19 November,2018

مــــــــــأسـاة مـــــــــلهـاة!  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208لبنان مأساة ملهاة.. تارة تبدو الحالة فيه مأسوية وتارة أخرى مسخرة. مرّة تُختصر قضيته الكبرى باسترداد الدولة هيبتها لتعود ملح الأرض، ومرة أخرى تنزل الى مستوى النفايات ولا شيء يعلو على غسيل منشور على سطح كوكبنا المثقل أصلاً بكل ما لا يُحتمَل… إنه زمن السقوط…

دولتنا مضطهدة، إنساننا يتاجر بأخيه الإنسان وبكل ما تصل إليه يداه، ساستنا يراكمون الموتى ليبنوا أمجادهم على ذكراهم.

شعب بكامله يغفو في سبات عميق، لا يوقظه سوى نداء واحد يخدم صاحب النداء هو نداء الطائفية والمذهبية واسترداد الحقوق.

شعب بكامله ينام كما نام أهل الكهف، ولا يقوم إلا لخدمة الزعيم ومن أجل تجمّع يريده الزعيم أو تحرّك في سبيل الزعيم، أو حرب ما من شنها بدٌّ اختار توقيتها الزعيم. لا الرئاسة توقظه ولا تعطيل العمل الحكومي يحرّكه، ولا الشلل النيابي يوعّي فيه الشعور بالخطر، ولا الظلمة تأخذه الى محطة توليد الطاقة، ولا البطالة تحضه على التظاهر، ولا قطع الشجر أو تحطيم الصخور أو ردم البحر أو السرقات الكبرى تدغدغ فيه الحسّ الوطني والشعور بالمسؤولية.

حتى <النق> المشهور الشعب اللبناني بممارسته تلاشى وأصبح الصمت والنوم العميق سيِّدَي الحياة الخالية من أية روح.

وحده الزعيم يحرّك فينا كل أحاسيسنا، هو من يجعلنا ننتفض ونقوم ونهرول، ولكن إلى أين… الى الحرب <دفاعاً عن شرفنا وعرضنا ورزقنا>…

<الزبالة> على علو 500 متر. ما همّ! الكهرباء أصبحت من التاريخ! ما من مشكلة، الجغرافيا أصبحت تاريخاً، بسيطة…

المهم أن يبقى الزعيم مرتاحاً، راضياً، سعيداً حتى ولو حوّل الحق الى باطل والباطل الى حق، وصالح الخصم إذا تقاطعت مصالحه مع مصالحه، وهاجمه إذا تناقضت مصالحه مع مصالحه…

وإذا أردنا أن نقارن بين زعامة <أدولف هتلر> وزعامة لبنانية نقول من دون تردد: إن الشعب الألماني كان ليساير <هتلر> لو قال له ان اثنين زائداً اثنين يساويان خمسة، فيما الشعب اللبناني أو بعضه طبعاً يقتنع بأن المجموع هو خمسة إذا زعيمه أراد ذلك.

إنها مأساة ملهاة تجعلنا نترحم على سعيد تقي الدين الذي وصف الرأي العام بأنه <بغل>.

إنهــــا مــــأساة ملهــــــاة، عندمـــــا نرى بعض <كبارنا> وبعض أحبارنا يثرثر كل يوم ويحدثك عن الشعب وحرية الشعب وقـــرار الشعب وخيارات الشعب وانتخابات الشعب.

إنها مأساة ملهاة، عندما يتسمّر الناس أمام شاشات تخدّر أعصابهم وتطفئ عقولهم، وتفسد نفوسهم وأخلاقهم.

إنها مأساة ملهاة، عندما تغمر النفايات بلد الأرز وفي الوقت نفسه تُسرق حياة الناس وأرزاقهم، وتهدَّد مصائرهم وتُدفن آمالهم، ولا نقدر على إسماعهم ان المسؤول هو نحن.

ويحدّثونك دائماً عن الزعيم وقوته و<هضامته>، عن <الكاريزما> النعمة التي خصه الله بها، <الحمد لله انه موجود ولولاه ماذا كان سيحلّ بنا؟!>…

الحمد لله لدينا زعيم لا دولة، أو دولة الزعيم، لا رجل الدولة أو رئيس الدولة.

لم يعد أحد منا يذكر أو يتذكر أو يسمّي بناة عصر النهضة الذين أسسوا لفكر لم يدم طويلاً.

أين هم، فليقوموا من قبورهم ويصرخوا بنا قائلين:

<قوموا من تحت الردم، أَسمِعوا كلماتكم من به صمم سياسي وغنى فاحش، ردّدوا ما قاله المطران يوسف عقل في المأتم الشعبي لا الرسمي الذي أراده العميد ريمون إده لوالده الرئيس إميل إده: <نعشك عرشك، وعروشهم نعوشهم>…

فلنعلِّم أولادنا القيم الإنسانية والأدب والشعر، ولنذكّرهم بأن القناعة كنز لا يفنى، ولنصوّب لهم البوصلة قائلين: <لا تخافوا لأن من يخيفكم سيكون الخائف الدائم من علمكم ووعيكم وثقافتكم، ومن الدولة>…

فَلْنثر بحضارة في وجه كل من يمارس علينا ثقافة التخويف، ولنتغلب عليهم بذكائنا وحسن اختيارنا.

ولنرجعهم الى بيوتهم خائبين، مغلوبين بقانون من اين لك هذا.

وللتذكير فقط، فإن الحرب الأهلية أو الحروب الاهلية بين 1840 و1860 والتي انتهت بنزول القوات الفرنسية في لبنان، كانت أسبابها الحقيقية صراع الأهالي ضد العائلات الإقطاعية فحوّله الإقطاعيون الى صراع طائفي.

إنه المفترق، والمصير، فلنبنِ لبنان الجديد قبل فوات الأوان وإلا، فلنطالب بوصيّ جديد، أو انتداب جديد، أو متصرفية جديدة…