17 November,2018

مـنــــــــــذ الآن

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

بعدما تقاسم <أبطال> لبنان الأرض والمياه والهواء على مدى أربعة عقود، لا نعرف نحن المواطنين من أين سيبدأ الرئيس ميشال عون في محاربة الفساد والقضاء عليه…

هناك شعور لدى الناس بضرورة الإسراع وعلى الفور، في نفض اليد من ملفات القضاء والإدارة وبعيداً من الضوضاء والأضواء، وبما يتلاءم مع رسالة القاضي والإداري وخصوصاً الديبلوماسي، المطلوب منطقياً وإنسانياً وعملياً أن يكونوا مجهولين كأي إنسان عادي من جانب المتقاضين والمحامين والمسؤولين والسياسيين والسفارات والمؤسسات.

المطلوب اليوم إعادة تكوين السلطة على أسس إنسانية، علمية، نقية ومتطورة، بالانتقال من البطولة العسكرية والسياسية الى البطولة الاجتماعية.

صحيح أن الزعامة الوطنية أو الاستقلالية هي أشد استهواء من الزعامة الإصلاحية، وان أصحابها عاشوا على أمجاد عسكرية وسياسية، لكن الصحيح أيضاً أن الزعامة الإصلاحية (فؤاد شهاب على سبيل المثال) هي أسمى بكثير لأنها تحرر المواطن من قيود يرى بعضها ولا يرى البعض الآخر…

ليست مهمة سهلة الانتقال من المزرعة الى الدولة، علماً أني لا أرغب في إهانة المزرعة لأنها منظمة ومنتظمة على عكس ما اعتدنا عليه نحن بشر لبنان على مدى سنين طويلة.

المطلوب من أجل الانتقال الإنساني والحضاري الى الدولة التي ذكرها الرئيس عون في خطاب القسم سبع مرات، حماية النظام الديموقراطي بتشكيل حكومة موالية، متناغمة ومتجانسة، يقابلها معارضون ومعارضة ومجلس نيابي يسائل ويحاسب بجدية، وأن يقرر الرئيس منذ الآن، مَنْ سيكون المهم في عهده.

المطلوب، وهنا المعركة الكبرى، قانون للانتخابات يوصل المثقف والمتعلم والذكي والخبير والنقي و<الآدمي> الى الندوة النيابية، ويكون البداية الجدية والفاعلة لكل تغيير وإصلاح.

المطلوب استرداد الأموال المنهوبة والمسروقة الى الدولة <المحلوبة>.

فهذه الأموال وحدها كفيلة ومن دون لعنة النفط، بحل مشكلة الديون والفقر.

المطلوب بناؤون مخططون منفذون في أشخاص الحكام.

المطلوب إزالة العداوة بين المواطن والدولة بحيث لا يعود المواطن مرحّباً في كل الأزمات بسقوط الحكام من دون تمييز وبنسف الإدارة من دون تمييز وبفضائح المشاريع من دون تمييز.

سيكون المشروع الأول والأكبر في تاريخ لبنان قانون انتخابات عصرياً ومناسباً للبنانيين، والمشروع الثاني والأكبر أيضاً الإدارة.

إدارة نظيفة، غير محسوبة على أحد، تستطيع معالجة آلاف المشاكل وتعمل بجدية.

والجدية هي أساس الثقة بالدولة، الجدية في السياسة والإدارة والقضاء والأمن والإعلام المتعلقة كلها بالمال والاقتصاد.

المطلوب إعلام صادق ودقيق ومتحفظ في آن، يمارس الرقابة الذاتية حين يتعرض الأمن القومي للخطر، كما يحصل في الدول الراقية، ولا يسهم في توتير الأجواء أو تسميمها، أو يفرض على الناس رأيه كل يوم، أو المنجّمين ساعة تشحّ الأموال ومن أجل <Raiting>.

من هنا، مطلوب من العهد الجديد، وقبل فوات الأوان، إعادة النظر في قانون الإعلام المرئي والمسموع، أو العمل على تصويبه بحيث لا يبقى سيفاً مصلتاً في يد النافذين.

أروي هنا ما جرى في أعقاب أحداث العام 1958، لعل في سردها ما يخدم أو يفيد:

استدعى الرئيس فؤاد الشهاب رئيس الكتائب الوزير في الحكومة الرباعية الشيخ بيار الجميل، وطلب منه إقفال إذاعة <صوت لبنان> التي كانت تبث من الأشرفية في أثناء الثورة، <لأننا نريد سوياً إعادة بناء الدولة واستعادة هيبتها>. فما كان من الشيخ بيار – رجل الدولة – إلا أن استجاب بعد تردد طبيعي ووجداني، وطلب من مديرها آنذاك الاستاذ جوزيف أبو خليل – أطال الله عمره – إقفالها.

ودّع الأستاذ الياس كرم رحمه الله، مستمعي الإذاعة وأنهى كلمته الوجدانية بالعبارة الآتية:

<أودعكم مستمعيّ الكرام، ولست أدري متى وأين وكيف سنلتقي من جديد، هنا <صوت لبنان>، صوت الحرية والكرامة>.

بعــــد سبــع عشــــرة سنــــة، أعيـــــد فتح الإذاعة وكرّت بعدها سبحة المحطات المسموعة والمرئية الى أن أصبحت جميعها وبفعـــــل المنـــــافسة الشريفـــــــة وغـــــير الشريفـــة مؤسسات تجاريــــــة ناطقـــــة، وحــــوّلت مهنـــــة الإعـــــلام الى استعراض رخيص.

إذا سار كل شيء على ما يرام، سيكون الرئيس ميشال عون، الوحيد بعد الرئيس شارل حلو الذي ستنتهي ولايته وليس فيها شيء من نهايته هو.

مجرد تمنيات من شعب منهك ينتظر ليحكم….

وفّقك الله.