16 November,2018

مــتـــى تـفــــــــرج إيــــــــــــران عـــــــــــــن مـلـــــــــــــف الــــــــــــــرئـاســة فـــــــــي لـبــــــــــــــنـان؟  

بقلم وليد عوض

tamam-salam-jawad-zarif النفور من السياسة الإيرانية لم يعد كما كان من ذي قبل، بعدما وضع وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف>، ضيف لبنان بالأمس، توقيعه في فيينا على الاتفاق النووي الى جانب توقيع وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> وباقي وزراء الخارجية الأوروبيين. وزيارة الوزير الإيراني <ظريف> للبنان كان لها وهج آخر، فكان الترحيب به شاملاً قوى 8 آذار وقوى 14 آذار والمستقلين، إذا كان هناك بالفعل مستقلون.

   في المفهوم العام ان <محمد جواد ظريف> جاء الى لبنان ليشرح المعاني الملتبسة في الاتفاق النووي. وفي الكواليس ان وزير الخارجية الإيراني جاء يسأل: <ماذا يمكن لإيران أن تقدمه الى لبنان؟!>.

   وهو سؤال يستحق الاهتمام. فصفقة السلاح التي طلبها وزير الدفاع اللبناني سمير مقبل عند زيارته لطهران لم تكن قبل الاتفاق النووي موضوع ترحيب عند قوى 14 آذار. فإيران كانت تحت الحظر النووي من جهة، وتحت قيود المقاطعة الاقتصادية الدولية من جهة ثانية، ولم يكن لبنان جاهزاً لخرق جدار هذه المحظورات. كما كان اتهام الدول الخليجية لإيران بالوقوف وراء هجمة الحوثيين على السلطة الشرعية في اليمن، والتدخل في شؤون مملكة البحرين، عائقاً في سبيل أي تقارب إيراني خليجي في المنطقة، وكان هذا العائق يعكس تداعياته على لبنان الذي تربطه بالمملكة السعودية وشائج الصداقة، ومنحة الثلاثة مليارات دولار لتزويده بالأسلحة الفرنسية، إضافة الى مبلغ المليار دولار الذي يؤتمن على انفاقه الرئيس سعد الحريري.

   هذه الحقائق يعرفها وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف>، وهو اسم على مسمى نظراً لظرفه السياسي أثناء التفاوض مع الولايات المتحدة حول الملف النووي. ويعرف <ظريف> أيضاً ان الشاغل اللبناني الآن هو شغور الكرسي الرئاسي في قصر بعبدا، منذ سنة وبضعة أسابيع، وان هذا الشغور تتحمل وزره إيران مع غيرها من الدول، ولاسيما الولايات المتحدة التي تأخذ من الشغور الرئاسي اللبناني موقف المتفرج، رغم معرفة ديبلوماسييها، وأولهم السفير المنتهية خدمته في لبنان <دايفيد هيل>، بأن شغور الكرسي الرئاسي يترك تداعياته على الحالة الاقتصادية في لبنان، وهذا ما أوصلها الى حافة الانهيار لولا تماسك البنوك وحسن تدبير حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة. وكان الوزير <ظريف> حصيفاً ولبقاً عندما استهل مقابلاته في بيروت بلقاء الرئيس تمام سلام، على اعتبار أنه يمسك بمقام رئيس الجمهورية، وقد جعل هذا اللقاء يتقدم على لقائه بالرئيس نبيه بري.

   وتدرك الولايات المتحدة أيضاً، عبر دبلوماسييها، ان شلل مجلس الوزراء قد استغل كغطاء لعصابات السلب والنهب والخطف، وفرض المبالغ الباهظة كدية للإفراج عن المخطوف، كما حصل مع ابن المتن مارك الحاج موسى، إذ بلغت ديته 350 ألف دولار!

قلها يا <ظريف>!

   كان المطلوب من <محمد جواد ظريف> ان ينطق بعبارة واحدة هي: <جاهزون للاتفاق مع السعودية ومصر على اختيار رئيس جديد لقصر بعبدا>. ولكن الوزير الإيراني غير مستعد لاطلاق هذه العبارة، ما دام الحال في سوريا على ما هو عليه، وما دامت القوى الارهابية تمسك بمفاصل سورية جغرافية عدة.

   ويأتي هنا دور روسيا.. فروسيا تريد بدورها أن تكافح الارهاب في سوريا، خصوصاً وان في المنظمات الارهابية هناك عناصر شيشانية معادية للنظام الروسي في الشيشان، وما دام مرفأ اللاذقية الذي هو قاعدة للأسطول الروسي ضرورة استراتيجية لموسكو في المنطقة. وهذا الدور الروسي حصل على مباركة من الولايات المتحدة، وتجلى ذلك من خلال قرار مجلس الأمن رقم 2235 الذي توافق فيه الأميركان والروس على فتح تحقيق في أضرار وتداعيات الأسلحة الكيماوية في سوريا. وهذا الاتفاق الأميركي ــ الروسي فاتحة تعاون بين الجبارين على مستوى منطقة الشرق الأوسط، مع مد اليد الى السعودية وإيران.

   وثمة من يرى ان اصلاحات رئيس وزراء العراق حيدر العبادي، بإقالة نواب رئيس الجمهورية، ومنهم اياد علاوي ونوري المالكي، لم تكن لتأخذ مجراها، لولا الضوء الأخضر الإيراني الذي ترجمه حصول هذه الاصلاحات على بركة المرجع الديني الشيعي الكبير آية الله السيستاني المقرب من إيران وبركة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وهذا بحد ذاته توجه جديد لإيـــــران في العـــــراق، بعدما كانت إيران متهمة بتأجيج النار المذهبية في العراق بين شيعة وسنة، ومحاولة وضع يدها على محافظة البصرة المجاورة لها.

   وثمة خيوط مترابطة تدل على تنسيق أميركي ــ إيراني في قضايا الشرق الأوسط، ذهاباً من عدم احتجاج إيران على انطلاق قاذفات القنابل الجوية الأميركية <أف 16> من قاعدة <انجرليك> التركية، ولو كان الزمن غير زمن الاتفاق النووي لكان لإيران رأي آخر..

   وكان لافتاً قول الرئيس الأميركي <باراك أوباما> من موقع إليكتروني لصبية إيرانية عمرها 22 سنة انه قد تواصل مع المرشد الروحي الإيراني السيد <علي خامنئي> بعد انتخابه ــ أي انتخاب <أوباما> ــ رئيساً للولايات المتحدة عام 2008 وأبلغه انه مستعد للتفاوض، لكنه لم يتلق جواباً. وما لبثت المخابرات الأميركية ــ يقول <أوباما> على الموقع الاليكتروني ــ أن اكتشفت منشأة إيرانية سرية لتخصيب <اليورانيوم> عند منطقة <فردو>، فلم يكن لدى واشنطن خيار سوى تشديد العقوبات على طهران لإحضارها الى طاولة المفاوضات.

جبير بين برلين وموسكو!

   أي كان كل الاحتقان الأميركي ــ الإيراني مقدمة لجلوس إيران على مقعد طاولة التفاوض..

   وتعرف واشنطن ان الاتفاق النووي لن يلغي اهتمام إيران بالأبعاد الاقليمية، ولكن هذه المرة بالتفاهم مع واشنطن شريكة الاتفاق النووي، لا في معزل عنها. وهذا ممثل السيد <علي خامنئي> في الحرس الثوري الإيراني يقول يوم الاثنين الماضي ان نفوذ بلاده في المنطقة جزء من عمق استراتيجي لن تتخلى عنه.

   وهذا يعني ان إيران تريد من دول المنطقة أن تعترف بدورها الاقليمي، ولا تحسبها صفراً على الشمال. وموسكو في هذا الاتجاه بعدما طرحت أمام وزير الخارجية السوري وليد المعلم خلال زيارته الأخيرة لموسكو مشروع حلف رباعي سعودي ــ إيراني ــ تركي ــ سوري، لمواجهة <داعش> والقوى الارهابية بمظلة روسية ــ أميركية. وروسيا في ذلك تقيم حساباً كبير الشأن للمملكة السعودية ذات الحضور السياسي الواسع في المنطقة، وما زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لموسكو يوم الثلاثاء الماضي، بعد زيارته لألمانيا حيث تحدث باللغة الألمانية الى جانب اللغة العربية إلا الدليل.

   وكان الجبير في منتهى الصراحة عندما قال في برلين خلال مؤتمره الصحفي مع نظيره الألماني <فرانك فالترشتاينماير> ان إيران اضطرت الى تقديم تنازلات في موضوع تخصيب اليورانيوم وفي مسألة التفتيش والرقابة اللذين سيستمران الى مرحلة زمنية طويلة، وإذا أخلت بأي شرط من شروط الاتفاق النووي فسوف تواجهها العقوبات الاقتصادية من جديد. ولذلك ــ قال الجبير ــ عادل-الجبير-سيرغي-لافروففالأمل هو في حكمة إيران وعقلانيتها، وإلا <فإننا على استعداد للتصدي لهذه السياسة>.

إيران مع المواصفات لا الأسماء

   كل هذه الأجواء رافقت زيارة وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف> لبيروت بالأمس، وكانت القفل والرتاج في باب معرفة الموقف الإيراني من الملف الرئاسي اللبناني.. ويخشى الوزير <ظريف> إذا أورد اسماً لدخول قصر بعبدا، أن يحترق هذا الاسم فلا يكون له حظ الوصول الى كرسي الرئاسة، ولذلك اعتصم على قضاء حوائجه بالكتمان، وأحدث تعديلاً في برنامج الزيارة بحيث لم يزر ضريح الشهيد عماد مغنية، ولا العماد ميشال عون وكان الاثنان في برنامج الزيارة.

   وكان العماد عون حصيفاً عندما تنبه الى زيارة <ظريف> للبنان وأرجأ تحريك تظاهراته الاحتجاجية على التمديد لثلاثة قادة عسكريين الى ما بعد جلسة مجلس الوزراء أمس الخميس. وكان مطلوباً بالمقابل من الوزير <محمد جواد ظريف> أن يترك تأثيره على حزب الله وقوى 8 آذار في تجنيب لبنان أي أزمة وزارية، واعتبار مجلس الوزراء برئاسة تمام سلام هو طوق النجاة من أي عاصفة قد تتعرض لها البلاد.

   وآثار زيارة الوزير الإيراني <ظريف> للبنان ستنكشف تباعاً في تصريحات ومواقف السفير الإيراني <محمد فتحعلي> المكلف بمتابعة الشروحات التي قدمها رئيس الديبلوماسية الإيرانية، وربما ظهرت آثار هذه الزيارة في تحركات العماد ميشال عون، وإن كانت إيران قد أبدت في أكثر من مناسبة عدم تدخلها في الشأن اللبناني وترك ذلك لحلفائها..

   فهل أصبحت صورة الرئيس المطلوب لقصر بعبدا قابلة للتظهير خلال ما تبقى من فصل الصيف، أم كل شيء مؤجل الى حين تفرغ إيران من تنفيذ الاتفاق النووي، وهي لذلك تطرح مواصفات ولا تطرح أسماء؟