة لسنوات من دون حلّ، وليس رئيس الوزارة الشاب تمام سلام من يتحمّل وحده هذه المسؤولية، كما وأن نهاد المشنوق وزير الداخلية ليس وحده مسؤولاً ولا يتحمّل مسؤولية استمرارية هذه الأزمات من دون حلّ وإن كان من حقه أن يمضي ولو إجازة قصيرة في باريس أم في جزيرة <سانتوريني> اليونانية كما قيل في عطلة نهاية الأسبوع، بل إن المسؤول عن استمرار كل هذه الأزمات وتراكم المشاكل الناتجة عنها هو معظم هذا الطاقم السياسي الحاكم والمتحكّم بمراكز السلطة والقرار في الدولة منذ سنوات، وهو يرى بأم العين ويساهم في ارتفاع نسبة الفساد في لبنان وفي مرافق الدولة والحكم والحكومة والإدارة من دون مساءلة ولا محاسبة. وليس المسؤول عن هذا الانفجار الضخم للشعب اللبناني من أطلق أو أطلقوا النار عليه في قلب العاصمة بالقرب من مجلس النواب وهو يعبّر عن رأي كل اللبنانيين بتظاهرة سلمية من دون عنف. أحسن وزير الداخلية نهاد المشنوق فعلاً بإحالة من أعطى الأمر فوراً الى التحقيق وكفّ يده. إنما المسؤول الأبرز عن هذا الانفجار هو البرلمان اللبناني الذي سمح لنفسه بتمديد ولايته خلافاًَ للدستور مرتين من دون أن يرف لأكثريته جفن، متجاهلاً رأي هذا الشعب الذي أولاه هذه السلطة، وعجز هذا البرلمان عن تشريع قانون جديد للانتخابات يأخذ في الاعتبار العدالة وصحة التمثيل على قاعدة النسبية، لكي يقول الشعب، وهو صاحب الحق الأول والأخير، كلمته في اختيار ممثليه وحكّامه الذين غرق معظمهم في بحر الفساد وتحقيق المنافع والثروات المالية والسياسية على حساب الشعب والقانون والدستور، من دون أن يقول لهم أحد من جماعة أجهزة الرقابة <ما أحلى الكحل في عيونكم>، حتى عندما تحركت النيابة العامة المالية والنائب العام المالي جنبلاط-الحريريالقاضي علي ابراهيم كي يضع يده على ملف النفايات قمة الفساد والإفساد، سارع البعض الى فرملة هذا التحرك وحاول لجمه لغاية أو لغايات في نفس يعقوب…

ربّ ضارّة نافعة

بالفعل، إن هذا المثل في محلّه، خصوصاً عندما لا يقتصر الانفجار في الشارع على الشعب اللبناني، فبادر أحد الوزراء وأحد النواب بكل أسف للدعوة الى النزول الى الشارع، وكلاهما وافقا سلفاً على تمديد ولاية مجلس النواب العاجز عن وضع قانون جديد للانتخابات، وعن انتخاب رئيس جديد للجمهورية…

لا شك بأن حل أزمة النفايات التي فضّت عروضها هذا الأسبوع وإن مؤجلة، يفترض إيجاد حكم وحكومة لكل منهما يد من حديد وليس يد من قطن كما كان يقول الرئيس شارل حلو وإيجاد مطامر مؤقتة للنفايات وأن يحقق التلزيم الجديد الفرز أولاً، والطمر ثانياً، ومن ثم تصنيع النفايات ومعالجتها على أساس إنتاج الطاقة بعيداً عن المزايدات الرخيصة. وهذا يتطلب حكماً مدنياً قوياً واعياً مسنوداً أومطعّماً بشكل أو بآخر بالعسكر، وخاصة بالجيش لفرض هيبة الدولة والقانون. وهذا لا يمكن أن يتم إلا بمحاسبة الفساد والفاسدين وتجار الهيكل وسماسرته وأصحاب العقارات ورؤوس الأموال التي تحققت لهؤلاء الفاسدين المفسدين على حساب الشعب والقانون والنظام المطلوب اليوم من المتظاهرين في الشوارع إبداله أو استبداله وتغييره.

 

أما كيف يتم ذلك؟

في ظل الحراك الشعبي غير المسبوق، وتحرّك أرباب النظام كاد الرئيس تمام سلام أن يستقيل، وفكّر وهدّد بذلك فعلاً. لكن اللعبة السياسية وسياسة النكاية وتقاسم المغانم في السلطة، طرحت بديلاً للحراك الشعبي والمطالبة بإسقاط الحكومة، واللجوء الى إجراء انتخابات نيابية مبكرة، الخروج عن المألوف الوطني القائل بضرورة تأمين توافق وطني من مكوّنات لبنان على القرارات المهمة للحكم بعقد جلسة لمجلس الوزراء تتخذ فيها القرارات بإجماع الأصوات وليس بالتوافق، حفاظاً على النظام وأهله، ومن دون النظر الى تداعيات مثل هذا الموقف، فهل يكون الفيصل صوت الشعب الذي هو من صوت الله، أم صوت النظام وأهله؟!