19 November,2018

مـــــاذا فـعـــــل فــــــؤاد شـهــــــــاب؟

بقلم سعيد غريب


SAM_5208

<إن عمر ولايتي لم يكن ست سنوات بل سنتين من 1962 الى 1964، في السنوات الأولى كان عليّ ان أزيل رواسب ثورة 1958، وان أساير يميناً ويساراً وان استرضي الزعماء والأحزاب، أي أن أعيد القطار اللبناني الى السكة. ولكني كنت أعتقد دائماً ان المشكلة في لبنان، وفي معظم المجتمعات، هي مشكلة اقتصادية اجتماعية، وان أي اصلاح سياسي أو انتخابي يبقى سطحياً ومؤقتاً ومحدود الفائدة إذا لم يقترن باصلاح اقتصادي اجتماعي>…

هذا الكلام نقله عن الرئيس فؤاد شهاب الأستاذ باسم الجسر.

لم يكن الرئيس فؤاد شهاب ثورياً ولا اشتراكياً ولا يسارياً، ولكنه أدرك ان الرأسمالية المتوحشة أو الليبرالية المطلقة التي يطبقها رجال الأعمال اللبنانيون ستؤدي الى توسيع شقة التباين بين الفئات والطبقات وبالتالي الى تحريك التناقص الطبيعي، كما أدرك بعد الدراسات التي وضعتها بعثة <ايرفد> انه من الضروري تطوير الاقتصاد اللبناني تدريجياً نحو مزيد من الصناعة والانتاج، وانشاء المؤسسات اللازمة لعقلنة الاقتصاد وابعاده عن الاستغلال الجشع وحمايته من الأزمات التي تهدد أي نظام اقتصادي حر في العالم.

لم يكن يريد تغيير النظام الاقتصادي الحر ولكنه كان يصرّ على بناء مؤسسات حديثة ــ كما فعلت الدول الغربية ــ لحماية الاقتصاد والتخفيف من الاستغلال والظلم الاجتماعي.

ولكن بعد انتهاء ولايته العام 1964 زاهداً في الحكم رافضاً بشكل غير قابل للنقاش فكرة التمديد أو التجديد، وبالنظر الى التطورات التي شهدتها الساحتان المحلية والاقليمية حتى العام 1970، توقف تنفيذ كل المشاريع الاجتماعية التي وضعها شهاب، وانتقلت البلاد الى عصر جديد مهد للحرب التي استمرت خمس عشرة سنة…

وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على التجربة الشهابية، ماذا بقي منها؟ والى أين ستؤول الأمور في البلاد <المكربجة> والمعطلة؟ أين المجلس الاجتماعي ــ الاقتصادي؟ أين وزارة التصميم؟ ماذا حل بالمؤسسات والطرقات والكهرباء والمياه والتعليم والخدمات والتقديمات؟

ــ المجلس الاجتماعي ــ الاقتصادي متوقف عن العمل منذ اليوم الأول لانشائه.

ــ وزارة التصميم توزعت على أربع وعشرين حقيبة ولم يبق من تصميم سوى تثبيت الحقائب لأصحابها.

ــ الطرقات تقصّر الأعمار، ووسائل النقل العامة معدومة.

ــ الكهرباء بلا نور.

ــ المياه كانت عذبة.

ــ التعليم يوزع الشهادات على المستحقين والفاشلين.

ــ الخدمات للذين يسمعون الكلمة ويمارسون فعل الطاعة.

ــ التقديمات لمن له مونة على النافذين.

ومن جديد، نردد السؤالين المتلازمين: هل لبنان بلد موحد يجب تقسيمه أم بلد مقسم ويجب العمل على إعادة توحيده؟

الفرصة اليوم متاحة مع بداية عهد جديد وحكم جديد وارادة جديدة، مع عدم اغفال حقائق مرة تمثلت بتفويت حكام لبنان عشرات الفرص على مدى عشرات السنين، تارة بالافتقار الى الذكاء وتارة أخرى بسبب الفائض في الذكاء الهدّام!

الواقع يقول ان لبنان يقف اليوم أمام المفترق، بين ان يكون أو لا يكون، بين ان يبقى موحداً أو يزول، بين أن يعود موطن الحرية والديمقراطية والانفتاح أو يفقد مبرر وجوده، بين أن يصون هويته ومعها دوره ورسالته أو يفقد كل هوية ويفقد معها طموحه الى مكان كريم تحت الشمس.

وإذا كنا عاجزين عن ايجاد حل لخلافاتنا الداخلية في مرحلة يكتب فيها مصيرنا لأجيال وأجيال، فكيف نكون شعباً يستحق الحياة؟

لقد صنع اللبنانيون بمساعدة الخارج أو بضغط الخارج أو بقوة الخارج عشرات الاتفاقات السياسية وباءت جميعها بالفشل أو لم يكتب لها النجاح في احسن الأحوال.

انتجوا مع الخارج آخر اتفاقين ولم تعرف الأزمة إلا المزيد من العقد والتباينات.

حاولوا علناً إلغاء الطائفية ولكنهم عملوا في السر على استغلالها حتى بلغت حد المذهبية.

درسوا عشرات القوانين الانتخابية ورست بهم الحال عند قانون عمره أكثر من نصف قرن.

جربوا التقسيم على مدى خمس عشرة سنة فجاءت حصيلة المواجهات بين الطائفة الواحدة ضعفي المواجهات بين طائفة وأخرى!

اليوم جاء فرجٌ ما، ولا نريد نحن الشعب المتعب العودة الى طرح الاشكاليات الداخلية المملة والمتعبة، والقول بأن نظامنا أعطى الدليل تلو الدليل على عجزه عن أداء الدور الطبيعي الذي يؤديه عادة أي نظام ديموقراطي، أي دور صمّام الأمان!

ففي ديموقراطيات العالم الأكثر أصالة، كلما نشأت مشكلة كانت معالجتها تأتي بالطرق الديمقراطية من خلال المؤسسات الدستورية، فقبل أن تتطور المشكلة الى أزمة مستعصية أو محنة عاتية، تتحرك آليات النظام لحسمها..

نحن لا نريد أكثر من ذلك، ولا نحلم بالعظائم، حسّنوا نظامنا، وتعلموا من فؤاد شهاب، وإلا <زيحوا من الطريق>…