21 September,2018

مـعــايـنــــــة فــــي سـجــــــن الـرمـــــــل!

 

بقلم  الدكتور زياد محيو

ziad-mehio-2

عام ١٩٧٠ كنت طبيباً متمرناً في مستشفى البربير. في يوم، اتصل بي صديق الطفولة المحامي عدنان حوري، يطلب مني معاينة مريض في سجن الرمل. لم أتردد بالموافقة، فقد كنت طبيبا حديث التخرج وحبي للمغامرة والمعرفة وفضولي جعلاني أقبل من دون تردد. كان عدنان على علم بحاجتي للعمل. حصل لي على تصريح ودخلت السجن لمعاينة مريضه.

آنذاك كان سجن الرمل في الطريق الجديدة، التي كانت تعد الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت. الرمال كانت تحيط بالسجن من كل جانب فسمي بـ<سجن الرمل> (أنشأ في عام ١٩٣٤ وتمّ هدمه في السبعينات).

عند دخولي السجن شعرت بالخوف والرهبة بسبب الظلام وكآبة المساجين في زنزاناتهم المغلقة بأبواب من القضبان الحديدية الغليظة. عندئذٍ تساءلت: هل بإمكاني تحمل العيش في مكان كهذا؟ اكتأبت لمجرد التفكير بهذا المكان المخصص للقصاص. فمنذ صغري أحب الحرية والأماكن الشرحة والمنورة. كانت هذه الزيارة بمثابة صدمة أثارت عندي شعور التعاطف مع الشفقة على هؤلاء الخارجين عن القانون، متمنيا تأهيلهم.

الأمكنة التي زرتها داخل السجن جعلتني أخاف وأرتعب من مصير هؤلاء السجناء. لا شيء جميلاً داخل هذه الزريبة المظلمة في وسط النهار… قضبان حديدية غليظة، أرض غير سوية، بلاطها الحجري أصفر اللون مع تراكم الغبار والأتربة المعجونة بالماء والملتصقة بالشقوق، جدرانها المطلية لا لون لها، مليئة بالتعرجات والتصدع مع بعض الكتابات.

داخل السجن التقيت بزميل من مدرستي، وبشاب من الجيران من سكان طريق الجديدة. أدخلني السجان الى غرفة ضيقة فيها طاولة تستخدم كسرير للفحص. أدخل المريض، وهو شاب من عمري (25 سنة) ومن منطقتي، متهم بقضية تتعلق بالأمن العام. هذا الشاب لم ينه تعليمه الثانوي ولا المهني. قمت بواجبي كطبيب وعند المغادرة طلب مني طمأنة والدته عن صحته.

بعد ثماني سنوات التقيت بهذا الشاب في مستشفى <البربير>. في البداية لم أعرفه، فعرّفني عن نفسه. لقد أصبح من المسؤولين عن أمن المنطقة وعلى خطوط التماس بين شرق بيروت وغربها، مثل: <أبو الجماجم> و<أبو العباس>… وفي عام 1985 أصيب بطلق ناري، تم شفاؤه دون عاهة ولكن <مش كل مرة بتسلم الجرة>، فبعد هذا الحدث بثلاث سنوات أصيب من جديد إثر انفجار، واستوجبت إعاقته إقامة دائمة في دار العجزة بعد الطلب والموافقة من مديرها.

في شارع حمد، التقيت بصديق الطفولة الأستاذ عدنان في منزل والده أبو عصام (مدير مستشفى دار العجزة في ذلك الوقت)… دار حديثنا عن هذا الإنسان الذي أصبح معاقا. لقد أفصح هذا الشاب لمحاميه عن سبب انحرافه… قبل حمل السلاح، فتش عن عمل شريف يعيش منه بفخر وعزة، وعندما عجز شعر بالإحباط والضجر، وعندئذٍ نما عنده حب الانتقام، ففقدانه لتحقيق ذاته كان السبب لخروجه عن القانون.

زاد أبو عصام على كلام عدنان مركزاً على ضعف الروابط الأسرية، والمشاكل التي تلقي بظلها على صغار السن الذين يلجؤون إلى التشرد والهروب من الواقع الاجتماعي المحيط بهم، فيما سلوك المجتمع يدفعهم إلى الشعور بالكراهية اتجاه قوانينه فيتعمّد بعضهم الانحراف.

مثلا: الفوارق بين الطبقات تؤدي إلى شعور أفراد الطبقات الدنيا بالعزلة والعجز عن توفير أدنى متطلبات الحياة لأولادهم.

شعور الحسرة والعجز ينمو عند العاطلين عن العمل، ممّا يؤدي إلى الانعزال والبحث عن وسائل للهروب من الواقع بالإسراف في تناول الكحول أو تعاطي المخدرات أو الانتحار أو الهجرة.

فضعف الوعي الثقافي عند بعض العاطلين عن العمل يؤدي الى التطرف والى استغلال جسدهم وإهدار حقوقهم في وطنهم وخارجه، ذلك أن نسبة البطالة في لبنان تصل الى حوالى الأربعين بالمئة، ممّا تسبّب في هجرة ثروات البلاد المادية والفكرية.

فلِم لا يكون موضوع حملة الانتخابات النيابية المقبلة عند المرشحين <البطالة>؟ وإذ ذاك ينتخب المواطن حسب البرنامج المطروح ويختار المرشح الذي لا تتوافر لديه الصفات التي ذكرها الامام جعفر الصادق بقوله: لا تصاحب خمسة:

الكذاب: هو مثل السراب يقرّب منك البعيد، ويبعّد عنك القريب.

الأحمق: يريد أن ينفعك فيضر بك.

البخيل: يقطع بك أحوج ما تكون إليه.

الجبان: يسلمك ويفر عند الشدة.

الفاسق: يبيعك بأكلة أو أقل منها، قيل: وما أقل منها؟ قال: الطمع فيها ثم لا ينالها.