23 August,2019

”مــسـيــــــــو بــشــــــــارة“: هـــــــل يــمـكـــــــن لــــــمــثـقـف كـبــيــــــر ان يــحـــــب راقــصــــــة شـــــرقـيــــــــة؟!

 

بقلم عبير انطون

حتى التاسع عشر من أيار/ مايو يستقبل <مسرح مونو> <مسيو بشارة> وهي مسرحية <ناعمة ومؤثرة> كما يصفها القيمون على العمل، الا ان المُشاهد قد يضيف اليها الكثير من المزايا بعد. مثقفة من دون <تفلسف>، عميقة ببساطة، فيها الحب والشغف والوجودية وعيش اللحظة، وفيها الآخر ونظرته، وفيها جهلة الستين وعيش الفنانين، وفيها الجيل الجديد التائه، وفيها العنوسة، وفيها الزواج والطلاق والاستغلال، حتى السماء وقديسوها موجودون، وفيها العديد بعد ما يجعل مشاهدها مشدودا لها حتى اللحظة الاخيرة، يكشف ثناياها متشوقا لما تقدمه له باقة من الأسماء جعلت العرض كريما بالمتعة التي يقدمها، سخيا بافكاره وضحكاته وقفشاته.

 فهل <مسيو بشارة> موجود فعلا؟ كيف رسمه في كتابته الكسندر نجار، وكيف اخرجته الى الخشبة لينا ابيض؟ على أي أساس تم اختيار الممثلين وماذا عن كواليس العمل؟

<بشارة بو بشارة> الذي يؤدي دوره الممثل القدير أنطوان بالابان، وهو أستاذ لمادة الفلسفة يعيش حياة <عنوسة> مع شقيقته العزباء جيلبرت (جوزيان بولس) واين عمّهما اليتيم ألبير (رافي فغالي). و<مسيو بشارة> هذا متقلب المزاج ومهمل لنفسه، مهووس بالكاتب والفيلسوف الفرنسي <جان بول سارتر> الذي خصّص له أطروحة الدكتوراه الخاصة به. وفجأة تنقلب حياة <مسيو بشارة> رأساً على عقب بسبب لقائه جارته <سالومي> أو <لولو> (إميليا زيدان) التي تسكن في الطبقة السادسة من المبنى، وهي راقصة جميلة مطلّقة. وتحت تأثير سحر الجارة الجميلة عليه، تحوّل <مسيو بشارة> كلياً، بين ليلة وضحاها، ووجد نفسه في مغامرة أكبر منه…

من حادثتين واقعيتين استلهم المحامي والكاتب الفرنكوفوني الكسندر نجار قصة <بشارة بو بشارة> والاثنتان طريفتان. فالمؤلف الذي كتب حوالى ثلاثين كتابا ترجمت الى اثنتي عشرة لغة، والمسؤول عن الـ<اوريان الثقافي>، استلهم حكاية <مسيو بشارة> أولا من قصة حب جمعت ما بين مغنية لبنانية مشهورة ومحاسب مسنّ عرف الافلاس حتى لا يخسرها، واستقاها ايضا من مرافعة زميل له أثناء المحاكمة توجه في خلالها الى القاضي بجدية صارمة بالقول: ان المتّهم، وهو استاذ في الفلسفة، يجب ان يتم التعامل معه كـ«مخرّب> ومحكوم عليه تحت حجة انه كان يستخدم في الصف نصوص الفيلسوف <جان بول سارتر> التي تهدف الى إفساد عقول الشباب. وقد صدم القاضي من قوله هذا فأجابه بسخرية: <هيك لكن طلع كل الحق ع على جان بول سارتر>! <… كان الامر على درجة من السوريالية حتى انني اقسمت على استغلال هذه الحادثة المضحكة…

علاقة ممكنة؟!

لطالما جذبت العلاقة التي تربط ما بين مثقفين كبار ومـمثلات بشكل خاص، الكـاتـب نجار، وهما، المثقفون والممثلات، من عالمين مختلفين. في هذا المجال يستعرض العلاقة التي جمعت <أرتور ميللر> و<ماريلين مونرو>، و<رومين غاري> و<جان سيبيرج>، و<البير كامو> و<ماريا كازار>، او الثنائي <بيرنار هنري ليفي> و<ارييل دومبازل>، حتى انه استحضر ايضا الروائي الايطالي الكبير <البرتو مورافيا> الذي نشر في العام 1961 حوارا مع الممثلة <كلوديا كاردينالي> وقد سألها عن الجمال والجسد طارحا عليها اسئلة فائقة الحشرية كمثل سؤالها <كيف تخرجين من مغطسك؟ أو بأية طريقة تبرجين عيونك؟> في كتاب غير متوقع يشير الى علاقة الانجذاب التي أثارها كاتب المسرحية.

ونجار الذي يتابع عن قرب المسرح المعاصر، بينها مسرح مواطنه الموهوب وجدي معوض، انهى منذ فترة وجيزة صياغة روايته الاخيرة <هاري وفرانز> الى المسرح. المسرح الذي احبه منذ طفولته واهتم لكبار كتابه. أما لقاؤه مع المخرج المسرحي الكبير <بيرج فازيليان> فكان حاسما في هذا المجال. عنه يقول انه، وكما زميله جلال خوري مسكونان بالمسرح وشغفهما كان تواصليا.

مسرحيته الحالية يصفها نجار بـ«الساخرة، الكوميدية، والخطيرة في الوقت عينه>، وهي كما جميع مسرحياته مستوحاة من الواقع اللبناني. في عمله السابق <Le Crapaud> تناول الرقابة و”انحرافات> العدالة. وفي <L’inattendue> طرح موضوع التبني والخبث في كنف العائلات التي تخفي اسرارها… اما <مسيو بشارة> فيصفها بالقول انها مسرحية تسخر من العقول المحدودة ومن الأحكام المسبقة والشغف الأعمى والرغبة المدمّرة والمظاهر الخادعة. ومسرحيات نجار جميعها، وان كتبت بلغة <موليير> فانه يطعّمها بعبارات عربية حتى تكون اكثر واقعية، ولصيقة بواقعنا اللبناني…

 جوزيان..و<سارتر>!

 

المنتجة جوزيان بولس كانت من نقل <مسيو بشارة> الى المسرح، <إنها المرة الثالثة التي اتعاون فيها مع <الكسندر نجار>، تقول لـ«الأفكار>. هناك صداقة وطيدة تجمعنا، وهو لشرف لي أن انتج لمؤلف بارع مثله، وان يكتب لي أدوارا أجسدها. اما المخرجة لينا ابيض فقد باتت صديقة أيضا بعدما تعاونا في اكثر من عمل بدءاً من <مهرجان حمانا> في مسرحية صغيرة تحت عنوان <بومبة سيليكون>، وقد عدنا والتقينا عدة مرات وشاهدتني في غير مسرحية الى ان غدونا صديقتين وتعاونا في مسرحية الكسندر السابقة <L‘ inattendue> التي عرفت نجاحا كبيرا، كما تعاونت معها في مسرحية <ما فينا ندفع، ما رح ندفع> كمنتجة فقط وآمل ان تكر السبحة…

ردود الفعل على العرض الأول كانت مميزة، وان كان محقا انتقاد خفوت الصوت نوعا ما تقول جوزيان: <من الطبيعي ان يسيطر القلق في العرض الأول خاصة للجدد على الخشبة فينخفض الصوت تلقائيا لكن الأمور تتحسن طبعا في العروض اللاحقة>…

المرونة التي مثلت بها جوزيان دور <جيلبيرت> اخت <بشارة> جعلتنا نعتقدها بأتم الراحة على الخشبة: <لو تعرفون كم كنت خائفة. كنت ارتجف>… أما <الحكة> التي تصاب بها لما تسمع باسم الفيلسوف <جان بول سارتر> من اخيها العاشق له، فهي غير موجودة في حياتها اليومية، وتعلق جوزيان مبتسمة: <ما عندي حساسية على <سارتر>… لا بحبو ولا بكرهو… ما عندي علاقة معو>… قرأته أيام المدرسة. هو فيلسوف صعب، كتابه <L’être et le neant> لا اعتقد ان كثيرين

يفقهون ما قصده فيه فعلا.

في المسرحية الناطقة بالفرنسية والتي تواكب بترجمة الى العربية، دعوة الى الاهتمام بالفلسفة ودراستها خاصة للجيل الجديد. عن ذلك تقول جوزيان:

– الفلسفة والثقافة أساسيتان في الارتقاء بالبشر. للاسف عندنا كما عند غيرنا من الشعوب يتراجعان. لا زلنا نقرأ <سارتر> حتى اليوم. الفلسفة اساس كل شيء نعيشه ونفكر فيه. حياتنا كلها فلسفة. لكن في المسرحية أيضا مقلب آخر. هي رسالة عن الوقت الذي يهرب منا من دون ان ندرك. <بشارة> اهتم بالفلسفة <ما عمل شي غيرها> فتقدم بالعمر ونسي حياته، في حين انه لما يلتقي بـ<جان بول سارتر> في السماء يقول له الأخير بان الفلسفة هي طريقة عيش وتجربة، لا انزواء وعزلة. <ما فيك تتفلسف بلا ما تجرب>، فان كنت تحكي فلسفيا عن الفرح انما يجب ان تعيشه، او الشغف، او الحرية او نظرة الآخر، فكلها يجب ان تختبرها. العبرة هي <عش حياتك ومش بس تتفلسف>.

بغير الأعمال الـ12 التي شاركت فيها على الخشبة، تستبعد جوزيان الشغوفة بالفن والثقافة في لبنان منذ أكثر من ربع قرن ان نراها على الشاشة الصغيرة، وان كانت لها مسيرة ناجحة في المجال التلفزيوني مع والدها العريق جان كلود بولس في تقديم وانتاج اكثر من برنامج، اما السينما فقد كانت لها مشاركات عديدة فيها آخرها في فيلم <Wanted> لنبال عرقجي.

لينا… ودور المخرج!

اختيار الممثلين من انطوان بلابان الى اماليا زيدان ووليد عرقجي وبشارة عطا الله وباقة الممثلين الثلاث عشرة الموجودين على المسرح عاد للمخرجة لينا ابيض بالتعاون طبعا مع جوزيان. والمخرجة لينا، التي تحمل الدكتوراه في الدراسات المسرحية من <جامعة السوربون>، والأستاذة في <الجامعة اللبنانية الاميركية>، والتي اشتغلت في المسرح اكثر من اربعين عملا مسرحيا تناولت فيها الحرب اللبنانية والنساء والقضية الفلسطينية والديكتاتوريات العربية، قدمت في <مسيو بشارة>

اخراجا مميزا وطرحت شخصياتها بطريقة طريفة وموجعة في الوقت عينه، ولعل <بشارة> كما الراقصة <سالومي> أو <لولو> (اماليا زيدان) المثال الأبرز على ذلك…

 المسرحية كانت مكتوبة كنص واقعي في الفصول الثلاثة الاولى منها، تقول لينا، بغير فصل وصول <بشارة> الى السماء. الاحداث تجري في قلب بيوت ثلاثة، بيت <بشارة> وبيت الجارة والراقصة الشرقية. لم اكن اريد تقديمها كذلك، فقلبتها وبدأتها من الآخر، من حيث يموت <بشارة>، لذلك نرى الماء في البداية والجمهور تساءل عن سبب وجودها. نراه يغرق في المياه، وقد رأيتم القماش الأبيض على الوان خضراء وزرقاء لنقل الاحساس المائي <سانساسيون اكواتيك>، وبحسب ما نسمع، يستعيد الميت شريط حياته في هذه اللحظات فيمر امام عينيه. <بشارة> كان في ذلك الوضع، يستعيد ما حصل معه منذ لقائه الاول بـ<سالومي>. قلبت المسرحية، وهي ليس كما كتبها الكسندر بل كما تصورتها أنا، وهذه هي مهمة المخرج ان يقوم بالـ<دراماتورجيا> فيتخيّل بحسب رؤيته، كيف يمكن ان يقدم النص. كذلك فقد <دفشت> الشخصيات تقول ابيض، أذكر منها مثلا <كريستيانو> (بشارة عطا الله) الذي يقوم بـ<ريلوكينغ> لـ<بشارة> بعد ان يتخذ قراره بتغيير شكله عقب لقائه بـ<سالومي>. بالاصل كان الدور مكتوبا لسيدة، فطلبت من الكسندر ان نكتبها لرجل واعتقد بان الفكرة كانت ناجحة.

ــ لكن لماذا قلب الشخصية من امرأة الى رجل؟ نسأل لينا التي لعبت دور <ماري جو> صديقة <جيلبيرت>؟

– كان يعن على بالي ان اعمل مع بشارة عطا الله من زمان تقول أبيض، ولم اكن أجد الفرصة الى ان سنح بذلك هذا الدور الذي جسده بشارة بأفضل ما يمكن. هو لا يعمل بالـ<ريلوكينغ> كما اعتقد البعض، علما انه يملك خزانة ضخمة يلبس فيها الفنانين في سهرات واحتفالات مهمة. تصورت <انو رح يعمل شغلة حلوة بالدور واتصور انه طلع معي حق>.

 بغير انطوان بلابان القدير جدا في شخصية <بشارة> لفت وليد عرقجي في دور زوج الراقصة، نديم شماس في دور <القديس بطرس>، ايا ليل طربيه بشخصية <لميا>، رافي صافي بشخصية قريب <بشارة> الشاب العاطل الا عن النوم المتواصل، وجورج دياب في شخصية <التحري>، نسأل ابيض عن <سارتر> الذي يجسده سيريل جبر فتقول: هذا نتاج الكسندر وفكره بحيث تكون المفاجأة الكبرى لـ<بشارة> لما يصل الى السماء لقاءه بفيلسوفه الاحب <جان بول سارتر> والذي صار مؤمنا بالله في نهاية حياته، فيتبين ان الفلسفة لها طعم غير الطعم الذي اخذه <بشارة> عن الفلسفة.

اما أماليا زيدان في شخصية <سالومي> الراقصة الشرقية فقد كانت <حفر وتنزيل> كما يقال بالعامية، فقد صودف ان صديقة لالكسندر التقت بها ترقص في احد النوادي الليليلية في لبنان وهي فرنسية متزوجة من لبناني، فقدمتها لالكسندر وكانت مناسبة جدا. اماليا درست المسرح في فرنسا، وتمتهن الرقص الشرقي وتتكلم الفرنسية طبعا. وحظنا جميل اننا التقينا بها، تقول ابيض، إذ اعطت نكهة حقيقية للمسرحية مع كوريغرافيا رائعة من تصميمها فضلا عن أزياء الرقص الخاصة بها والتي تصممها بنفسها أيضا.

وعما اذا كان النص يحمل أصلا هذا المنسوب المرتفع من الكوميديا ام ان الاخراج ظهره بهذا الشكل تقول ابيض:

– في النص كوميديا وقد ظهرتها أكثر من خلال اختيار الشخصيات، اذ اردت لهذه ان تكون مميزة وليس <نماذج> عادية جدا، وقد اشتغلنا على ان يكونوا طريفين الى درجة عالية.

علاقة ابيض الشخصية بالفلسفة متينة، وهي تراها بحسب ما يقول عنها <سارتر> <حياة> وليس كما أخذها <بشارة> فوضعته خارج الحياة. كذلك فان نجار، كاتب المسرحية، لم يضع شخصياته خارج نصه على المسرح تاركا اياها لاقدارها بل كان ضنينا عليها يواكبها مع التمارين عن كثب، وكان الامر جيدا بالنسبة لابيض التي تقول: <ما ترك شخصياته وراح… كان مواكبا، وانه لأمر جميل فعلا ان يتعاطى المخرج وفريق العمل مع كاتب حي وموجود يناقش بالافكار والشخصيات ويقيّم النص… انه فعلا لامر ممتع>!