20 November,2018

مـــــــــرض الـكـبــــــــــار

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

ها هي أزمة الشرق الأوسط، وكما توقعت تنبؤات لا تُعدّ ولا تُحصى قبل أربعة عقود، تنتقل الى مختلف أنحاء العالم بأشكال مختلفة، وتحوّلت الى برميل نفط موضوع فوق نار حامية، هي خليط من غازات مشتعلة من القوميات التي تحتاج الى تطويق سريع كي لا تشعل العالم كله.

إن الأحداث التي استخفّ بها العالم بارتداداتها امتدّت لتصل الى اليابس بعد الاخضر، ولتبيّن أن الشرق الأوسط ليس المريض في عالم سليم، بل المريض هو عالم الكبار.

لقد سلّح الكبار الصغار اعتقاداً منهم بأنهم سيبقون صغاراً، فإذا بترسانة السلاح تنقلب ضدّهم، ويتحوّل الصغار الى وحوش كاسرة يتطلب الأمر جهوداً غير عادية للقضاء عليها.

الكبار يريدون حقوق الإنسان في كل مكان إلا المكان الذي تذهب لاحتلاله قوات من قِبَلِهم ثم يتساءلون: لماذا يحدث ما يحدث في هذه المنطقة أو تلك؟ ثم يتساءلون: لماذا لا يحدث ما يجب في نظرهم أن يحدث؟

إن أزمات المنطقة دليل فشل الكبار الذين لم يستطيعوا أن يقدموا للعالم أي حصيلة إيجابية، وقد تكون أحداث سوريا عقوبة للغرب وإحراجاً للشرق. وهي في كل حال محك للفريقين.

من هنا، فإن انتقال النار من لبنان الى دول المنطقة، والاضطراب الذي يلفّ العالم، لا يعنيان أن النار أُطفئت في لبنان والاضطراب هدأ، فالمطلوب الاستفادة من الاستقرار النسبي الذي يتميز به هذا البلد عن المنطقة، بالعودة الى الدستور وتطبيقه بحذافيره قبل الشروع بورشة إصلاح يقوم بها مَن تبقى من حكماء ويشارك فيها شباب لبنان المثقف، إذ ان هذه الفئة – أعني الشباب – هي التي كرّست مقولة إن لبنان شعب وليس دولة وهي التي ستؤسس لمقولة أن لبنان دولة بشعبها.

إن اللبنانيين لن يسألوا بعد اليوم عن كيفية بناء دولة، بل عن ضرورة وجودها بالوسائل القانونية والمنطقية والضرورية، فهم بحاجة إليها، الى جيشها ودَرَكِها وشرطتها وموظفيها.

هم لا يريدون بالتأكيد فاشلين يستمدون وجودهم أو قوّتهم من طوائفهم، ولا أن يكونوا كمية من الضحايا أو مجموعة من القَتَلَة أو مواطنين يسعون الى الفساد.

وهم يريدون دولة ديموقراطية تُبنى بمزيد من الممارسة الديموقراطية، بل بممارسة الديموقراطية بمزيد من الوعي والمعرفة وسعة الاطلاع.

وإلا فَلْيَبْنِها طاغٍ ذكي وعادل، لأنه وحده – ربما – قادر على تربية الطفيليات، وانتشال بلد غارق في انعدام القيم، ويكاد شعبه لا يتعامل إلا بالتزوير والتهريب، ويفقد صفة بلد النُّور (بضم النون)..

إن شعباً أسهم في صناعة عصر النهضة، وصدّر أروع شبابه الى العالم، وقرّر في الاستفتاء البلدي قبل ثلاثة أشهر المحاسبة وتحويل بعض القيادات الى طبول فارغة، لن يتراجع ولن يستسلم، وسيكون نداؤه على هذا المستوى الى العالم الكبير المتراجع والمستسلم أمام مرشحين أقل ما يُقال فيهم إنهم عاديون!

إن شباب لبنان مرتاحون اليوم أكثر من أي يوم مضى لأن الأحزاب والتيارات غير مرتاحة، ويستمدون قوتهم من فراغ بدأ يكبر ليملؤوه هم بعلمهم وثقافتهم ووعيهم، من فراغ أحدثته الأحزاب والتيارات بفعل الفراغ في الرؤية والخفّة في معالجة شؤون الوطن.

إن شباب لبنان مرتاحون اليوم أكثر من أي يوم مضى لأن الأخبار ولاسيما العاجلة منها لم تعد تهمهم ولا يصدقون معظمها.

إن شباب لبنان مرتاحون اليوم أكثر من أي يوم مضى، لأن سياسيي لبنان تعرّوا قبل أن يتفقوا على تسمية ورقة التين وشاحاً…

مرتاحون لأن الحرام سيرحل ومعه أهله..

مرتاحون لأن الأعجوبة اللبنانية أبقت على جيش لبنان قوياً متماسكاً قاهراً الأعداء والمتربصين شراً ببلد الأرز.

مرتاحون لأن التربية في لبنان لن تكون بعد اليوم سوى بين أيادٍ بيضاء تسلّم الاجيال الصاعدة شهادات ناصعة وتعيد المستوى الى ما كان عليه زمن آبائهم وأجدادهم.

نعم، هؤلاء الشباب يدركون اليوم أن ما صنعه الأجداد لن يفرطوا به بعد اليوم.