25 September,2018

مـيـشـال عـــون الـــدواء الأخـيـــر للـشغـــور الــرئـاســي!

 

بقلم وليد عوض

  جنبلاط

كأننا مع أمير الشعراء أحمد شوقي وهو يقول لكل لبناني عبر مسرحيته <مجنون ليلى>: <اطرح النار يا فتى. أنت غادٍ على خطر>!

فأصوات لها قيمتها السياسية والدينية تحذر من الخطر المحدق بلبنان طالما انه بلا رئيس جمهورية، وها هو سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان يقول في رسالة رمضان من دار الفتوى: <الوطن في خطر بسبب غياب رئيس الجمهورية، وتعطل المؤسسات الدستورية. والوطن في خطر لأنني أرى بصراحة ووضوح هذا التقاطع والجفاء ليس بين السياسيين فقط، بل بين المثقفين وفئات مختلفة من المواطنين، وهناك أجواء من الهواجس والشكوك والقيل والقال لا يصح السكوت عنها، أو التسليم بها.

ومن منبر الأمم المتحدة في جنيف أطلق وزير العمل سجعان قزي صرخة استغاثة، قائلاً لأهل المجتمع الدولي: <امنعوا سقوط لبنان>. والرئيس سعد الحريري يرى الخطر على لبنان آتياً من الحرب السورية التي يشارك فيها حزب الله بقضه وقضيضه.

والبطريرك بشارة الراعي لا ينفك يحذر من الخطر المحدق بلبنان طالما انه جسد بلا راس، أي بلا رئيس جمهورية.

إلا ان رأس الحكمة مخافة الله، أي خافوا الله من هذا التشرذم والانقسام بين أهل السياسة في لبنان، وجذبهم الى معارك خارج الهم الرئاسي، ولو ان وزير الداخلية نهاد المشنوق اخترق الهم الرئاسي بالقول من برنامج <كلام الناس> ان اسم سليمان فرنجية كان صناعة بريطانية ــ أميركية ــ سعودية وتولى الترويج لهذه الصناعة الرئيس سعد الحريري من حيث يدري أو لا يدري.

ومعروف عن نهاد المشنوق منذ أن امتهن الصحافة وكتب في <الحوادث> و<السفير> انه صاحب رأي شفاف، يقول الحق ولو في حضرة سلطان جائر. ولكنه أحياناً وبسبب هذه الشفافية والانسجام مع النفس، ربما يقع في خطأ التقدير، مثل زج اسم السعودية في مسألة ترشيح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، فجعلها المقاول لمعركة فرنجية، ولا أدري كيف بنى حساباته، وهو المقرّب من ولي العهد الأمير محمد بن نايف، على أساس ان صداقة الآباء تتصل بالأبناء.وقد تلقف الزعيم وليد جنبلاط هذه الهفوة أو البادرة غير المدروسة، وقال في لقاء تلفزيوني وفي تغريدة على موقع <تويتر> مخاطباً الرئيس الحريري: <يا شيخ سعد احترس من أقرب الناس إليك في دارتك وانتبه> وكأنه يريد أن يذكره بالمثل القائل: <احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة>.

سياسة تحديد الخسائرالمشنوق-علي-عواض-العسيري

ولست هنا في موقع المدافع عن الوزير المشنوق، رغم ما يربطني به من صداقة، لكنني أستغرب زج اسم السعودية في مسألة ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، واتهام الرئيس سعد الحريري بأنه في سياسته يعتمد على الوحي، و<انما هو وحي يوحى>، وربما كان الوحي نفسه قد هبط عليه في روما وهو يلتقي العماد ميشال عون ويرشحه لرئاسة الجمهورية.

والمهم الآن ان نلملم آثار الكلام الذي نطق به نهاد المشنوق على شاشة <أل بي سي>، ونمارس سياسة تحديد الخسائر:

ــ اولاً: بلد اقليمي كبير مثل المملكة العربية السعودية يجب التعامل معه بأشفار العيون، من حيث تاريخ تعاملها مع لبنان واللبنانيين، واحتضانها جالية لبنانية تعد ثلاثمئة ألف انسان، وحسبها من فضل تاريخي على لبنان قيامها بإهداء اللبنانيين اتفاق الطائف الذي أوقف حمام الدم في لبنان عام 1989. وإذا كان المورد السعودي قد جف ضرعه في لبنان خلال السنوات الأخيرة، فالوفاء للماضي لا يمكن أن يضيع. ومن حق السفير السعودي علي عواض عسيري أن يستهجن كلام الوزير مشنوق، ويبدي في الوقت نفسه استغرابه له، وهو الموصوف بالحكمة وحسن الفطن.

ــ ثانياً: لقد تسبب كلام نهاد المشنوق على شاشة <أل بي سي> في التعكير على شخصية الرئيس سعد الحريري وهو الزعيم السني والزعيم الوطني، وترك ذلك تساؤلات حول صمته إزاء الصورة التي عرضها نهاد المشنوق سواء بالنسبة لزيارة الحريري لدمشق في عهد الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، أو بالنسبة لدوره في ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية انطلاقاً من مسعى بريطاني. وأن تنفي السفارة البريطانية المسعى البريطاني في مسألة ترشيح سليمان فرنجية أمر طبيعي في العمل الديبلوماسي، إلا ان التوضيح كان يجب أن يأتي من رئيس الوزراء <دايفيد كاميرون> صاحب القرار الأول في مثل هذه المواضيع.

فتح الباب لميشال عون

و<الشوشرة> التي تحيط الآن بترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية تخدم الى حد بعيد المرشح الرئاسي العماد ميشال عون الذي لم يدخل ترشيحه في تبني أي دولة. فضلاً عن انه صاحب أكثر الأصوات المسيحية عدداً في مجلس النواب، كما يخدمه الى حد بعيد تصريح الرئيس فؤاد السنيورة أمام كاميرا التلفزيون يوم الاثنين الماضي بأن لا مانع من انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية إذا تأمن النصاب البرلماني في جلسة الانتخاب.

ولعل الخدمة السياسية الأولى لصالح المرشح الرئاسي ميشال عون تلك التي جاءت بقصد أو بغير قصد، من وزير العدل أشرف ريفي حين وضع <الفيتو> على اسم سليمان فرنجية باعتباره جزءاً من محور الأسد ــ إيران، وان كان في هذا الموضوع يلتقي مع العماد ميشال عون المرشح الرئاسي المعلن من قبل حزب الله، وحزب الله هو المفوض السامي لإيران في لبنان.

وإذا جمعنا كل هذه الأحرف المتقاطعة وصلنا الى اسم ميشال عون كصاحب الأرجحية في الجلوس على كرسي قصر بعبدا، بعدما ضمن بتصريح الرئيس فؤاد السنيورة صوت نواب تيار <المستقبل>، ويمكن كذلك أن يضمن تأييد المرجعية المسيحية الأولى في لبنان وهي بكركي، شرط أن تكون الولاية ست سنوات، كما ينص الدستور، ولا يعمد مجلس النواب الى تعديل المادة الدستورية المتعلقة بالولاية الرئاسية، بحيث تصبح سنتين من قبيل فك المشكل. فتقصير المدة الرئاسية، ولو بصورة مؤقتة، ليس في الوارد أن ترضي البطريرك الراعي، ولا الرابطة المارونية التي يترأسها نقيب المحامين السابق انطوان قليموس، ولا رئيس المجلس الماروني العام الوزير السابق الشيخ وديع الخازنaoun-franjieh.

وكل الملامح، حتى الآن، وإذا لم يتكلم الرئيس سعد الحريري ويضع النقاط فوق حروفها، تشير الى ان رئيس الجمهورية المقبل هو ميشال عون ابن الاثنين وثمانين عاماً، وبعد ست سنوات يصبح عمره 88 سنة، وهي سن المستشار الألماني ما بعد الحرب العالمية الثانية <كونراد اديناور>. والعبرة هنا ليست في السن بل في نضارة العقل والقدرة على الرؤية، والحكم رؤية كما يقول المثل الفرنسي <Gouverner c’est prévoir>.

 لا <فيتو> عربي

وليس في الوارد هنا أن تضع احدى الدول العربية <الفيتو> على اسم ميشال عون، فالمهم عند دول مجلس الأمن، بدءاً من ممثل العرب مندوبة الاردن لدى الأمم المتحدة دينا قعوار التي ترأس بلادها المجلس، ان يكون هناك رئيس جمهورية للبنان بعد سنتين من الشغور الرئاسي وضعضعة المؤسسات، أي اما ميشال عون أو لا رئيس في القريب المنظور.

وفي هذا الباب لا يمكن اسقاط العامل السوري. فما دامت الحرب مشتعلة في سوريا، وأطراف محافظة حلب تحت النار، والدم والدخان، فمن العسير بمكان تأمين أجواء انتخاب رئيس للبنان، أي يتعين على اللبنانيين متابعة مفاوضات جنيف بين النظام السوري الذي يمثله بشار الجعفري، والمعارضة الممثلة بخالد خوجة ورفاقه. فكلما اقتربت الهدنة في سوريا، تمهيداً لحل نهائي بمرحلة انتقالية كلما ظهر ضوء في آخر نفق الشغور الرئاسي في لبنان.

أي هاتوا حلاً للحرب السورية وخذوا حلاً للشغور الرئاسي.

هاتوا حلاً في سوريا لنقول لكم من هو فخامة الرئيس المقبل.

وفي الساعتين اللتين استغرقهما اجتماع السفير السعودي علي عواض عسيري والوزير نهاد المشنوق يوم الاثنين الماضي، وما تخللهما من صراحة ومصارحة ظهرت معالم المرحلة المقبلة، ولم يخسر المشنوق وهجه في العلاقات مع المملكة السعودية.

والكلام بعد ذلك متروك للرئيس سعد الحريري!