19 November,2018

مفتي صيدا والجنوب الشيخ سليم سوسان في شهر رمضان بكل جرأة وموضوعية :  نـحــــن بـالـقــــــرآن نـبـقـــــى وبـالإســـلام نـحـيــــــــا وبـســنــــــــة رســـــــول الله نـقـــــــوى!

 

بقلم علي الحسيني

1 

نختتم السلسلة الرمضانية مع حلول عيد الفطر السعيد أعاده الله عليكم جميعاً بالخير والبركة مع مفتي صيدا والجنوب الشيخ سليم سوسان الذي امتنع دون تصريح معلن عن الخوض في غمار السياسة وقانون الانتخاب، واكتفى بالحديث عن معاني شهر الصوم وأحوال المسلمين.

حوار في رحاب شهر رمضان جرى في دار الإفتاء في صيدا مع سماحة المفتي الشيخ سوسان بكل دفء ورحابة صدر.

سألناه بداية:

ــ كيف تلخص لنا معاني شهر رمضان المبارك وأهميته في حياة الفرد والمجتمع؟

– بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: <يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كُتِب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون>. فالهدف من الصيام هو التقوى، والتقوى هي التحصين للنفس وللسلوك وللجوارح وللعقل وللقلب وللوجدان وللضمير الداخلي في أعماق الإنسان. وقد سُئل الإمام علي رضي الله تعالى عنه عن التقوى فقال: <هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل>. هذه عبادة بدنية وهي من أركان الإسلام الخمسة يدخل فيها المؤمن والمسلم كإعادة تأهيل لهذه النفس.

وأضاف:

– رمضان هو انتصار للإرادة والعزيمة على الشهوة وعلى الهوى. وقال العلماء عن رمضان بأنه أقوى العبادات لأنه عبادة لا رياء فيها ولا نفاق. هذه العبادة هي عبادة خالصة لله تعالى، وقد تصلّي وتريد من وراء صلاتك ثقة الناس وقد تزكي وتريد من وراء الزكاة مدح الناس، وأنت تحج وتملئ الدنيا بالمفرقعات لأنك قد أديت هذه الفريضة، ولكن عندما تصوم فإن من يعلم أنك صائم أو غير صائم هو الله وحده. فهذه عبادة لا رياء فيها ولا طقوس فيها ولا رسوم فيها ولا إشكال فيها. لذلك فالحديث القدسي الذي يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه يقول: <كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به>. هذا معنى أصيل من معاني الصيام. وللصيام معاني كثيرة تعلمناها في آدائنا وفي صيامنا في شهر رمضان. وهو شهر القرآن وهذا الشهر كما جاء في القرآن الكريم وصف بالقرآني قبل أن يوصف بالصيام، <شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان>.

واستطرد قائلاً:

– نحن بالقرآن نبقى، وبالإسلام نحيا، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نقوى. بالقرآن نكون خير الامم، وهذ الأمة التي وصفها رب العزة بأنكم <كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله>. وقال <أُخرجت> ولم يقل <خرجت> وكأن هناك قدرة أخرجتها وقدمتها في حضورها وفي وجودها وفي دورها، لأن القرآن قد نزل عليها، كان هذا الشهر هو أعظم الشهور عند الله لأن القرآن قد نزل فيه في ليلة من لياليه <إنا أنزلناه في ليلة القدر>.  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأنبياء لأن القرآن نزل عليه.

رمضان والتقوى وحال المسلمين

وتابع يقول:

– هذا معنى ومحطة من محطات شهر رمضان، فرمضان علّمنا معنى الكرامة والحرية والصبر والمواساة، وفي أحداثه ومناسباته فتح المسلمون مكة، وفيه انتصر المسلمون وهم صائمون في غزوة بدر، هذا الشهر الفضيل مدرسة لها أبواب كثيرة وفيها فصول كبيرة ومن أين دخلت وصلت الى المعنى الكبير الذي أراده الله من خلال الصيام. فالصيام كما قلت هو أن تحصن بصرك بحيث لا يبصر الى ما يغضب الله، وتحصن يدك فلا تمتد الى ما لا يرضي الله، وتحمي هذه الجوارح من الحقد والكراهية. وتجنب عقلك من الحسد والتفكير بشيء لا يرضي الله.

وأضاف:

– إذا ما تعلم المسلمون في مدرسة رمضان وقضوا هذا الشهر في أداء عبادتهم وصيامهم تخرجوا من هذه المدرسة وهم يحملون رسالة وأملاً للوصول الى التقوى والى مجتمع ينظر فيه الغني الى الفقير، وفيه ينظر الكبير الى الصغير، وفيه يساعد الأمير الخفير، مجتمع يسوده السلام والعدل والمواساة، وإذا قرأت في كتاب الله لوجدت أنه بعد آيات الصيام <يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام…> آيات الدعاء والاستجابة لأن الإنسان عندما يصوم يسمو ويرقى ويرتفع في نفسه ووجوده وفي أدائه ومسلكه وحضوره واذا ما رفع يديه الى السماء فُتحت له أبواب السماء. وكما يقول الحديث الشريف: <ثلاثة لا تردّ دعواهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم فوق الغمام وتفتح له أبواب السماء>.

ــ يمر شهر رمضان والعالم العربي والإسلامي يعيش أسوأ حالاته من الانقسام والاقتتال والتطرف والتكفير. فهل هذا أبعد ما يكون عن الإسلام ودخيل عليه؟ أم ان تفسير الإسلام خاطئ؟

– عندما نتكلم عن الإسلام لا نتكلم عن المسلمين، فالإسلام الذي نزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ملأ الدنيا بالخير والنور، ولذلك عبر عنه القرآن الكريم عندما قال: <قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين>، كان النور هو محمد وكان الكتاب المبين هو القرآن الكريم. وهنا أسأل: هل القرآن الذي نقرأ فيه ليس هو نفسه هو الذي قرأ فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكل الصحابة وكل المنتصرين والمالئين الدنيا بالعدل والخير والنور؟! فهذا التاريخ هو ملك الإنسانية، وهكذا يقول التاريخ، هو القرآن نفسه، فماذا حصل للمسلمين مع قرآنهم أو كتابهم. ولماذا سرق منهم، ولماذا لم يمسكوه ويحافظوا عليه؟!

وأضاف:

– هذا القرآن الذي يستعمل الآن للأموات وليس للأحياء، أصبح قطعة فنية تعلق على الحائط، ولم يفهمه المسلمون، والآن هذا التشتت وهذا التمزق نتيجة هذا الضعف وسوء الفهم. فإين هو الإسلام الحقيقي الذي ملأ الدنيا بالخير والنور في كل بلادنا العربية والإسلامية ومع كل انظمتنا السياسية القائمة في هذا العالم؟! فهذه الأنظمة قامت تحت عنوان فلسطين والعدالة، فهل حررت حبة رمل من الأرض الفلسطينية؟ وهل حققت العدالة في مجتمعاتها؟! بالطبع لا. وبالتالي هذه الأنظمة هي التي ضيعت البوصلة وغابت عن الدور الحقيقي في تأدية واجبها.

ــ وهل سوء فهم الإسلام أو عدم فهمه أصلاً، هو من ساعد على انتشار ظاهرة التطرف؟

– الإسلام هو الإسلام، <إن الدين عند الله الإسلام>، والإسلام الذي نزل على قلب الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم ليس هو من يسترشد به من يحمل زراً ويذهب الى الخياط ويطلب منه أن يفصل له بدلة على قياس الزر. هكذا يريدون الإسلام… يصلون ركعتين ويريدون إسلاماً بهاتين الركعتين، فالإسلام متكامل وعاش مع دورة الحياة، ولا يعرف التطرف ولا الإرهاب ولا التحزب والتقوقع ولا التزمت ولا التفرقة والتمزيق والتمييز بين الناس، فالجميع سواسية، الأبيض والأسود والأصفر والأحمر هم أمام الله ســــواء، كلهم لآدام وآدام من تراب <يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم>، إذاً هو الأكرم والأشرف والأسمى والأرقى والأتقى، وهذا ما علمنا إياه رمضان لعلكم تتقون.

ــ ماذا تقول في قانون الانتخاب الذي أُقرّ في الأسبوع الماضي وهو يتضمن ضم صيدا الى جزين في دائرة واحدة؟

– لم أقرأه ولم أفهمه ولا أعرف شيئاً عن هذه الأمور.

ــ والى ما تعزو ظاهرة الجريمة المتنقلة خاصة في رمضان، وهل هو غياب الرادع سواء القانون أو الأخلاق والألتزام الديني الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر ويأمر بالمعروف؟

– هناك أسباب كثيرة بدءاً من الفقر والحاجة والسلاح غــــير الشــــرعي المتفــــلت بين الناس.. فأنا تدربت مع المقاومة الفلسطينية وعلمونا ان للسلاح أخلاقـــــاً، وعندما نحمــــــل سلاحــــــاً لهــــــذا الســـــلاح خلــــــق وآداب وأخـــــلاق وهذا غير موجود حالياً.

ــ مع العودة الى أحكام الإعدام؟

– إذا قست نفسك مع المبدأ فالأمر طبيعي، ولكن إذا قست المبدأ عليك أصبح المبدأ حسب المقاس. والمبدآ الآن حسب المقاس، فنحن نتحدث عن بلد هو لبنان، وبالتالي لن تستقيم هذه الديموقراطية إلا بوجود الأحزاب والحياة السياسية، ومع وجود الدولة المدنية وعبر مساواة الناس أمام القانون.

ــ مع المواطنة؟

– طبعاً، فكل إنسان له حقوق وعليه واجبات ولا يوجد واحد بزيت وآخر بسمنة. فهذا عيب ولا يجوز أن يحصل.