20 September,2018

«مــــــــوج 98» تـجـسـيــــد لـبـحــــــــر بـيـــــــروت واخـتـصـــــار لـوجـهـيـهــــــا الـضـاحـــــك والـبـــــــــاكي!  

بقلم عبير انطون

CARL6857 بـ<اللحظة التاريخية> وصفت لحظة تسليم المخرج اللبناني الشاب ايلي داغر جائزة السعفة الذهبية في مهرجان <كان> الدولي في دورته الثامنة والستين عن فيلمه القصير <موج 98> بإدارة المخرج الموريتاني اللامع عبد الرحمن سيساكو وعضوية المخرجة اللبنانية جوانا حاجي توما. فاستثنائية اللحظة والجائزة في مهرجان حضن لهذا العام 2800 فيلم في مختلف اقسامه، يمكن تفسيرها في أكثر من مجال: أولاً، هي الجائزة الاولى التي ينالها عربي ولبناني من المهرجان السينمائي الاول في العالم، وثانياً لأن اختياره لم يكن سهلاً بين خمسة آلاف فيلم من زوايا العالم الاربع تقدمت لمسابقة الافلام القصيرة تمت <غربلتها> الى تسعة أفلام وأملت جميعها التزين بالسعفة، وما تفتحه من بعدها من آفاق محلية وعالمية لحاملها.

فمن هو ايلي داغر؟ ما هو موضوع فيلمه الذي حاز إجماع اللجنة المختصة؟ كيف استقبله وزير السياحة ميشال فرعون في بلده الأمّ وماذا قال عنه؟ وماذا قدمت له السلطات الرسمية غير عبارات التشجيع المعنوية؟

اكتشاف متأخر لبيروت..

يقع فيلم ايلي داغر في خمس عشرة دقيقة فقط يكتشف خلالها ملامح بيروت ويعيد بناءها برؤيته الخاصة. انها علاقته الشخصية مع مدينته بيروت، علاقة فيها الكثير من المشاعر المتناقضة الى حد السوريالية. <أردت ان أكشف من خلال الفيلم وقصته ما تمثله بالنسبة الي هذه المدينــة وما تعنيه لي حتى مع ابتعادي عنها. لم أستطع ان أنساها او ان أتخلى عنها، فأنا أتابع أخبارها وأحبها وأحمل همّها >.

عنوان الفيلم <موج 98> يأخذنا الى البحر، بحر بيروت الذي يحب داغر الاستمتاع به كلما جاء الى لبنان، موجه وأعماقه. أعماق غاص فيها داغر واختصرها: <فيلمي هو اختصار لوجهي بيروت الضاحك والباكي، لناحيتين متناقضتين عن المدينة تعرفت إليهما مع انفتاح المناطق بعضها على بعض بعد انتهاء الحرب وربما لاحظتم ان البطل يردد في الفيلم أكثر من مرة: <لا أريد ان أنتهي مثلهم>، مثل أهل ذاك الجيل من الآباء الذين مزقتهم الحرب وفقدوا لذة العيش. لقد صور داغر بيروت في أواخر التسعينات عروساً ضاحكة خفت رنتها حتى اختفت تقريباً فيما بعد.

 

عبير-3 حقيقة من <كرتون>..

 

استخدم داغر لفيلمه صيغة التحريك، او ما نعرفه بالأفلام الكرتونية. انها الموضة الرائجة اليوم في أكثر من فيلم عالمي، والمعروف انها من الناحية التقنية صعبة جداً وتتطلّب مهارات عالية وكانت الممثلة العالمية سلمى حايك قد اعتمدتها مع مخرجي فيلمها <النبي> لجبران خليل جبران، الفيلم الذي حملته الى بلد الأرز طالبة احتضانه لأنه رسالة من لبنان الى العالم. لبنان ايضاً، بسوريالية العيش فيه يقع في صلب فيلم داغر الذي عرف بلداناً أخرى ما جعل شعوره حيال بلده الأم أشد وأقوى، وأشعل تعلّقه بلبنان وبالحياة فيه. أمّنت له الدولة اللبنانية ثمن تذكرة سفره الى <كان> بعدما أنجز فيلمه بجهد شخصي وبتمويل من صندوقي<آفاق> و<الدوحة للأفلام> اللذين ساهما في الإنتاج. وطار داغر بمولوده الى المهرجان – الحلم حيث عرف التوتر والانتظار في تظاهرة سينمائية سبقه اليها الكثيرون ولم يعودوا بما عاد هو به مع فيلمه الاول، الفيلم الذي تفرّغ له طوال سنتين بعد ان كتبه على الورق في خلال 14 دقيقة فقط <ضمّنتها كل الافكار التي تراودني من دون ان يحمل قفلة عادية تاركاً للمشاهد ان يبحث بنفسه عن شعوره حيال بيروت، فيرد على أسئلته بنفسه>.

 صور داغر الشاب الثلاثيني مشاهد <موج 98> باللقطات الحية قبل ان يحوله الى فيلم تحريك، وأنهاه قبل الموعد العالمي المنتظر بأسابيع. يقول ايلي مسترجعاً تلك اللحظات: في المهرجان، عرض الفيلم في الايام الأولى، وهي عادة الأيام التي تعرض فيها الافلام الجيدة. ما طمأنه قليلاً هو الذي كان – بحسب قوله – يتوقع الفوز لأكثر من سبب، إلا انها لم تحسم قلقه الى ان جاء الاتصال المنتظر.. <لم استوعب الأمر>…  ارتبكت بعض الشيء وأنا أتسلم الجائزة من <سيساكو> الذي لن أنسى تعليقه على فيلمي قائلاً انه فيلم طويل (نسبة لما تضمنه وليس لمدته) ولم يجب ان يدخل فقط ضمن مسابقة أفضل فيلم قصير.. كنت أمام نحو 1400 شخص ولم أكن متحضراً تماماً لما سأقوله في لحظة مماثلة، فكان كلاماً من القلب وصل الى فؤاد من استمع الي. حتى الآن لم أخلُ تماماً الى نفسي لتحليل نجاحي وأسبابه، الا انني سعيد فعلاً بقدرة الفيلم على التواصل مع جمهور غريب عنه وتماهى معه فحظي بإجماع لجنة التحكيم. والاهم في <سعفة> داغر انها ستشكل باباً واسعاً لإنتاجات أخرى مقبلة منها عملان بدأ بالعمل عليهما قبل <موج  98> حتى، وقد يكون بينهما فيلم روائي طويل سينفذه ايضاً على طريقته الخاصة، مبدئياً، بالأسلوب نفسه واللغة اللذين اتبعهما في فيلمه الفائز…

الجنوب.. الزلقا.. بروكسل

 ايلي داغر الشاب الآتي من <مراح الحباس> في الجنوب اللبناني عاش مع عائلته المتواضعة في منطقة الزلقا، درس فن التحريك والرسم الكرتوني في جامعة <الالبا>، وهو الفن الذي استهواه منذ الطفولة قبل ان ينهي دراسته العليا في لندن عن الفن المعاصر، منتقلاً بعد ذلك للعيش في بلجيكا حيث يقيم ويعمل اليوم <فري لانسر> من دون ان يصير مواطناً بلجيكياً نهائياً بانتظار الجنسية التي نتمنى ان لا تسرقه من حضن وطنه الأم.. لم يتعرف ايلي الى بيروت قبل سن السابعة عشرة، فبعد الحرب كان التجول غير مستحب وكانت كل جماعة تعيش في شبه عزلة عن الأخرى ما جعل اكتشافه لمدينته التي نسج معها علاقة قوية فيما بعد متأخرة انما خاصة. راح عالم الاخراج <يحركش به> وهو لم يكن يرى في الصناعة السينمائية اللبنانية مستقبلاً محفّزاً قبل ان تتقدم به أفلام مخرجين لبنانيين شباب وضعوه على لائحة السينما من غسان سلهب ونادين لبكي وزياد دويري وغيرهم.. اما المخرجون العالميون الذين جذبه احترافهم، فيأتي على رأس قائمتهم <ديفيد لينتش> وهو مخرج أميركي وسيناريست ومنتج ورسام وفنان كرتوني وملحن وفنان <فيديو> ومؤدٍ أميركي. حصل على ثلاثة ترشيحات لجائزة <الأوسكار> لأفضل مخرج عن أفلام <الرجل الفيل> (1980)، و<مخمل أزرق> (1986)، و<طريق مولهولاند> (2001). والحائز كذلك جوائز من مهرجـــــان كان السينمائي الى <جيـــــم جارموش> الدارس في <السينماتيك> الفرنسي في باريس و<كريس ماركر> المبدع.

صورة-ايلي-داغر-مع-ميشال-فروعن

 مي متى ويولا سليمان

 بطل <موج 98> هو عمر مراهق حزين قاسي الملامح تتطلب وقتاً من مبتكره، المخرج داغر، حتى حدّد ملامحه ووضحها، فهو حزين متعب لديه شعور دائم بالملل. يظهر أمامه فجأة تمثال فيل عملاق لونه أصفر ذهبي يرافقه الى عالم موازٍ الى حيث العيش أحلى، الى سماء مرصعة بالنجوم، عالم يتفتح على المشاهد من بين مباني بيروت العالية فتظهر المدينة وكأنها معلقة. هي مدينة بيروت الحقيقية، ارتسمت عنها صور فعلية تعود الى أيام الحرب في لبنان، وفيها الاسلحة التي استخدمت والتجمعات التي كانت تسببها الانفجارات، وفيها مي متى ويولا سليمان مذيعتا الاخبار الشهيرتان في تلك الحقبة. الا ان شخصيات بيروت كرتونية ترجمت في مشاعرها ما عرفه داغر من خوف وقلق وهواجس وهو بعد مراهق، وفيها شخصيات حقيقية تسكن ذاكرته وفيلمه، شخصيات شكلت الفاصل بين بطل الفيلم والواقع الذي يعيش فيه. في بيروت داغر، كائن فضائي <يرمز الى الفقاعة التي يعيش كل منا داخلها في العاصمة منفصلاً عن الواقع الاجتماعي او السياسي الذي يتخبّط فيه>.

عمر هو في مكان ما، ايلي نفسه، مراهق يمل التكرار في كل شيء من حوله ويتابع نشرات الاخبار باستمرار، تلك الاخبار التي لم تتغير يوماً منذ أواخر الثمانينات في السياسة ومقومات العيش حيث لا كهرباء ولا ماء، وحيث <تخدّر> المواطن عن اي رفع للصوت. عمر، كما داغر، يرغب بأخذ النفس بعيداً عن ضوضاء المدينة وضواحيها المكتظة وصخبها والغبار المظلل لسمائها وأبنيتها العشوائية التي تأكل المساحات الخضراء على حساب التاريخ والتراث والبيئة والتجاوزات في كل شيء.. هو يعرف ان الغرق آتٍ لا محالة في عالم يمشي نحو الانهيار دون اي تغيير في واقعه، والمخيف ان الناس والشباب تعودوا على ما يعانونه وما عاد هناك من حوافز حياتية تحركهم للعيش الافضل، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن داغر يدعو الشباب اللبناني الى التمسك بالأمل.

فرعون: ايلي النموذج!

وصف <موج 98> بـ<التحفة الفنية> الجديدة من نوعها والتي قد تشكل العنوان العريض لمرحلة سينمائية لبنانية جديدة. ايلي داغر سعيد بهذا الوصف وبمساهمته في ازدهار الحياة الثقافية في لبنان، وقد لاقت الجائزة صداها الواسع في بلده إذ كرمه وزير السياحة ميشال فرعون. الإنجاز يعتبره فرعون استثنائياً: <هذا الإنجاز لم يدخل السينما اللبنانية إنما سجل السينما العالمية وأعتقد ان الحدث هو استثنائي ويدل على ان النموذج الموجود في لبنان من الطاقات اللبنانية يعكس نوعية ومستوى استثنائياً للسينما في لبنان. ففي الوقت الذي يعم الظلام المنطقة خصوصاً على الصعيد السياسي في لبنان نرى إنجازاً لبنانياً هو نور حقيقي نراه في المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. نعم ايلي داغر ابن الابداع اللبناني والفن اللبناني والشباب اللبناني الذي ينجح في العالم، وبفضل هذا الجيل، أصبح لبنان على الخارطة العالمية مع المدافعين عن السينما اللبنانية أمثال مكتب السياحة اللبناني في باريس وسينما لبنان و<35 ملم> و<متروبوليس> والذين تمكنوا من عرض انتاجهم السينمائي في <كان>، وفي اي احتفال سينمائي عالمي، وهو يشجع المخرجين في دول العالم على إخراج أفلامهم في لبنان مع فريق كبير من اللبنانيين الذين يتخرجون اليوم من جامعاتهم>.

 النجاح قطفه ايلي داغر من أعلى المنابر السينمائية العالمية ولبنان بانتظار جديده علّ الصناعة السينمائية تعيده كما غيره من الشباب المهاجر الى حضن وطن رأس ماله الأول أدمغة شبابه.