14 November,2018

مـعــــرض ”شكـــــل الـمـديـنــــة“... بـيــــروت مـديـنــــة التحولات الدائمة حيث الهندسة من دون مهندس!

بقلم عبير انطون

صدقت <آني فارتيفاريان> الشريكة في تأسيس <ليتيسيا آرت غاليري للفنون> لمّا صرحت بأن معرض <شكل المدينة> او <The Shape Of The City> سيشكل تحديا للزوار عبر دعوتهم الى رحلة تحضهم على مساهمة لا تقدر بثمن، وهي اعادة تخيل المدينة حيث يقطنون إذ يشكل المعرض مساهمة في سبيل تنامي حيوية المشهدين الثقافي والفني المعاصر في بيروت من خلال إعادة توزيع الأعمال المنحوتة في أماكن عامة يمكن الوصول إليها…

فحتى الخامس والعشرين من شهر آب (أغسطس) الجاري يستمر <شكل المدينة> بعيون الفنان والنحات البريطاني <ناثانييل راكو> في غاليري <ليتيسيا آرت غاليري> عند منطقة الحمرا – بناية السارولا في بيروت وفي اثنين من اماكنها العامة بلفت الانتباه واثارة التساؤل: في اي مدينة نعيش؟ ما هو شكلها وما مدى تفاعلنا معها؟ كيف نؤقلم اشكالها واضواءها وهندستها مع حياتنا ويومياتنا فيها؟ وأي اثر نتركه فيها وتتركه فينا؟

الـتـقــــــــــــــاء… !

بيروت مدينة التحولات الدائمة دخلت في صلب اهتمامات الفنان البريطاني <ناثانييل راكو> المولود في العام 1975والحائز ماجيستير في فن النحت، والمسكون بأهمية البحث في الطبيعة المتحولة للمدن لما له من علاقة بحياة قاطنيها.

 لماذا هذا الاهتمام؟ <لأن هذه المدن في حركتها والعيش فيها والتعاطي اليومي في داخلها تجمع الناس من حول العالم وتشكل قاسما مشتركا ونقطة جمع والتقاء بين السكان في مختلف اصقاع الأرض وهي تشكل تجربة واحدة ولو كانت متنوعة ومختلفة من مدينة الى أخرى>، يقول الفنان البريطاني الذي جذبته بيروت واتخذ منها نقطة الانطلاق في رحلته نحو المدن والبحث في طبيعتها المتغيرة، فبيروت <فتحت له ابوابها> بعدما قضى فيها حوالى الشهرين في العام 2009 وفي منطقة الحمرا تحديدا وفي المحترف عند عين المريسة. يومياته في المدينة تركت اثرا في نفسه ما انتج معرضه فيها ومعرضا آخر له في لندن.

يرى <راكو> ان العاصمة اللبنانية ليست صعبة لناحية اعادة تاريخها، ذلك ان هندستها وهندسة ابنيتها وساحاتها وفللها وناطحات سحابها وابنيتها الزجاجية حيث الشركات والمكاتب التي تتجاور وتعيش جنبا الى جنب في الشارع او الحي عينه، يمكنها ان تشكل أفضل شاهد على ما مرّت به بيروت عبر التاريخين القديم والحديث وفي مراحل الحرب والسلم فيها، كذلك فإن الابنية والحركة فيها تشهد على تطورها المستمر وان بشكل عشوائي، عشوائية تجر معها استخدام مواد ووسائل وطرق بناء و<جمالية> فريدة نوعا ما…

 

الضوء… الليل… والنهار!

بالانتقال الى المواد التي استخدمها <راكو> في المعرض نجدها متنوعة، فالتجهيزات المعروضة فيها المواد الصناعية المختلفة فيها الانارة الاصطناعية وإن كان الهدف واحدا: ابراز محتويات المدينة واشكالها المختلفة ومدى تفاعلنا معها ودخولها في صلب يوميات عيشنا فيها، في الليل كما في النهار، مع الفارق الكبير للمدينة عينها بينهما.

 فالإنارة التي تحتل حيّزا مهماً في التجهيزات تستهوي <راكو> الذي يجد فيها طابعا <ملطفا> لمشاهد المدينة وتدويرا لزواياها الحادة او الصلبة، ما يمنحها أيضا أبعادا أخرى نكتشفها. هي أساسية في لعبة الليل والنهار التي يراها ويريدها ان تصل الى عيون ناسها حيث يقول: <أسعى الى مساعدة الناس على النظر بعينين جديدتين الى المدينة التي يعرفونها>…

 أما المواد ومنها المحلي الصنع، فتتراوح ما بين المعدن، بعض الزنك للطلاء بهدف الحماية من الصدأ، احجار الاسمنت، الأغطية البلاستيكية المصنوعة من الزجاج المعزز، مصابيح <الفلورسنت> البيضاء مع دمج في ما بينها… في هذا الدمج تولد العملية الفنية، فكل مادة على حدة يمكن التعرف اليها والى وظيفتها الاصلية الخاصة بها وما ترمز اليه، لكن وبدمج هذه المواد مع الضوء يعطي <راكو> الولادة لعمل فني يكتسب جمالية ورمزية خاصة.

 خرائط العيش…!

 من خلال ذلك كله، يدعو <ناثانييل> سكان المدينة الى التفكير في المدينة وفي كيفية عيش قاطنيها او زائريها فيها وكيف يؤثرون بدورهم عليها، ما يجعلهم يعيدون النظر في علاقتهم بها، ويحثهم على التفكير في سلوكياتهم فيها وانسجامهم مع الانماط المتعددة التي تقدمها لهم هذه البيئة الحضارية والتي من خلالها يمكننا ان نستدل على الكثير، على ابعد من العمران والبنايات والاشكال، الى خرائط العيش وطرقه وجغرافيته وحتى تاريخه واجتماعياته ومساحات الالتقاء او التباعد او العزلة. وفي هذا الاطار يقول <راكو> نفسه: <أضحت مدينة بيروت نفسها نقطة انطلاق لمجموعة من الاعمال إذ تسعى هذه المنحوتات والاعمال المنفذة على الورق لاستكشاف مفهوم الجمال العابر الذي يمكن ان تفاجئنا به البيئة الحضرية، مما يسمح لي بالجمع بين اجراء تحقيق رسمي ومكاني حول مفاهيم الاستيطان، الانعزال، الحركة، ورسم الخرائط المعرفية>…

ويؤكد <ناثانييل> الشغوف بالمدن ان الاثر الاكبر في المدينة يبقى للحركة فيها. فالجزء المتحرك حيث الهدم والبناء والتدمير وإعادة الاعمار والتوسع يبقى الأكثر اثارة لانه يشكل الظاهرة الحسية لطبيعة المدن التي تتغير.

 

 الـهـــــــــــــام…!

 المعرض الذي يضم ست منحوتات كبيرة تأتي على شكل كتل اسمنتية مضاءة تتخللها سلسلة من الأعمال المصنوعة من الورق والمؤطرة فضلا عن سلسلة محطات وقود ذات احجام مختلفة، يتمدد خارج جدران <ليتيسيا آرت غاليري> ليرتع في وسط بيروت في تجهيزين ضخمين الاول امام فندق <لو غري> والثاني في ساحة <خان انطون بك>. المنحوتتان تشكلان للفنان الذي عرض في الكثير من الاماكن العامة من <فيلاج رويال> في باريس العام 2014 الى معرض <بلاك كيوب للفن المعاصر> في كوبنهاغن قبلها بسنة كما في <ليما البيرو> عام 2010 <مصدر الهام كبير>، فالعرض في المساحات المفتوحة يعطي الاعمال معاني جديدة، وهنا ايضا يؤكد <راكو>: <عرض المنحوتات وسط سياق المشهد المديني مصدر الهام كبير لي اضافة الى ان هذه الطريقة تتيح للاعمال اتخاذ معان جديدة ضمن المساحات المفتوحة>.

اسـتـهـــــــــــلاك!

ما قبل <شكل المدينة> في <ليتيسيا آرت غاليري>، شكل معرض الفنان المصري أحمد بدري <بورت مانتو> أو <ألفاظ منحوتة> من خلال رحلته عبر الأشياء والتحولات واللغة نقطة التقاء مع المعرض الحالي من حيث النظرة الى الاشياء وتحولاتها ونظرتنا اليها وتفاعلنا معها واعادة السؤال حولها.

 فقد طرح بدري من خلال منحوتاته ورسوماته أشياء لا نفع وراءها تحاول اظهار نفعيتها للتشكيك في نظم الانتاج والاستهلاك العالمية، بمعنى آخر تناول علاقتنا بالاشياء المألوفة من اجل اعادة اطلاق أسئلة حول فاعلية هذه الاخيرة ومكانتها في حياتنا اليومية.

 ففي تناوله العلاقة ما بين الانتاج والاستهلاك، يقول بدري ان لكل شيء <كوداً> ويتناول أغلب الناس هذه الأشياء بـ<الكود> أو النهج ذاته، وقليلون من الناس يتناولونها على نحو مختلف ينتهي بهم إلى مزيج من الأشياء الهجينة التي تفتقر في ظاهرها إلى منطق يحكمها، ليجدوا حلاً لمشكلة تواجههم أو ليقوموا بواجب من واجباتهم>. وفي أمثلة حسية على ما يود ايصاله للجمهور رسم بدري مشاهداته لأمور نستعملها بالعادة لأمر معين، وتضطرنا الحاجة الى استخدامها لأمور اخرى مختلفة تماما، كتسخين ابريق قهوة على مكواة مقلوبة مثلا، أو استخدام قصاصتي اظافر في توصيل الكهرباء بين قابس ومقبس غير متوافقين إلخ… ما يكتسب دلالات تذهب بالمتفرج عليها الى امور ابعد من الشكل والاستخدام الجديد، بل النفاذ الى الاسئلة حول الاقتصاد العالمي الاستهلاكي المتحكم بالناس وعقولهم وحياتهم، داعيا اياهم الى تغيير النظرة حول الاشياء التي تحكم يومياتنا واعادة البحث والتدقيق في دور وأسماء هذه الاشياء فيها.

 

الأرز والمــــــــــرأة…!

إعادة البحث والتدقيق والنظرة المغايرة للاشياء والناس والامور من حولنا تدخل في صلب اهداف <ليتيسيا ارت غاليري للفن المعاصر> والتي اراده مؤسساه محمد الحمود و<أني فارتيفاريان> ساحة فنية معاصرة تركز على تشجيع المشاركة العالمية في الفن المعاصر في لبنان من خلال تحديد سياق الفنانين المحليين والعالميين واعمالهم في البيئة الفنية العالمية. اما افتتاح الصالة الذي جرى في شهر شباط (فبراير) المنصرم فكان مع المعرض الافتتاحي للفنانة البريطانية ايضا <ايلين كوبر> والذي حمل عنوان <تحت نفس القمر>، القمر الذي يشكل امراً محوريا في اعمال <كوبر> والتي تحاكي من خلاله الازلية والعالمية عبر تعدد الثقافات والحضارات التي تقبع كلها تحت القمر نفسه.

<كوبر> التي كانت زارت لبنان للمرة الاولى وعادت الى لندن لرسم لوحاتها مما استلهمته منه ومن رؤيتها لبيروت كميناء آمن وللبنان كبلد يملك ارثاً ثقافياً عريقاً وجمالاً طبيعياً عريقاً، استلهمت لوحاتها من المناظر الطبيعية الشرق اوسطية والمشاهد اللبنانية الخلابة والاساطير القديمة، فضلاً عن التماثيل التي اثارت اعجابها في <متحف بيروت>، لكن الوحي الأبرز فقد شكله شجر الأرز الذي احتل حيزاً مهماً في تاريخ الفينيقيين وصنعوا منه سفنهم التجارية والحربية والبيوت والمعابد… من هذا الشجر أيضا استلهمت <كوبر> رسوماتها للتعبير عن الموروث الثقافي والحضاري اللبناني.

وفي المعرض الذي لاقى اعجاباً لافتاً فإن <كوبر> التي اشتهرت من خلال لوحاتها بطرح العلاقة بين المرأة والرجل وأدوارهما في الحياة بجرأة كبيرة، جسدت في رسوماتها <اللبنانية> نساء يفترشن الأرض تحت أشجار الأرز، وامرأة تؤدي رقصات وحدها او تراقص رجلاً او تمتطي غزالاً او تنظر الى الشمس، وفي معظم هذه اللوحات حاولت تصوير شخصياتها في هيئات تبرز حركتها وحوارها في ما بينها أو في تواصلها مع الشجرة وعناصرالطبيعة من حولها في تكامل ولا أروع.

وفي انتظار جديد <ليتيسيا غاليري> تبقى الانظار مشدودة الى الجديد الذي سيقدمه ويفاجئ فيه جمهوراً بدأ يفرد للـ<غاليري> الجديد حيزاً مهماً في المشهد الثقافي اللبناني الحافل!