13 November,2018

مفهـــــوم الاستقالــــــة

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

كل المفاهيم تضيع في لبنان، فمنذ البداية كان المفهوم اللبناني بكل وضوح أنه لا يمكن تصور استمرار أمــــــرين في آن، وهمـــــــا: الدولــــــــة والزعامــة، فامـــــا أن تــــــزول الدولــــــة وتبقى الزعامة ومعها انحلال مفهوم الدولة، أو أن تزول الزعامة مع ما تتطلبه هذه الإزالة من وعي وتضحية وتبقى الدولة مع ما تحمله من استقرار وازدهار وعدالة اجتماعية.

ومسألة الوضوح في الرؤية السياسية كانت ولا تزال أساس المشكلة، لا لعدم وجود ذلك الوضوح، بل لأنه موجود سراً، أما علانية، فإن التصرفات كلها تشير الى وجود غموض كان يساعد حتى الآن على التأرجح بين الموقف المبدئي والموقف العملي.

في الموقف المبدئي، يتبارى سياسيو لبنان في الدفاع عن لبنان ومصالحه وأمنه الاجتماعي، وفي الموقف العملي ينكفئون ويتهمون علانية بعضهم بعضاً بالتقصير وصولاً الى التخوين، وفي السر يجلسون الى المآدب ويتغامزون.

إن الوقائع اللبنانية منذ الاستقلال تؤكد أن الحكام اللبنانيين مارسوا الزعامة الاستقلالية لأنها أشد استهواء وأكثر إغراء من الزعامة الإصلاحية الاجتماعية، وان قلة منهم مارست البطولة غير العسكرية والبطولة غير السياسية.

والحق يقال إن مفهوم الاستغناء عن اللقب أو ما يُعرف بالاستقالة في لبنان، ليس له قاموس يفسره أو معجم يشرحه أو معيار يستند إليه ويعمل بموجبه.

إنه بكل بساطة غير مفهوم وغير واضح ولا أسس له.

يستمرون في مناصبهم مهما حصل بحجة أن الأوضاع لا تسمح والظرف غير مؤاتٍ، فمتى بربكم كانت الأوضاع تسمح والظروف مؤاتية.. ونحن منذ أن وعينا على هذه الدنيا وتتردد على أسماعنا عبارات كمثل <الواجب الوطني يفرض علينا البقاء، ولن نترك السفينة> إلخ من اجترار لكلمات تقشعرّ لها الأبدان.

في الخارج يستقيل الوزير أو رئيس الحكومة أو رئيس البلاد ويذهب الى بيته من دون ضجة كما فعل <شارل ديغول> و<ريتشارد نيكسون> مع اختلاف الأسباب.

وفي لبنان، يستمر الوزير أو رئيس الحكومة أو المدير العام أياً تكن أحجام المخالفات او نسبة التقصير أو مدى الفضيحة، وإذا كان من العقاب بدّ، فالرجل الثاني أو الثالث هو <كبش الفداء>.

استقالتان مدويتان سُجلتا في فترة الاستقلال، الأولى للعميد ريمون إده في اليوم الأخير من العام 1968 في أعقاب اعتداء اسرائيل على مطار بيروت وتدميرها ثلاث عشرة طائرة تابعة لطيران الشرق الأوسط، والثانية سجلها غسان تويني في بداية عهد الرئيس سليمان فرنجية، وثمة استقالة ثالثة كانت هي الأخرى مدوية للرئيس صائب سلام في أعقاب عملية فردان الشهيرة وتمكّن فرقة <كوماندوس> اسرائيلية من الوصول الى بيروت واغتيال ثلاثة من القادة الفلسطينيين…

قد يبدو التمسك بالمبادئ المثالية غريباً أو ساذجاً في لبنان، إلا أن اده وتويني وسلام الأب، كانوا يعرفون ما هو رأي الناس في الحكم، وما هو رأيهم في القضية، وأن الناس قد اختارت حتى لو لم تعلن اختيارها…

في مرحلة <اتفاق الطائف> وما بعده، لم يشهد لبنان استقالات مبدئية تذكر، وتغلّب الواقع على المبدأ، وعصفت البلاد بأسوأ أنواع الفساد حتى أضحى ثقافة بحد ذاتها يسعى إليها كل من لم يحالفه الحظ في بلوغها، وبقي المسؤولون حيث هم عملاً بمبدأ <غطّيني تغطيّك> و<أبعد النظر عني كي أُبعد النظر عنك>.

وهكذا عرفت الساحة اللبنانية وهي مع الأسف لا تزال ساحة، أبشع أنواع الفضائح وأقذر أنواع السرقات والهدر، وتكدّست في الجيوب مئات الملايين من الدولارات، ولم تعد كلمة مليونير صالحة أو كافية أو <كلاس Class> أو تغني عن جوع، بل ملياردير هي الكلمة التي تملأ الفم الجائع والعين غير <الشبعانة>…

في واقعة الوزير سجعان قزي ثمة منطقان: الأول يقول بوجوب التزام قزي قرار حزب الكتائب الذي سمّاه في الحكومة. والثاني يدعو الى بقائه في الحكم كون الخروج منه لا يقدّم ولا يؤخر. فالحكومة في حكم المستقيلة وتصرّف الاعمال بالحد الأدنى منذ شغور موقع رئاسة الجمهورية قبل سنتين وتمثل ما تبقى من هيكل الدولة.

أياً يكن الأمر، فالاستقالة عموماً تتطلّب رجالاً شجعاناً قادرين على اتخاذ قرار بهذا المستوى، أما في لبنان فالشواذ أصبح هو القاعدة بحيث يتطلب البقاء في المنصب رجالاً شجعاناً قادرين على البقاء وتحمّل انتقادات الناس وشتائمها. والوزير قزي ربما كان على حق بمعزل عن صوابية القرار الحزبي.

تبقى واقعة حدثت في العام 1966 في أعقاب اهتزاز بنك <انترا>.

في ذلك الوقت، مثُلت حكومة الرئيس عبد الله اليافي أمام مجلس النواب للمساءلة والمحاسبة.

وقف الرئيس اليافي رحمه الله أمام نواب مجلس العام 1964، وكان يضم خيرة من الشخصيات الفذة والفصيحة ورجالات الدولة، وقدّم مطالعة طويلة ختمها بالقول: أيها السادة الزملاء، لقد وصلنا كحكومة الليل بالنهار لمعالجة ذيول هذه الكارثة الوطنية التي حلّت بلبنان.

عندئذٍ، طلب النائب الخطيب أديب الفرزلي الكلام وقال: أيها السادة الزملاء، كنا نود لو وصلت الحكومة الليل بالنهار للحؤول دون وقوع هذه الكارثة، أما وقد وقعت فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونظر الفرزلي الى النواب وأشار بيده اليسرى الى الحكومة وقال: أستطيع الجزم بأن هذه الحكومة ليست على مستوى الاستقالة.

اليوم، فصل حزب الكتائب الوزير سجعان قزي من الحزب وكانت النتيجة أن الحزب هو الذي اهتز وليس الحكومة المهتزة أصلاً…