18 November,2018

فرجت مع العساكر المحررين في عرسال، فهل تنفرج في قصر بعبدا؟

 

بقلم وليد عوض

اردوغان-بوتين الفرصة السياسية والوطنية يجب عدم تفويتها برئيس <صنع في لبنان>. فها هو البطريرك مار بشارة الراعي العائد من زيارة رعوية لألمانيا بعد أميركا الجنوبية يقول ان لبنان غير موضوع الآن على أجندة قادة العالم، وان القرار الرئاسي أولاً هو في أيدي اللبنانيين.

   وقد أعطى الرئيس سعد الحريري النائب سليمان فرنجية لفتة اسلامية بارزة تعززت بتأييد مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي قال بالحرف يوم الأحد الماضي: <لنا ملء الثقة بالرئيس سعد الحريري صاحب المبادرات الوطنية لإنهاء الأزمات التي تعصف بلبنان ونأمل أن نرى ثمارها الخيّرة في القريب العاجل بانتخاب رئيس للجمهورية>.

   لكن الكلمة الفصل في هذا الموضوع تبقى للمراجع المسيحية، وعلى رأسها البطريرك بشارة الراعي. وإذا كان ترشيح سليمان فرنجية يحتاج الى غطاء سياسي ماروني، فالمرشح لتقديم هذا الغطاء هو حزب الكتائب، وبذلك يعزز الحزب مكانته كقوة مارونية الى جانب القوتين الأخريين: العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع. وبذلك لن يقال بأن المسلمين هم الذين جاءوا برئيس الجمهورية، بل الموارنة أولاً.

   وقد أصاب البطريرك الراعي المرمى حين قال من <فرانكفورت> ان قيادات العالم مشغولة بقضايا أخرى، ورئاسة الجمهورية في لبنان ليست على أجنداتها، وأول هذه القضايا الأخرى أو الأزمات التي نشبت بين روسيا وتركيا، وعبثاً حاول الرئيسان الأميركي <أوباما> والفرنسي <هولاند> جمع الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> على هامش مؤتمر المناخ الدولي قرب مطار <بورجيه> الباريسي العسكري. فقد رفض <بوتين> أن يلتقي <بالسلطان> التركي إلا إذا قدم اعتذاراً عن إسقاط المقاتلات التركية لطائرة <سوخوي> الروسية فوق الأراضي السورية، وسقوط قتيل من الطيارين الاثنين.

   و<أردوغان> ليس في وارد الاعتذار، لأنه سبق أن قال ان رئيس الوزراء التركي <أحمد داود أوغلو> بعد استشارته أمر بإسقاط الطائرة التي اخترقت الأجواء التركية من دون أن يعرف ــ كما قال ــ هويتها، وما إذا كانت روسية أم غير روسية. والاعتذار كذلك مكلف، لأنه في القوانين الدولية يعني أن تركيا مضطرة الى دفع ثمن الطائرة التي جرى اسقاطها، والعطل والضرر اللذين ألحقهما الحادث بالدولة الروسية، ومنه فدية الطيار القتيل. وليس في الوارد عند <أردوغان> أن تتكفل تركيا بكل هذه التعويضات.

  

<بوتين> و<أردوغان>

   إنه هم الملف الأطلسي الآن، لأن تركيا جزء مهم من هذا الملف. ويقابله الهم الفرنسي الناجم عن الارهاب الذي ضرب مسرحاً ونادياً رياضياً ومطعماً سياحياً وخلّف 130 قتيلاً، والخوف أن يضرب الارهاب أمكنة خاصة في العاصمة الفرنسية، ولذلك استجمع الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> كل الامكانات والتحصينات اللازمة للحؤول دون تكرار المأساة. وما انتقال الرئيس <هولاند> الى باحة مسرح <باتاكلان> حيث وقع العدد الأكبر من الضحايا، الى جانب ضيف مؤتمر المناخ الرئيس الأميركي <باراك أوباما> لوضع الزهور مكان سقوط القتلى، إلا تعبيراً عن الكارثة التي أصابت الفرنسيين في عقر دارهم، واستحقت تعاطفاً أميركياً وعالمياً علي-اكبر-ولايتيبينها برقيات التعزية الى الرئيس <هولاند> من الرئيسين نبيه بري وتمام سلام.

   والتعاطف الأميركي لم يستطع في مؤتمر المناخ أن يصلح ذات البين بين الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> والرئيس التركي <رجب طيب أردوغان>، بل ان <القيصر> الروسي رفض أي لقاء على هامش قمة المناخ مع السلطان <أردوغان>، بل لم يوفره في مؤتمره الصحافي من الاتهام بأنه أقدم على إسقاط الطائرة إكراماً لعيون تنظيم <داعش> ومصالحه البترولية مع هذا التنظيم، وهو ما نفاه <أردوغان> جملة وتفصيلاً واعتبره تصعيداً للموقف الروسي من تركيا.

   ورغم براعته في تدوير الزوايا وتحويل نقاط الخلاف الى نقاط تفاهم، فإن الرئيس الأميركي <أوباما> لم يفلح خلال لقائه الخاص مع <بوتين> في إزالة نقاط الخلاف الأميركي ــ الروسي، ومنها الخلاف حول مصير الرئيس السوري بشار الأسد. فالرئيس الأميركي مصر على رحيل الأسد، ولو بعد عملية الانتقال السياسي. والرئيس الروسي يصر على أن بقاء الأسد أو ذهابه أمـــر يتعلـــق بــإرادة الشعب السـوري، وهو في ذلك صاحب القرار. كذلك لم يستطع الرئيس الأميركي أن يوصل حلقات التفاهم بين شريكه الأطلسي الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان>، والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> منعاً من أن يتحول هذا التصادم الروسي ــ التركي الى تصادم روسي مع الحلف الأطلسي.

<أوباما> وأوكرانيا

   كذلك لم يستطع <أوباما> أن يقنع <بوتين> بسحب قواته من شمالي أوكرانيا، ورد جزيرة <القرم> الى الأوكرانيين. فذلك بالنسبة للقيصر الروسي خط أحمر، وما دامت الولايات المتحدة والدول الأطلسية قد اختارت فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا بسبب أوكرانيا، فعليها أن تكمل المشوار وتختبر صمود الروس في هذا المجال. وبالمقابل لم يتمكن <أوباما> من تعديل رأي <بوتين> في الذهاب الى أقصى العقوبات ضد الرئيس التركي، بسبب حادث إسقاط الطائرة الروسية، وانتهى اجتماع <أوباما> و<بوتين> الى وادٍ غير ذي زرع.

   وكان <بوتين> في اجتماعه مع <أوباما> في باريس يعتقد انه الطرف الأقوى في المحادثات مع الرئيس الأميركي. لأن <أوباما> لن يمكث في البيت الأبيض أكثر من أحد عشر شهراً، ليأتي مكانه رئيس آخر، فيما <بوتين> جالس في قصر <الكرملين> حتى العام 2020، أي واحد ذاهب وآخر باقٍ حتى إشعار آخر.

   وطبيعي أن لا يكون ملف لبنان قد أخذ أي حيّز من محادثات <أوباما> ــ <بوتين>، فهما منشغلان بمشاكلهما، ولا فسحة في الأفق تخص عندهما لبنان، وعلى اللبنانيين أن يقتلعوا شوكهم بأيديهم، ويختاروا رئيسهم. وهذا ما أوحى به <علي أكبر ولايتي> المستشار الخاص للمرشد الإيراني الأعلى السيد <علي خامنئي>، وهو يزور الرئيس تمام سلام في السراي الحكومي يوم الاثنين الماضي. وترك الأمر للإرادة اللبنانية في نظر <علي أكبر ولايتي>، يعني حزب الله لأنه نسيج مهم من الكيان اللبناني، وما يراه حزب الله في اختيار الرئيس المناسب للبنان، تراه كذلك كل من دمشق وطهران..

   ولكن ما هي <الجيرويت> (أي البوصلة الهوائية) عند حزب الله؟! وقد جاء مشهد سليمان فرنجية في جلسة الحوار الوطني الأخيرة وهو يتبادل الابتسامات مع رئيس كتلة المقاومة في البرلمان الحاج محمد رعد ليوحي بأنه الرجل المقبول عند حزب الله، وحسبه في ذلك أنه من كتلة الممانعة، أي كتلة 8 آذار. وحزب الله في هذا الباب صادق في موقفه من العماد ميشال عون. فإذا كان عون يريد الرئاسة فله تأييد حزب الله، وإن كان قد أصبح عزوفاً عنها، فإن سليمان فرنجية هو حصان الرهان الرئاسي. وليكن ذلك واضحاً ومفهوماً، ولا مكان للمناورة أو اللعب من تحت الطاولة.

فرنجية-الجميلالمهم اتفاق الطائف

   هذا هو الموقف الإيراني. فما هو الموقف السعودي، وللسعودية وزنها الكبير في المجريات اللبنانية؟

   الهم الأول عند المملكة في معركة الرئاسة اللبنانية ألا يأتي الى قصر بعبدا رئيس له موقف سلبي من اتفاق الطائف الذي رعته المملكة السعودية مع كل من الجزائر والمغرب عام 1989، واضطلع فيه الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدور بارز مع وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل. ووصول رئيس الى قصر بعبدا حاملاً لواء تعديل اتفاق الطائف يعني هدم كل ما بنته المملكة السعودية من أجل حقن الدم وجمع كلمة اللبنانيين، وهذه المخاوف تحيط بوصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا، لأنه من الأساس كان واضحاً في رفضه لاتفاق الطائف منذ أن كان يحكم قصر بعبدا كرئيس للحكومة مقابل رئيس الحكومة الآخر الدكتور سليم الحص، بل وما تعرض البطريرك الخلوق نصر الله صفير للمضايقات داخل المقر البطريركي من جماعة عون، إلا لأنه أيد اتفاق الطائف..

   سليمان فرنجية حالة أخرى. فقد أيد اتفاق الطائف منذ البداية. وصداقة بيته السياسي متقادمة العهد مع المملكة السعودية منذ جده الرئيس سليمان فرنجية، وزوج عمته الدكتور عبد الله الراسي الذي عاش طبيباً في السعودية فترة من الزمن. صحيح انه صديق للرئيس السوري بشار الأسد، ولكن السياسة لا تلغي الصداقة الشخصية، كما ان وصول سليمان فرنجية الى قصر الرئاسة، إذا حالفه الحظ، سيتزامن مع مشروع الفترة الانتقالية التي يهندسها وسطاء التسوية السورية وأولهم المبعوث الأممي <ديمستورا>، ويكون الرئيس الأسد قد حزم حقائبه لمغادرة قصر المهاجرين.

   وقد تسلك الظروف اتجاهاً آخر، ولكن حتى ذلك الحين يبقى اسم سليمان فرنجية بقوته المسيحية وانعطافاته الاسلامية أفضل الحلول للعبور بلبنان الى شاطئ الأمان!

   وبداية شاطئ الأمان كانت مع الإفراج عن العسكريين اللبنانيين الستة عشر، صباح الثلاثاء الماضي، ورد المخطوفين الى أهلهم، والاحتفال في مخيم أهالي العساكر المحررين بالزغاريد. وهنا لا بد من تحية خاصة الى مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي أدار ملف تحرير الأسرى الستة عشر بذكاء ودهاء ومرونة وصمت، والصمت هو أفضل سلاح عاشته تلك المرحلة!