11 December,2017

مــواقف منسقــة بين بــــري وجـنـبـــلاط أنقــذت التسويــة وحافظت على الحريــري ”المعتـدل“ وحكومـتـه المتوازنــة!

 

بري-جنبلاطعندما كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط يطلق صفة <الصديق الكبير والحليف الثابت> على رئيس مجلس النواب نبيه بري، كان يختصر سنوات من التحالف بين الزعيمين الشيعي والدرزي لم تشوبها ذات يوم أي شائبة حتى في عزّ الخلافات بين الزعيم الاشتراكي وعضو الركن الآخر من <الثنائية الشيعية> أي حزب الله. وعلى رغم توالي الأزمات السياسية على مختلف المستويات، ظلت العلاقة بين عين التينة والمختارة عصية عن أي تراجع، لا بل زادتها التطورات صلابة وتجذراً. من هنا بدت مقاربة الرئيس بري والنائب جنبلاط للأزمة التي نشأت عن استقالة الرئيس سعد الحريري وما رافقها من ملابسات، قمة في التنسيق والتصويب إذ التقيا على قواسم مشتركة ميّزت تعاملهما مع الأزمة وتداعياتها، بدءاً من مواقفهما المعلنة، وانتهاء بتسليمهما بالدور الذي لعبه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في معالجة ظروف الاستقالة وتداعياتها، وصولاً الى النتائج التي أسفرت عنها.

ورصدت مصادر متابعة التجانس التام الذي ظهر بين الرئيس بري والنائب جنبلاط في محطات عدة من مسار الأزمة الحكومية، لعل أبرزها وقوفهما الى جانب الرئيس سعد الحريري في <محنته> ما ساعد في الحد من تأثيراتها السلبية على زعيم <المستقبل> من جهة، وعلى مسيرة التسوية السياسية في البلاد من جهة أخرى، ما شكّل ترجمة واضحة وفورية للقاء الثلاثي الذي جمع الرئيسين بري والحريري وجنبلاط في دارة الأخير في كليمنصو قبل أسابيع قليلة من <الاستقالة الملتبسة والمفاجئة> التي أعلنها رئيس الحكومة في الرياض وما تلاها. وتعتبر المصادر ان لقاء كليمنصو <استشرف> حجم الضغوط التي كانت تمارس على رئيس الحكومة، فكان من البديهي الوقوف مسبقاً الى جانبه وعدم تركه وحيداً في المواجهة التي رأى فيها الثنائي بري – جنبلاط آنذاك تصاعداً غير مسبوق.

حماية التسوية

وفي تقدير المصادر المتابعة أن الرئيس بري والنائب جنبلاط التقيا على أن الوضع في لبنان لا يحتمل مطلقاً إنهاء لخط التسوية الذي كانت ولادته قيصرية قبل عام وبعد طول انتظار، ما يجعل من الصعب إعادة عقارب الساعة الى الوراء لاسيما وأن المواجهة السياسية لم تكن سهلة وسط الغموض الذي تعيشه المنطقة والجوار اللبناني المشتعل. وتضيف المصادر ان توزع الأدوار بين رئيس حركة <أمل> ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وإن بدا غير منسق، فإنه أتى ليؤكد على التقاء الرجلين على التعامل مع الأزمة المستجدة من منطلق واحد هو مصلحة لبنان وعدم التفريط بأسس التسوية التي كان للرئيس بري وجنبلاط اليد الطولى في إنجازها والتي أثمرت عن انتظام في المؤسسات الدستورية مع انتخاب الرئيس عون وترؤس الرئيس الحريري حكومة العهد الأولى.

وتبرز المصادر نفسها حجم الدور الذي لعبه الرئيس بري والنائب جنبلاط، كل من موقعه، في المحافظة على فعالية الرئيس الحريري وضرورة استمراره في تحمّل مسؤولياته، فكان موقف بري من أن <العدول عن الاستقالة فيه عدالة>، فيما اعتبر جنبلاط أن <التسوية السياسية> هي الأنسب لمعالجة كل الأزمات في لبنان>.

كذلك التقى الرجلان على استراتيجية واحدة لإزالة كل ما برز من عقبات تحول دون عودة الرئيس الحريري عن استقالته سواء من خلال الاتصالات المباشرة التي أجرياها أو غير المباشرة، علماً أن جهد الرئيس بري في هذا المجال كان ظاهراً، في حين أن جنبلاط آثر العمل بصمت وبعيداً عن الأضواء باستثناء <التغريدات> المعبّرة التي كان يطلقها من حين الى آخر عبر <تويتر>.

والخلاصة المشتركة التي توصل إليها زعيم <أمل> وزعيم المختارة أنه لا بد من أن يلعب الرئيس الحريري من جديد دوره المعتدل على الساحة السياسية اللبنانية، وفي ذلك إشارة من الزعيمين أن لا بديل عن رئيس تيار <المستقبل> في الوقت الراهن وأي خيار آخر لن يكتب له النجاح، وبالتالي شددا على أن لا تغيير في الخيارات لاسيما بعد محاولة البعض تكريس زعامة سنية بديلة لزعامة الرئيس سعد الحريري.

وشددت المصادر على أن القناعة المشتركة لدى <الحكيمين> بري وجنبلاط في ضرورة التعاطي مع الأزمة الحكومية المستجدة بهدوء وبعيداً عن الانفعال، التقت مع الادارة الهادئة والفاعلة في آن للرئيس عون، وإن كان الثنائي بري – جنبلاط بقيا دون السقف الذي حدده رئيس الجمهورية في الحديث عن الملابسات التي مورست في حق رئيس الحكومة خلال وجوده في الرياض. ففي وقت سمى الرئيس عون الأشياء بأسمائها لأن المسألة <تتعلق بكرامة لبنان وسيادته وحرية قراره> – كما قال رئيس الجمهورية – فإن الرئيس بري والنائب جنبلاط اكتفيا بإشارات أقل وضوحاً عند الحديث عن وجود الرئيس الحريري في الرياض في ظروف ملتبسة، وكأنهما أرادا أن تكون مقاربتهما لهذه النقطة بالذات من الازمة مختلفة عن مقاربة الرئيس عون كي يتمكنا عندما يحين الوقت المناسب من لعب دور ايجابي في إعادة وصل ما انقطع بين بعبدا والرياض، لاسيما وأن الرئيس بري كان يختار كلماته بعناية عند الحديث عن الغموض الذي يكتنف مصير الرئيس الحريري، فيما آثر جنبلاط اعتماد الصيغ غير المباشرة عندما كان يتناول الظروف التي مرّ بها رئيس الحكومة في المملكة.

وتراهن المصادر المتابعة على أن يكون للرئيس بري والنائب جنبلاط المزيد من التنسيق في الآتي من الأيام للمحافظة على الحكومة الحريرية بعد توفير المناخات الملائمة التي تفتح للمطالب التي رفعها الرئيس الحريري باباً يمكن ولوجه للاستمرار في تحمل المسؤولية، لاسيما وأن بري وجنبلاط من الشركاء الأساسيين في حكومة الرئيس الحريري وهما يرغبان في أن تستمر هذه الشراكة بعدما أظهرت الأحداث صوابية الخيارات التي أفرزتها. وعليه، تضيف المصادر نفسها، فإن دور الرئيس بري في التنسيق مع قيادة حزب الله لتسهيل تطبيق بعض الخطوات المنتظرة على طريق الحل، سيكون أساسياً في الآتي من الأيام، فيما سوف يوظف جنبلاط صداقاته الدولية وعلاقاته مع عدد من المسؤولين في الدول الصديقة من أجل دعم التحرك اللبناني على خطي مواجهة مرحلة ما بعد سقوط التنظيمات الإرهابية من جهة، وتكريس سياسة النأي بالنفس من جهة أخرى، شرط ألا تؤدي المبالغة في التحرك الى نتائج سلبية.