17 November,2018

مــيــثــــــــــــــاق 2016!

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

ينظر اللبنانيون الى أنفسهم وهم يستسلمون أمام السياسيين المستسلمين للإرادات الخارجية والعابثين بخيرات الوطن وجباله وأنهاره وأساساته.

ينظرون الى أنفسهم غرباء في وطنهم، يسمعون خطابات الاستجداء و<الشحادة> من على المنابر الدولية، مشدوهين لما آلت  إليه أمور النازحين ولا يعرفون لماذا كان هذا الدخول السهل وكيف سيكون الخروج الصعب.

يلتفتون الى الداخل الحزين، فيتفاعلون مع الجدلية القائمة حول الميثاقية، فيما المسيحيون المستقلون بدأوا يشككون بمسيحيّتهم طالما أن <القادة الكبار> لا يعترفون بهم، وينتظرون، أعني المستقلين، اجتماعاً مصيرياً في بكركي لتحديد من هم المسيحيون <الحقيقيون> في لبنان، وربما في الشرق.

هؤلاء المستقلون، وهم الأكثرية الصامتة وغير الصامتة، (بالإذن من الإحصاءات وأرقام عمرها أكثر من سبع سنوات)، يعرفون أن عدم الذهاب بعيداً في أي شيء، ميزة الحكام الذين عرفوا كيف يحافظون على مكتسبات الإنسان والأوطان.

كان الرئيس شارل حلو العليم والمعلم في هذا الشأن يقول: <انظروا الى التاريخ وكيف تحطمت مكتسبات الإنسان والأوطان. إنها من فعل حكام أصرّوا على الذهاب بعيداً في كل شيء وأحياناً كثيرة من أجل شيء واحد أو هدف واحد فحطّموا ما حطّموه وهدموا ما هدموه>.

اليوم، وبعد عقود على كلام رئيس لم يأتِ بأي قوة تمثيلية وانتهت ولايته كما الرئيسين فؤاد شهاب والياس سركيس ليس فيها شيء من نهايته، يعيدوننا الى الميثاق أو الميثاقية في ظروف مختلفة تماماً، وفي ظل تغييرات أساسية طرأت على العالم، وبمفهوم لم يكن في الحسبان ولم يخطر في بال قبل ثلاثة وسبعين عاماً.

إن الميثاق الوطني اللبناني لم يدوّن في وثيقة مكتوبة ليتمكّن الباحثون من تمحيصه أو تحليل محتواه، لهذا فإنه يشكّل منذ البداية مادة خصبة للنقاش والجدل في المضمون كما في التطبيق.

وأياً تكن الجدليات القائمة حوله فإن الاتفاقات التي تمّت بين الزعماء اللبنانيين عام 1943 سواء كُتبت أم لم تُكتب، قد سهّلت بل عجّلت في ولادة الاستقلال اللبناني.

لقد غاص الدكتور باسم الجسر طويلاً في أعماق الميثاق وبنى أطروحة الدكتوراه عليها وأصدرها في كتاب حمل عنوان <ميثاق 1943> عام 1978 بعيد انتهاء حرب السنتين 1975 – 1976.

يقول الجسر: <إن لبنان الوطن المشترك هو من أهم أهداف ميثاق 1943 الذي توصل اليه الفريقان والذي يجعل من لبنان وطناً يعيش فيه المسلمون والمسيحيون معاً>.

والرئيس صائب سلام اختصر محتوى الميثاق بأنه <ذلك الوفاق الروحي بين فئتين باعد بينهما الزمن وفرّقت بينهما الأحداث، وهو وفاق ولد بعد مخاض طويل وشاق تمتد جذوره وأسبابه الى العهد العثماني والانتداب الفرنسي>.

وشاطر الشيخ بيار الجميل الرئيس سلام هذا الرأي إذ اعتبر الميثاق <بمثابة تجسيد لآمال وأمانٍ وآلام عاناها اللبنانيون طويلاً> وأنه <انبعاث الشخصية اللبنانية الأصيلة وخصائصها ورسالتها عبر الأجيال>، ويرفض الجميل قول الذين ينعتون الميثاق بأنه مجرد تسوية جرت في ظروف عابرة.

إن جوهر الميثاق في نظر سلام والجميل وعدد غير قليل من السياسيين الذين عايشوا الاستقلال يلخص في نقطتين:

1 – إن المسيحيين يتخلون عن الحماية الأجنبية ويقبلون العيش في كيان وطن يعترف به كل أبنائه وجيرانه.

2 – إن المسلمين يقبلون بالكيان والوطن السيد والمستقل.

 في اختصار: لا وحدة مع سوريا ولا حماية من فرنسا، بمعنى أن تتخلى كل طائفة عن فكرة جعل لبنان وطناً خاصاً بها، أو عن فكرة ضمه الى بلد آخر.

ولعلّ أبلغ ما قيل في تلك المرحلة كلام كبير لكبير هو إدوار حنين وأورده الأستاذ إميل خوري في مقال جديد له:

<إن أخشى ما أخشاه أن يكون الميثاق الذي ضُجّ به كثيراً من فصيلة الكلام الذي فُرّغ من معانيه فبات لا يعني ولا يفعل، فإذا جاز أن يكون ميثاق الأمة محكياً، غير مكتوب، فلا يجوز أن يتغير مفهوم هذا الميثاق بتغيّر الأشخاص. فميثاق اللبنانيين الذي أحسبه ميثاقاً إيجابياً متحركاً فاعلاً يجب أن يكون ميثاقاً قائماً على الحياد ليكون نعمة لأبنائه وللعالمين أجمعين، وأن يكون موطن المحبة والكرم والحرية موطن الإنسان المتناغم العاقل، وملاذاً يلجأ إليه وبه يلوذ كل مضطهد فازع من بلاده إليه. فإذا لم يستطع أن يكون لبنان كذلك، فلن يستطيع أن يكون شيئاً غير ذلك. ومن أجل أن يكون كذلك، يجب أن يكون ميثاقه ميثاق الحياد عن الشرق والغرب، حياد كامل صادق ومخلص، حياد يستتبع حياد الأرض اللبنانية لا مقر ولا ممر، ويستتبع حياد الضمير اللبناني لا انحياز ولا تحزّب، حياد يكون بالنسبة إلينا، حكومة وشعباً، كنجم القطب به نهتدي وعلى ضوئه نسير>.

رحم الله رجالات فكر لبنان.