25 September,2018

مـن الـرابـيــة إلى مـعــراب.... الأنخـــاب قـبـــل الألـقـــــاب!

بقلم علي الحسيني

سليمان-فرنجية-الرقم-الصعب جلس حكيم معراب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع والى جانبه رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون. خاطب الناس ومازحهم، مهد الأمور تحضيراً لمفاجأة من العيار الثقيل، وحده النائب انطوان زهرا لم يكن مرتاحاً للوضع حيث بدت عليه ملامح الانزعاج طيلة فترة المؤتمر الصحافي الذي جمع الجنرال بالحكيم، في وقت غاب عنه نواب <التيار الأزرق> حليف معراب عن الصفوف الامامية والخلفية أيضاً، لكن ما هي سوى لحظات حتى أعلن جعجع ترشيحه عون لرئاسة الجمهورية.

 

الحريري يهز شباك <البرتقالي> الخارجية

 

الترشيح بحد ذاته يُعتبر خطوة ايجابية من شأنها ان تصحّح أو ان تفرض واقعاً جديداً في العلاقات بين رجلين بينهما مسار تاريخ من الاختلافات والتناقضات، ولكل منهما طريقته في التفكير والتعبير وحتى التنفيذ، وللاثنين حليفان مسلمان لا يمكنهما الاستغناء عنهما، حتى ولو كان هناك نوع من القطيعة غير الثابتة على غرار ما هو حاصل بين القوات وتيار <المستقبل> الذي ذهب رئيسه سعد الحريري منفرداً الى تسمية زعيم تيار المردة النائب سليمان فرنجية مرشحاً للرئاسة الاولى، رغم الاجواء الايجابية المعطوفة على الدعم القانوني الذي اشاعه <المستقبل> خلال اجتماع كتلته النيابية مطلع الاسبوع الحالي، وتأكيدها الالتزام بتوجهات الحريري انطلاقاً من مبدأ ان الكلمة الفصل في هذا الملف تبقى للمجلس النيابي في ظل النظام الديموقراطي وتحت سقف الدستور، الامر الذي اعتبره البعض بانه ضربة حرة غير مباشرة هزّت شباك البرتقالي من الخارج، وبات يستوجب على رئيسه ان يضرب الف حساب قبيل توجهه الى الجلسة المقررة في الثامن من شهر شباط/ فبراير المقبل.

أين يقف حزب الله من المبادرة؟

 

خلال هذه الفترة سيتخذ حزب الله دور المتفرج او المتحدث الحذر في أقصى الحالات، خصوصاً وانه أول من تبنى ترشيح حليفه عون حتى النهاية في مواجهة كل الاقطاب بمن فيهم حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لم يبلع لغاية اليوم ترشيح الجنرال. والحزب الذي كان يرى ان من يدعم عون سيكون داعما لخياراته السياسية والعسكرية، وجد نفسه أمام داعم جديد هو حكيم الرابية الذي راح يعدد البنود العشرة المطلوب العمل عليها، ومن ضمنها تطبيق <اتفاق الطائف> وضبط الحدود اللبنانية السورية بالاتجاهين، وفي هذا المجال تحديداً سوف يعتبر الحزب انه غير معني وسيترك الأمر لوقت لاحق، هو الذي يعتبر ان املاءات جعجع لا تُلزمه كونه الخصم الدائم له. لكن في قراءة اكثر موضوعية، فإن قرار حزب الله ابعد من السياسة المحلية بل يتخطاها بأشواط، فهو لغاية اليوم لا يزال يقاتل في سوريا، ويدعم المعارضة في اليمن، ويساند الحشد الشعبي في العراق، ويخوض صراعات سياسية مع الدول العربية منها السعودية والبحرين، وعلى علاقات شبه مقطوعة مع التركي. وما يريده الحزب اليوم ويعمل عليه هو عدم هل-ولى-زمن-الوئام؟حصول تنافر بين عون وفرنجية على خلفية تثبيت كل منهما نفسه كمرشح رئيس لملء الفراغ الرئاسي.

من المؤكد ان حزب الله يعتبر نفسه منتصراً اليوم، وقد ثبّت انتصاره هذا عندما رشح جعجع عون من معراب، فالحزب قد اطمئن الى ان ترشيح الاسماء لن يتجاوز حليفيه عون وفرنجية مع افضلية للاول، وذلك بحسب ما تؤكد مصادر حارة حريك اليوم. والحزب يعتبر ايضاً ان مبادرة جعجع ستزيد المراكمة في الوسط المسيحي على العماد عون وترفع تلقائياً من منسوب حظوظه لبلوغ المنصب، وهو الرهان الذي لم يتزحزح عنه قيد شعرة ولم تهتز قناعته به، خصوصاً ان الحزب منذ البداية كان مع إنجاز الاستحقاق وملء الشغور ولكن ليس مع اي استحقاق لا سيما في مرحلة اشتداد الضغوط عليه تمهيدا لمحاصرته وانزال العقاب به، وهو ما أبلغه الى حليفه التاريخي فرنجية يوم زار الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حاملاً معه مبادرة الحريري الرئاسية.

 

<المستقبل>: كنا نعلم ولكن

 

قبل ساعات من الحدث كان الجميع في تيار <المستقبل> على علم مسبق بما يمكن ان تصل اليه الامور في معراب، والجميع وضع نصب عينيه امكانية ترشيح جعجع للجنرال، الا ان ما هو غير متوقع تمثل بالمشهدية ان لجهة طريقة الاعلان مروراً بالهمروجة الاعلامية وصولاً الى كثافة الحضور الذي عملت عليه القوات ونظمته، ومع هذا فإن المشهد لم يستفز <التيار الازرق> الذي سأل بعض المقربين منه عبر <الافكار>: في السابق ولدى انفتاحنا على عون كانت للحكيم مواقف مغايرة ومعارضة من اللقاءات بيننا، وبعد ترشيحنا فرنجية ارسل لنا اكثر من مرة ليقول بأن وصول فرنجية الى بعبدا يعني وصول حزب الله. اليوم نحن من يجب أن يسأله: وصول عون الى بعبدا ماذا يعني؟

وبعيدا عن المشهد في معراب، لا يرى <المستقبل> ان شيئا تغير خصوصاً ان الكرة برأيه لا تزال في ملعب حزب الله الذي وان كان يخضع لحسابات جديدة بعد رفع العقوبات عن ايران الا انه لا يبدو مستعداً بعد للإفراج عن الاستحقاق الرئاسي خصوصاً ان الجو الاقليمي لم يتغير بعد. وبغض النظر عن موقف حزب الله يصر تيار <المستقبل> على ان خلط الأوراق القائم حالياً لن يبدل المشهد الرئاسي خصوصاً ان فرنجية لا يزال الأوفر حظاً ولن يتنازل، وبدا ذلك واضحاً في تصريحه بعد زيارة بكركي لدى قوله: <ما زلت مرشحاً ومن يريدني يعرف عنوان منزلي>. كل هذه القراءة تدفع <المستقبل> الى اعتبار ان القوات تمارس نوعاً من النكد السياسي، خصوصاً لجهة كيفية تعاطيها مؤخراً مع الملف الرئاسي، اذ ان الحريري احترم الحلفاء ولم يقدم على اي خطوة منفردة، وهو الى هذه اللحظة لم يعلن رسمياً ترشيح فرنجية وترك مجالاً للحوار والنقاش، فيما جعجع قرر وحاور ونفذ من دون اي استشارة حتى واختتمها بهذه العراضة، فهل يبقى هناك شيء اسمه 14 آذار بعد هذه <الخربطة> السياسية؟

 

من-يملء-الفراغ؟هذا ما تبقى من 14 آذار

 

ثمة جهة ما نجحت في فرط عقد التحالفات سواء الثامن او الرابع من آذار، ولكن الطامة الكبرى تقع على قوى الاستقلال أي 14 آذار الذين بدوا مفككين وغير متجانسين لا مع افكارهم وطروحاتهم السياسية ولا مع اختياراتهم للمرحلة المقبلة التي ستبدأ من بعبدا جيث سيجلس الرئيس المقبل على الكرسي بعد فترة طويلة من الفراغ. ومن هنا يصح القول ان الازمات التي تعصف ببيت 14 آذار الداخلي تتوالى، فالأمانة العامة في شبه عطلة قسرية فرضها تباعد الرؤى بعد التراكمات الأخيرة، وتوقيع القوات اللبنانية ورقة <اعلان النوايا> مع التيار الوطني الحر، قبل ان ينضم الى جملة الأمور الخلافية لقاء الحريري – فرنجية وترشيح الاول للأخير للمقعد الرئاسي. ومع ذلك ما زالت مصادر 14 آذار على تنوعها الحزبي تستبعد فرضية السير في تسوية فرنجية وتعتبرها مرحلة جديدة من مراحل التجاذب وشد الحبال، وبانها تأتي في سياق اعادة احياء الملف الرئاسي لتحريك التسوية. وما يعزز الانقسام داخل هذه القوى الخلافات التي عصفت مؤخراً بين القوات و<المستقبل> والتي اتخذت منعطفاً خطيراً، خصوصاً على صعيد العلاقة الشخصية بين الحريري وجعجع والتي كانت تُعتبر صمام امان لقوى 14 آذار، وتحديداً في ظل رفض جعجع التوجه الى باريس للقاء الحريري في رسالة احتجاج واضحة.

 

هل يجازف عون بالنزول الى المجلس؟

 

اما وقد تم ترشيح عون بمبادرة من جعجع، وذلك بعد مخاض عسير من اللقاءات الثنائية والحزبية بين قيادتي الطرفين، فهذا يدعو الى التساؤل ما اذا كان عون سيحمل فريقه وينزل الى مجلس النواب خلال جلسة انتخاب رئيس والركون الى اللعبة الديموقراطية اي ان يُنتخب الرئيس بأصوات الثلثين، لكن ثمة من يؤكد ان عون لن يجازف بهذا الخيار ما لم يضمن قبلاً فوزه كمرشح اساسي وربما وحيد من قبل جميع الاطراف خصوصاً من حلفائه، وفي هذا السياق أكدت مصادر في تيار <المردة> ان ترشيح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لرئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون اعاد خلط الاوراق ما سيستدعي اشهراً جديدة لاستيعاب التداعيات واتضاح المشهد العام، معتبرة ان انضمام جعجع الى فريقها السياسي لا يؤمن الاكثرية المطلوبة لانتخاب عون الذي ليس متفقاً لا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ولا مع رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط ولا مع رئيس تيار <المستقبل> النائب سعد الحريري بعكس النائب فرنجية الذي أمّن التوافق الوطني المطلوب وينتظر حلفاءه لمباركته.

ولكن في الوقت عينه، فقد استبعدت المصادر نفسها ان تكون هناك مبارزة رئاسية داخل مجلس النواب بين عون وفرنجية، لقناعة بأن عون لن ينزل وفريقه النيابي الى المجلس لتأمين النصاب الا اذا كان يضمن انه المرشح الوحيد وان اكثرية النواب سيصوتون له.

نخب-الترشيح-من-معراب 

من يسبق الى بعبدا؟

من المفترض أن يعقد مجلس النواب في الثامن من شباط/ فبراير المقبل جلسته الـ35 لانتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية بحسب الدعوة التي وجهها رئيس المجلس نبيه بري، بعد فشل تأمين النصاب في الجلسة الأخيرة في السابع من كانون الثاني/ يناير الجاري، ولكن بعد ترشيح جعجع لعون وإصرار فرنجية على ترشيح نفسه، كما أعلن ليل الاثنين – الثلاثاء، اصبح هناك مرشحان معلنان للجلسة، الامر الذي قد يؤدي الى حصول معركة رئاسية طاحنة يكون الفائز فيها على <المنخار> اي بفارق صوت او اثنين على أبعد تقدير.

من حيث الشكل، فإن المرشحين يُعتبران حليفين لـحزب الله والنظام السوري وتنطبق عليهما صفة المرشح القوي التي توافق عليها الاقطاب الموارنة في بكركي في وقت سابق. من هنا يُفترض ان تشارك جميع الكتل النيابية في هذه الجلسة ما يعني تأمين النصاب القانوني وهو ثلثا عدد النواب البالغ عددهم 127، بسبب وفاة النائب ميشال حلو وعدم انتخاب بديل منه. وعلى الرغم من ان بعض القوى السياسية ترى ان الوضع الإقليمي لا يسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية وهو ما عبّر عنه وزير الداخلية نهاد المشنوق بصريح العبارة بعد زيارته جعجع منذ نحو أسبوعين، لكن مع افتراض ان حزب الله والتيار الوطني الحرّ قررا وقف مقاطعتهما جلسات انتخاب الرئيس وعُقدت الجلسة، فإن الدستور ينص في مادته 49 على ان يُنتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي. وفي حالة المجلس النيابي الحالي، فإن غالبية الثلثين هي 85 نائباً من اصل 127، اما الغالبية المطلقة فهي النصف زائداً واحداً، اي 65 نائباً.

 

عملية حسابية لفرز الاصوات

ماذا-بقى-منها؟

وفي طبيعة الامر، فإن ايا من المرشحين ميشال عون وسليمان فرنجية لا يستطيعان الحصول على اكثرية الثلثين، وبالتالي تنتقل الانتخابات إلى الدورة الثانية، وفي حساب عدد الاصوات التي سيحصل عليها كل مرشح انطلاقاً من الموقف السياسي الحالي، وهو قابل للتغير مستقبلاً، فإن الاصوات ستكون على الشكل التالي: مؤيدو ميشال عون 47 صوتاً ينقسمون بين التيار الوطني الحر 18 نائباً وحزب الله 13 نائباً بالإضافة الى القوات اللبنانية 8 نواب وحزب الطاشناق نائبان والحزب القومي السوري نائبان وأخيراً اربعة نواب مستقلين هم خالد الضاهر ومحمد الصفدي وميشال المر ونايلة تويني.

أما مؤيدو سليمان فرنجية، ومجموعهم 75 نائباً فهم تيار <المستقبل> 32 نائباً واللقاء الديموقراطي 11 نائباً يضاف اليهم نواب حركة <أمل> وعددهم 13 نائباً ونواب كتلة المردة 5 نواب ونواب كتلة الرئيس نجيب ميقاتي نائبان وهو العدد نفسه عند الحزب الديموقراطي اللبناني وحزب البعث، بالاضافة الى نائب واحد عن كل من الجماعة الإسلامية واليسار الديموقراطي وحزب الوطنيين الأحرار وخمسة نواب مستقلين هم بطرس حرب ونقولا فتوش وروبير غانم وميشال فرعون وسيرج طورسركيسيان. ويبقى قرار حزب الكتائب الذي تبلغ كتلته 5 نواب غير محسوم بعد.

وبنتيجة هذه العملية الحسابية، فإن الكفة تميل لصالح فرنجية الذي رفض حزب الله انتخابه، لانه اعتبر أن ذلك يؤدي الى عودة الحريري إلى البلد، وقد اعلن رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد موقفاً رافضاً لعودة الحريري الى البلد، وأعلن في خطاب له رفض مبادرة انتخاب فرنجية رئيسا حيث قال إن المسألة ليست مسألة شخص نسلمه موقعاً في رئاسة الجمهورية ثم لا يجد صلاحيات يستطيع ان يحكم بها البلاد، لأن كل الصلاحيات مصادرة من الشخص الموكل (اي الحريري) بحفظ سياسات هذه المملكة أو تلك الدولة، في إشارة إلى المملكة العربية السعودية.