11 December,2017

”مـهـــــرجـان بـيـــــــروت الـدولـــــــي للـسـيـنـمـــــــا“: افـــــلام عـالـمـيـــــة عـلــى شـاشـــــة لـبـنـانـيـــــــة!

 

بقلم عبير انطون

8  

لا يتعب <مهرجان بيروت الدولي للسينما> ولا يغيب عن جمهور وعن ساحة سينمائية كان ولا يزال أحد اللاعبين الأساسيين فيها. الصعوبات من دورة الى اخرى لا تختلف، من عراقيل التمويل الى ما هو لوجيستي وتنظيمي وغيره، من دون ان يمنع ذلك كوليت نوفل مديرة المهرجان العريق في دورته الـ17 من تقديم انتاجات عالية المستوى تناقش قضايا الإرهاب والتطرف واللاجئين، ومن الاضاءة على افلام لبنانية شابة من مستويات مختلفة تعكس واقعاً اجتماعياً ملموساً وبنظرة شبابية مختلفة.

المهرجان الذي ستُقام عروضه هذه السنة في سينما <متروبوليس أمبير سوفيل في الأشرفيّة، يُعرض في افتتاحه فيلم <La Cordillera> للأرجنتيني <سانتياغو ميتري> بحضور المخرج وزوجته الممثلة في الفيلم <دولوريس فونزي>، وتدور قصّة الفيلم حول تداخل الشؤون الشخصية للرئيس الأرجنتيني <هرنان بلانكو (ريكاردو دارين) مع قراراته السياسية. أما اختتام المهرجان في 12 تشرين الأول/ أكتوبر فسيكون بالفيلم التحريكي <Loving Vincent> للبريطاني <هيو ويلتشمان> والبولونيّة <دوروتا كوبييلا>، عن آخر أيام حياة الرسّام <فينسنت فان غوغ> قبل انتحاره، وقد استغرق العمل على هذا الفيلم سبعة أعوام وشارك فيه 125 رساماً من كل أنحاء العالم.

أما لبنانياً، فتتناول الافلام القصيرة والوثائقية مواضيع إنسانية واجتماعية، من الطفولة المكافِحة إلى الشيخوخة الصعبة مروراً بهموم الشباب وتجربة الإغتراب والوجع الناجم عن موت الحبيب وغيرها، اما فئة <البانوراما الدولية> فهي تضم فيلم <سينما حائرة: تاريخ السينما اللبنانية> للإعلامية اللبنانيّة ديانا مقلّد، وهو عبارة عن رحلة بصرية عابرة للزمن ما بين السينما اللبنانية في بداياتها والسينما اليوم، من خلال شهادات مخرجين وفنّانين معاصرين لكل الحقبات التي مرت بها السينما اللبنانية.

 <الافكار> وفي جولة على الافلام اللبنانية القصيرة والوثائقية توقفت مع نموذجين شابين شرحا لها كل عن فيلمه، وفي كل واحد منهما مسألة شائكة من قلب الواقع من دون اي تغاض عن الافلام القيمة المشاركة هي الاخرى من <اندريا> لادوين حرب قادري، و<لنمضي> لغنى ضو، و< Appel en Absence> للبنانيّة كريستي وهيبة، و<فن مش فن> لبيتر موسى وغيرهـــــا، وفي جميعهــــا الممتع والجريء والذي يستحق دخول المسابقة وحصد الجائزة..

 

<شحن>!

 

مع كريم الرحباني الذي اختار بطل فيلمه <شحن> طفلاً سوريا متسولاً من قلب شارع الجميزة، ومجد فياض الذي دخل في <ازمة> آلاف الطلاب اللبنانيين متسائلاً <لأيمتى> كان لقاء <الافكار>..

بداية يشرح كريم:

– مع فيلمي السابق <مع روحك> كنت افتش عن فتى يكون بطلاً لفيلمي وبمواصفات خاصة جداً. بالعادة عندما يكتب السينمائي فيلمه يتخيل شخصية معينة في السيناريو ينسج شخصيته على أساسها. استقصيت كثيراً، وجبت الكثير من المدارس للنازحين السوريين وفتشت من خلال منظمة الامم المتحدة، ولم اكن أجد من يلائم الدور. اردت <عيونا خاصة>، عيونا تتكلم، وكاريزما عالية تكون ملفتة جداً، ورسمت في مخيلتي مرجعاً عما يمكن ان تكون صورة هذا الصبي، حتى يئست من التفتيش. في احدى الليالي وانا اسير في شارع <الجميزة> رأيت ولدا كأنه الذي كتبته يظهر أمامي. رحت اركض صوبه وكان يحمل الورد ليبيعه ويستعطي المارين، فسألته: بتحب تمثل؟ نظر الي، لم يجبني وهرب بعيداً جداً.. خاف ان اكون من المخابرات او قوى الامن. قال لي من يرافقني من الفريق المساعد: انساه! وهو يعرف انني عنيد بطبعي.اتفقنا ان نفتش على غيره، لكنني رحت افكر طوال الليل بهذا الصبي قائلاً في نفسي: مستحيل ان اتركه بعدما عثرت عليه. توجهت بمفردي الى المكان عينه في الليلة التالية ورحت افتش عنه لساعتين، ولما فقدت الامل رأيت شخصاً يلتقطني من رجلي ويقول: <اريد ان امثل>، واستدعى اخاه واكتشفت ان هذا الصبي هو المصدر المادي والمعنوي لأهله، ويتّكلون عليه في جلب المال للكاريزما الرهيبة التي يملكها. هو في التاسعة من عمره من منطقة <سيدي مقداد> في سوريا، فكانت القصة مستوحاة من حياته، من قصة هذا الصبي عبد الهادي عساف. في فيلمي <شحن> الذي عنونته كذلك لأن السوريين يشحنون الى لبنان في الكاميونات كالبضائع، اردت ان اقلب الادوار، فالصغير هنا في فيلمي هو الذي يهتم بالكبير، اي بجده المريض بـ<الالزهايمر>. هدفت الى ابراز كيف انه لا يعيش طفولته، والاثنان الجد والحفيد يعيشان معركة صراع بقاء، فاذا ذهب احدهما 3ذهب الآخر.

ويضيف كريم:

– لم تكن ادارة عبد الهادي كممثل سهلة على الاطلاق، تماماً كحياته، فهو من جماعة بلغ بها البأس و<التعتير> مساحة كبيرة، هربت من الحرب السورية في العام 2012 واثرت بهم عميقاً. لاحظت مثلاً أن عبد الهادي كان يدخل دورة المياه اثناء التصوير اكثر من مرة، وتعقبته لارى ما به، فلاحظت انه يدخله ولا يتبول، بل هو كذلك لشدة التوتر الذي يعيشه. بنيت صداقة معه قبل الشروع بالتصوير وكنا نقوم يومياً بالقراءة والتمارين وانا رفعت هذا التحدي.

وأضاف:

 – بالنسبة لدور الجد، فقد كان صعباً هو ايضاً، وقد قصدت ديراً للعجزة ووجدت ضالتي فيه، ولكن دقة وضع العجوز الصحي جعلتني اعرض عن هذا الاختيار حيث اننا كنا نصور في منطقة كفرذبيان في الجرود، وكان هو صحياً الى تدهور فخفت والمنتجون ان نتحمل هذه المسؤولية وارتأينا عدم المخاطرة، فكان الفنان القدير سعد الدين مخللاتي، الذي ذكرنا بأن في لبنان ممثلين محترفين منسيين، وقد لعب دور الجد بمنتهى الروعة حتى ان البعض راح يسألني ان كان مصابا بـ<الالزهايمر> فعلياً فيما هو بقمة وعيه.

وعن مساعدة والده الفنان غدي الرحباني في الفيلم كتابة وتمثيلاً قال كريم:

– فيلمي السابق كتبته بمفردي، اما في الفيلم الحالي فكنت بحاجة لمن هو اكثر تقدما في السن لأن فيه جيلين متباعدين. مع والدي اتفاهم بنسبة 80 بالمئة وأردت نظرة من الخارج لما كتبته خاصة وان بين الولد وجده علاقة عائلية، وكانت مشاركة <غدي> في السيناريو. بالنسبة لتمثيل دور الصيدلي، فأنا اجزم ان والدي لو لم يكن فناناً لكان صيدلياً. تليق به هذه المهنة جداً. في اوراقي رسمت صورة <الفرمشاني> بشعر اسود، خفيف، مهضوم ولما قرأه من حولي قالوا: انه والدك. طلبته الى <الكاستينغ> فلم يتردد ونجح بالاختبار، يقول كريم مبتسماً.

عشرون دقيقة هي مدة الفيلم، وهو بغير <مهرجان بيروت الدولي للسينما> سيشارك في اكثر من مهرجان من حول العالم عربي وعالمي حيث كان الترحيب به، بينها بلجيكا ومهرجانا روتردام وايطاليا.

واستطرد قائلاً:

– اتمنى للفيلم ان يصل بعيداً، يقول كريم، وان ينال الجوائز وهو يتناول مسألة الحرب والنزوح السوري ليس من ناحية مستهلكة كما باتت الحال في الكثير من الافلام والمسلسلات، انما لناحية عيش الطفولة لهذه المأساة وما سيكون عليه اطفال الشارع في الغد… أليس حراماً مثلاً ان يكون عبد الهادي عساف وهو شعلة من الذكاء والكاريزما بعيداً عن مقاعد الدراسة؟

ونسأل كريم:

9ــ بعيداً عن الفيلم اين عبد الهادي اليوم؟ فيجيب:

– نجحنا ان نجعله ينتسب الى مدرسة في المحلة التي يقيم فيها وهو يذهب اليها لثلاثة ايام ويعمل لإعالة عائلته للأيام الاخرى. للأسف يقول لي بعض المعارف انهم يرونه في الشارع يعمل كما في السابق.

 

الى التغيير.. در!

لمجد فياض مشكلة في مجال آخر، هي بالنهاية مشكلة آلاف الطلاب اللبنانيين، لأنّه يُعبّر عن شريحة كبيرة منهم، ويمسّ حياتهم اليوميّة، آملاً في أن يساهم فيلمه <لأيمتى؟> في تغيير هذا الواقع. برأيه اذا أردنا تغيير واقع وطننا نحو الأفضل فيجب تغيير مناهجه التعليميّة نحو الأفضل.

  وقبل ان ندخل مع مجد في الاسئلة حول الفيلم وكواليسه يوجزه لنا:

 – <لأيمتى؟> فيلم يثير مساهمة النظام التعليمي اللبناني المكثّف بالمواد غير المفيدة والتي يتطلب درسها الكثير من الوقت، في قتل هوايات وأحلام الطلاب اللبنانيين. انه تعبير عن معاناة كل طالب لبناني، إذ يتمحور عن الفرق بين الحياة اليومية للطالب اللبناني والحياة اليومية للطالب الأجنبي، ويُبيّن الدور الكبير الذي تؤديه المناهج المدرسية في حياة الطالب اليومي، فالمنهج اللبناني يقمع الطالب ويقضي على راحته ويستهلك كامل وقته من كثرة ضغط الدروس وبالتالي يقفل أمامه طريق تطوير مواهبه غير المستغلّة، بينما المنهج الغربي لا يضغط على الطالب بل يترك له مجالاً واسعاً لتنمية مواهبه أثناء وقت الفراغ وكل هذا مع المحافظة على مستوى المنهج ونجاحه والأهم هو نجاح التلميذ، أي أنّ المنهج الدراسي الصحيح لا يعني بالضرورة أنْ يكون مُنهكاً للطلاب. ويلاحظ مجد أنّ نجاح التلميذ وفق المنهج اللبناني هو مجرد كلمة على شهادته، في حين أنّ النجاح أكبر بكثير في مناهج الغرب، فهو الإنجازات والإبداعات والمواهب.

 لـ<الافكار> يتوسع مجد حول الفيلم قائلاً:

– انطلقت الفكرة من معاناة شخصية، فأنا طالب في الصف الثانوي النهائي في احدى المؤسسات التربوية التابعة <لامل>، واردت الفيلم <فشة خلق> نابعة عن غضب وامل بتغيير المناهج. انا اتفهم انه يجب ان اقرأ الفلسفة وان استوعبها، لا ان ابلعها او أبصمها. واسأل نفسي: الجغرافيا كلها التي درستها، كم هي كمية المعلومات التي بقيت منها عالقة في ذهني؟ خاصة انها ليست هوايتي وانني انوي التخصص بمجال بعيد عنها 7هو المجال السينمائي؟

اسمع كثيراً من الانتقادات حول الحشو في المناهج وتناولت الموضوع من زاوية لم يتم تناولها قبلا يقول مجد. ركزت على المشهدية في الفيلم، بلا كثير من الكلام او الحوارات. لعبت دور الطالبين وقسمت الشاشة الى نصفين: الطالب اللبناني والطالب الاجنبي، وصورت نفسي. الطالب اللبناني اعرف عنه الكثير وعن حياته اليومية خاصة مع الفصول الدراسية حيث يعقب دوام المدرسة دوام للدرس يماثله في البيت، ما يحرمه حياته الاجتماعية والرياضية وتنمية مهاراته. اما ما يدرسه الطالب الاجنبي في مثل سني وصفي فانني اعرف الكثير عنه ايضا من اتراب واصدقاء واقارب لي يعيشون في فرنسا مثلاً، حيث الحياة لا تقتصر على المدرسة فقط، ومن دون ان يؤثر ذلك على صحة النتائج.

 فكرة الفيلم خجولة نوعاً ما لكنني اردت تظهيرها عبر الصورة، وكانت النتيجة جيدة بدليل ان القيمين على <مهرجان بيروت الدولي للسينما> اتصلوا بي مرحبين بمشاركته وما كنت لأتوقع قبوله.

وفي عودة الى اصل الهواية يقول مجد:

 ــ بدأت هوايتي في التصوير عبر التلفون المحمول قبل ان اشتري كاميرا وجهاز كومبيوتر. والدتي وهي مدرّسة شجعتني كثيراً، والعائلة كانت الجمهور الاول لفيلمي الذي عملت عليه بجهد بعد ان قررت ان اتقدم به للمسابقة. كذلك فقد عرضته في مدرستي ورحبت به الادارة والاساتذة واثنوا على الفكرة وشعروا بالمعاناة، وبعضهم يشاركني بها.

مجد ابن الجنوب اللبناني ليس طالباً يكره الدرس، والدليل انه بين الاوائل على الشعب كما يقول لنا، لكنه يأمل ان تترك للطالب اللبناني مجالات اخرى ينمي فيها مهاراته ويبدع خارج المناهج التي لا تترك له وقتاً يتنفس فيه.

الكاميرا، صديقة كبيرة له، وهو لما كان يطلب منه في المدرسة عرض لأي موضوع لم يكن يكتفي <بالباور بوينت> كبقية الاتراب، بل كان يعمل على ما طلب منه وكأنه فيلم كامل. وبين الاعمال التي يعتز بها ووجدت لها صدى عبر الانترنت ما قام به عن <جبران ومي> وكانت ردة الفعل الايجابية وهو ما كسر جدار الخوف مع عالم السينما والتصوير، ويبدو ان اول الغيث من خلال دخول مسابقة الافلام في <مهرجان بيروت الدولي للسينما> يعد بالكثير.