19 September,2018

مـعــــرض ”بـيــــــروت آرت فـيــــــــر“ للـمـــواهـب الـشـابـــــة والـرائـــــدات اللـبـنـانـيـــــات قـبــــل الـحــــــرب!

 

بقلم عبير انطون

SAM_6936----1

يحجز معرض <بيروت آرت فير> منذ أعوام موعده في قلب شهر ايلول/ سبتمبر، وفي قلب العاصمة اللبنانية. الموعد السنوي المنتظر من اهل الفن وهواة ومحترفي المجموعات الفنية يفتح ذراعيه هذا العام في جديد لم يسبق ان تناوله، واضعاً المواهب الشابة نصب عينيه ومفرداً مساحة واسعة للرسامات اللبنانيات الرائدات ما بين عامي 1940 – 1975. ولا عجب في ذلك طالما ان مطلقة الفكرة ومؤسسة المعرض الفني السنوي هي الصحافية السابقة وسيدة الاعمال الفنية <لور دوتفيل> الفرنسية الجنسية، اللبنانية الهوى والشغف. فهذه السيدة، كما بيروت، تشكل همزة وصل بين الشرق والغرب، وترى للعاصمة اللبنانية دوراً ابعد من الصور السوريالية البشعة التي وصلنا اليها بشكل خاص مع الازمات الاخيرة. فمن هي هذه السيدة الأنيقة الشغوفة برسالتها؟ وكيف أمكنها الجمع ما بين عالمي الفن والاعمال؟ وما الذي اعدته ليكون جديد الدورة الحالية الممتدة ما بين 15 و18 ايلول/ سبتمبر الجاري؟

 

شغف التفاصيل!

 

على كل شاردة وواردة متعلقة بالمعرض تشرف <لور دوتفيل> المصنفة من قبل الموقع الالكتروني < The Culture Trip> من بين النساء العشر الأكثر تأثيراً في الشرق الاوسط في مجال الفن المعاصر. مولودها الذي كبر بعنايتها وبمواكبتها الدقيقة له حتى ادق التفاصيل لم يعد يقبل بأي تراجع. شعارها الذي استلهمته من حياة اللبنانيين الذين عايشتهم طويلاً <لا شيء مستحيل> يجعلها، على الرغم من كل الظروف تجمع خمس واربعين صالة عرض من 20 بلداً حول العالم. حتى الدليل للمعرض، فإنها تشرف عليه شخصياً، تقرأه وتنقحه حتى ولو استمرت حتى الرابعة فجراً في المطبعة في بشامون، فالوقت ملح، وعطلة عيد الاضحى المباركة قريبة، وهي لا تقبل سوى اتمام أعمالها بالانجاز الصحيح والمتقن.

في العام 1998 انطلقت الصحافية الفرنسية <لور دوتفيل> بفكرة كانت جديدة في الوسط اللبناني وراهن كثيرون على عدم استمرارها واعطتها عنوان <آرت سود>. الخلطة الناجحة بعكس ما يعتقد الكثيرون بين الفن والاعمال جعلت هذه السيدة تتميز في مسعاها الذي نقلته بعد نجاحه في بيروت الى اكثر من عاصمة بدأت في الخليج مع معرض ابو ظبي من خلال <آرت باريس> وانتقلت به الى سنغافورة ايضاً من خلال <سنغابور آرت فير > في العام 2014، وكانت في تنظيمها لمعارض الفنانين تتجول ايضا بين اكثر من مدينة وبلد من باريس الى موسكو ولاس فيغاس والسعودية وغيرها وكأنها بشغفها للفن المعاصر تريد خلق حلقة عالمية له، تتواصل فيه الثقافات والشعوب. لكن ما حكاية هذا الشغف بلبنان الذي جعل سيدة فرنسية تزرع في ارضه بذور احلامها لتحصدها في العالم اجمع؟ وكيف ساهمت الحرب الاهلية اللبنانية في تعرفها باللبنانيين والتعلق بهم؟

عمي.. والحرب!

 

 تعرفت <لور> الى لبنان من خلال عمها <Alban de Jerphanion> الاب اليسوعي العميد السابق لمدرسة الجمهور والجامعة اليسوعية. اثناء الحرب، كانت تستقبل في منزلها اولاداً لبنانيين ينتظرون قدوم اهلهم بفعل الاحداث، ومنهم كانت الفتاة الصغيرة تتعلم اكثر من درس اولها التعلق بالحياة وإرادة الصمود على الرغم من كل المآسي. فـ<لور> المولودة في <دوسلدورف – المانيا> لأبوين وجدين يهوون الفن واقتناء مجموعاته كانت بعيدة عن الحرب واهوالها. درست الفنون وحازت على شهادتها في تاريخ الفن من جامعة السوربون الشهيرة في العام 1980. شغفها بالفنون وتاريخها، انسحب على الرقص ايضاً، اما الفن المعاصر فقد تعلقت به، يوم اختيرت مساعدة لتاجر الفنون الفرنسي المعروف <جان بيار آرنو>، المتخصص في الرسم الفرنسي التجريدي المعاصر للقرن العشرين. وصلت الى لبنان في العام 1991 على ان تبقى فيه لستة اشهر فإذ بها تعيش في كنفه خمسة عشر عاما متنقلة ما بين عملها كصحافية حيث تولت ادارة الصفحة الثقافية في <le commerce du levant> من العام 1995 حتى العام 2006، وعملت في الاعلام المسموع، كما عملت مع الكاتب والناقد الفني صلاح ستيتية وهي عضو في الجمعية الدولية للنقاد الفنيين.

عملت <دوتفيل> ايضاً مستشارة فنية لأحد البنوك وكانت مسؤولة تجارية تنظم المعارض للفنانين والرسامين ما جعلها تدخل في عمق الفكر الفني اللبناني، وتؤخذ باعمال اكثر من فنان ليس آخرهم الفنان اللبناني الارمني الأصل بول غيراغوسيان. لقد اذهلتها ديناميكية لبنان وفنانوه الخارجون للتو من الحرب وإصرارهم على التعبير عن الوجه الايجابي السلمي للبلد، الرافض لاي عنف خاصة انهم مهيأون للتعبير ومنفتحون SAM_6939----3على اكثر من لغة وعقل وثقافة واسلوب.

في العام 1998 تنبأت <دوتفيل> انطلاقاً من خبرتها ان السوق الفني في البلدان الاوسطية سيزدهر ويعرف رواجا، فكرة لم ترق للكثيرين، الا انها اصرت على اطلاق معرضها <آرت سود> المخصص لفن الشرق الاوسط واذ بها تحصد نجاحاً كوّنه عشق اللبنانيين للفنون، فـ<في كل عائلة لبنانية نجد فناناً، او مهتما بالمحافظة على الفن والتراث الهائل لهذا البلد>، كما تقول. نجاحها جعلها تحمل على كتفيها عبء استمراره، فتضاعف عدد <الغاليريهات> والصالات الفنية التي تتصل بها لتعرض في <آرت سود> على امتداد ألفي متر مربع.

العام 2005 كان اليماً على لبنان بما شهده من احداث، فتوقف المعرض وكانت العودة بانطلاقة من رحم <آرت سود> بمعرض <بيروت آرت فير> في العام 2010، المنصة الدولية للفنانين في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وجنوب شرق آسيا.

 فقد أيقنت <دوتفيل> بأن تبادلاً وانفتاحاً من العالم العربي تجاه هذه المنطقة سيكون كبيراً، كما اولت اهتماماً كبيراً لتأثير لبنان على العالم من خلال اللبنانيين المنتشرين في مشارق الارض ومغاربها والذين يوازون بأعدادهم اربعة أضعاف اللبنانيين المقيمين، وكانت محاولة من المعرض لحثهم على التعرف الى ارضهم وفنانيها، ولخلق سياحة ثقافية مهمة. <فلور دوتفيل> تؤمن بالفن، قوة كبرى!

 ومنذ ذلك العام، اي العام 2010 والمعرض يستمر عاماً بعد عام بنجاح تشهد له الأرقام. ففي العام 2015، استقبل معرض <بيروت آرت فير> 21,000 زائر، وتجاوز حجم المبيعات الـ 3,200,000 دولار أميركي أي أربعة أضعاف حجم المبيعات في دورة 2010.

 

 ديناميكية وشباب..


حول الدورة السابعة هذه، تشدد <دوتفيل> على ضرورة وجود المعرض <في ظل الفترة المعقدة التي يشهدها العالم بأجمعه، اذ يرغب فريق <بيروت آرت فير> في تعزيز الديناميكية الفنية المذهلة في لبنان وبلدان الشرق الاوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا>. ويرتكز البرنامج، في شكل أساسي، على ثلاثة محاور، وهي: كشف أفضل المواهب الشّابة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية وجنوب آسيا، إعطاء الجمهور المفاتيح الضرورية لفهم خصوصيّات الحداثة التاريخية، وتقديم برنامج للزيارات واللّقاءات والتّبادلات.

بالنسبة للمواهب الشابة خضعت عملية الاختيار لموافقة اللجنة المؤلفة من ثلاثة من جامعي الأعمال الفنية الأكثر أهمية في لبنان، وتضم: باسل دلول الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات ويعتبر من أهم هواة المجموعات في المنطقة، المحامي طارق نحاس هاوي المجموعات في مجال التصوير الفوتوغرافي وينظم معارض فنيّة في هذا المجال في لبنان، أبراهام كرباجكيان هاوي المجموعات ورجل الأعمال اللبناني، وقد بادر إلى إطلاق مجموعة خاصة < KA Modern and Contemporary> للفن المعاصر في بيروت، وستقدّم صالات العرض المختلفة الفنانين الشباب الذين تعتبرهم بمنزلة فنانين واعدين.

 

نساء.. ورموز

من ناحية أخرى، وللمرة الأولى منذ إنطلاقته، يقوم <بيروت آرت فير> بتكريم الفنانات اللبنانيات من فترة الفن الحديث 1945 – 1975 ضمن معرض <LEBANON MODERN> من خلال مجموعة الأعمال الفنية المختارة من المجموعات الخاصّة وأيضاً من مجموعة وزارة الثقافة، ويسلّط المعرض الضوء على القوة والطاقة الخلاقة اللتين تملكهما المرأة – الفنانة والتي لطالما كانت غير معروفة من عامة الجمهور. ويشكل هذا المعرض فرصة لاكتشاف أعمال هؤلاء النساء اللواتي يفعّلْنَ الساحة الفنية في لبنان من خلال نشر اعمالهن في الخارج ومن خلال خلق الروابط المهمة بين بلادهنّ وباقي العالم. كما أنه تم تكريس معارض إستعادية لكل من سلوى روضة شقير في <Tate Modern> العام 2013، وايتيل عدنان في صالة عرض <Serpentine> في لندن، وفي خريف 2016 في معهد العالم العربي في باريس.

الفنانات اللواتي ستعرض أعمالهن ضمن <LEBANON MODERN> هن بيبي زغبي (1973 – 1890)، ماري حداد (1895 – 1973)، <بلانش لوهياك أمّون> (1912 – 2011)، سلوى روضة شقير (1916)، هيلين الخال (1923 – 2009)، إيتيل عدنان (1925)، سيسي سرسق (1926 – 2015)، إيفيت اشقر (1928)، لور غريّب (1931)، هوغيت كالان (1931)، <جوليانا سيرافيم> (1934 – 2005)، ناديا صيقلي (1936)، وسيتا مانوكيان (1945).

 

SAM_6945-----2تعتيم إعلامي.. ذكوري

 

وحول اهمية استعادة اعمال الفنانات اللبنانيات من تلك الفترة يستند <باسكال اوديل> المدير الفني للمعرض على مراجعة تاريخية فيشرح قائلاً:

 – منذ أواخر القرن 19 وفنانو الشرق الاوسط وبخاصة الفنانون اللبنانيون والسوريون والمصريون يتولون القيام بما يسمى <الجولة الكبرى>. وبالانتقال من استديو الى آخر، توصل هؤلاء الفنانون خلال رحلة اكتشاف في كل من فرنسا وايطاليا واسبانيا والمملكة المتحدة الى تعلم واتقان ما يسمى بفن الرسم <على مسند اللوحة>. وقد تميزت هذه الفترة ايضاً بإنشاء صالات العرض المحلية على نحو متزايد ومتنوع. وترافقت هذه الظاهرة مع تنظيم المعارض الكبرى وتوزيع المنشورات والكتب الفنية. وقد ادى مرور الرسامين والنحاتين المشهورين عالمياً في لبنان الى جعل هذا البلد مركزاً رئيسياً للإبداع الفني اذ أضحى المحور الاقتصادي في منطقة الشرق الاوسط.

وبعد الفترة التي تميزت بسحر الإبداع الغربي الذي فرض معاييره واذواقه وسوق فنه، امسى العديد من الفنانين اللبنانيين قادرين على فرض إلهامهم الخاص من خلال التطرق الى موضوعات قريبة من المجتمع اللبناني.

وفي الوقت نفسه فقد تزامن القرن العشرون في اوروبا مع ارادة استقلالية المرأة وبداية التحركات الأولى للنساء اللواتي يبحثن عن تغيير المفاهيم الذكورية في المجتمع، وبعد استبعادهن حتى العام 1900 من دخول ورش عمل الفنون الجميلة تراهن اليوم في طليعة الحداثة. وبدورهن، التزمن بالبحث عن الحداثة والانصراف الى الكتابة والرسم والنحت او تأليف الموسيقى. ولكن على الرغم من ذلك، ووفقاً لـ<ماري جو بونيه>: <ان التقييم الذي أجرته المتاحف الفنية العظيمة الحديثة والمعاصرة حول مساهمة المرأة في فن القرن العشرين يكشف وللأسف التعتيم الاعلامي بحيث ان 5 بالمئة  فقط من الاعمال المعروضة في سنتر <Musee National d’Art Moderne Du Centre Georges Pompidou>  تحمل توقيع النساء. <فهل هذا انعكاس للواقع التاريخي، او قراءة مؤيدة لتاريخ الفن في القرن العشرين الذي يزيل بطبيعة الحال تميز العنصر النسائي؟>.

ويضيف <اوديل>:

– لا يختلف موقع المرأة الفنانة في لبنان وخاصة في العصر الحديث. وقد كتب تاريخ الفن من الرجال واليهم.. ومع ذلك فقد انجزت النساء في لبنان وابتكرن العديد من الاعمال والابداعات الفنية بعد الحرب العالمية الثانية لغاية السبعينات، اذ قمن بتغيير الرموز على طريقتهن وباعطاء القدرة لوريثاتهن على دخول التاريخ المعاصر.

والى جانب فعالياته العديدة في اكثر من مجال، يدعو معرض <بيروت آرت فير> ايضا من 13 لغاية 20 ايلول/ سبتمبر الجاري الفنانين للتعبير عن أنفسهم في المشهد الحضاري للعاصمة حيث ستتحول الاماكن العامة والمحلات التجارية في وسط المدينة الى واجهات للإبداع الفنّي وسيتم تسليط الضوء على الإرث الثقافي لمدينة بيروت، بدعم من وزارة الثقافة ووزارة السياحة وبلدية بيروت و<سوليدير>.