14 December,2018

مـسـانــــــدو ”غــصـــــــن“ يـطـلــبـــــــــون الــرحـمـــــــــة مـــــن بـيـــــــــروت وبــــــــــاريــس وبــرازيــلــيـــــــــــــا!

 

بقلم وليد عوض

 

الرموز اللبنانية في النشاط الخارجي تعودت أن تملأ الدنيا وتغطي الآفاق. هل ننسى جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وروز اليوسف ومايكل دبغي والدكتور فيليب سالم ومؤخراً الصناعي كارلوس غصن الذي قبضت عليه السلطات اليابانية في مطار طوكيو بتهمة تبديد 47 مليون دولار من أرباح شركة سيارات <نيسان ــ رينو>، وحصوله على راتب ضخم لا يناله عادة الملوك وأولياء العهد، واعتبرها أحد النواب في عهد الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> مسألة تخدش التوازن الاجتماعي.

ووصلت ملاحقة السلطات اليابانية لـ<كارلوس غصن> الى شرائه شقة فخمة في شارع لبنان ضمن منطقة بيروت، وتسجيلها باسم شقيقه، والتحقيق الياباني جارٍ بكل همة لاكتشاف مخالفات مالية أخرى في سجل <كارلوس غصن>.

وقد تداول الرئيس ميشال عون مع وزير العدل سليم جريصاتي في موضوع <كارلوس غصن> باعتبار أنه يحمل الجنسية اللبنانية الى جانب الجنسية الفرنسية والجنسية البرازيلية، ولكن الوزير جريصاتي بعد التفاهم مع الرئيس عون واطلاع الرئيس الحريري على مضمون التحرك، أخذ الضوء الأخضر في الامساك بالملف.

ويعتمد جريصاتي على الاتفاق الدولي لمكافحة الفساد عام 2009، وعليه توقيع لبنان واليابان، أي البلدين اللذين يمسكان بملف الصناعي اللبناني، وعلى هذا الأساس يطالب وزير العدل اللبناني السلطات اليابانية بتسليم <كارلوس غصن> الى لبنان بالاستناد الى القانون الدولي عام 2009، والقضاء اللبناني، بدءاً من النائب العام سمير حمود يقوم بتحضير الملف الخاص بالاسترداد.

وقد أخذ الملف طابعاً عالمياً في كواليس مؤتمر العشرين في الأرجنتين، واعتبر الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> ان الجنسية الفرنسية التي يحملها <كارلوس غصن> تحتم على القضاء الفرنسي الدخول في ملف الاسترداد، وبذلك أخذ ملف الرجل طابعاً دولياً.

وبرغم عدم انعقاد مجلس الوزراء اللبناني من أجل متابعة القضية، فإن وزير العدل سليم جريصاتي، ووزير الخارجية جبران باسيل، مولجان بالموضوع، والسفير الياباني في بيروت <ماتاهيرو ياماغوشي> مشغول هو أيضاً بملف <كارلوس غصن> لأنه مسؤول عن ملف شركة سيارات <نيسان> اليابانية الى جانب شركة <رينو> الفرنسية. كما ان سفير لبنان في طوكيو نضال يحيى مولج بمتابعة الملف وإن قال انه طلب لقاء <كارلوس غصن> فلم يأخذ الموافقة… بسهولة!

وتأتي قضية <كارلوس غصن> لتذكر بقضية يوسف بيدس رئيس بنك <انترا> الذي لجأ الى سويسرا في عهد الرئيس شارل حلو. فلم تجد السلطات اللبنانية الوسائل المطلوبة لاسترداد الرجل، علماً بأن القانون الصادر عام 2009 لم يكن قد صدر بعد.

وحجة يوسف بيدس في مذكراته التي كتبها من جنيف ان الدولة اللبنانية لم ترحم ظروفه وكان يستعد لتسديد ديون <انترا>، ولكن الدولة اللبنانية لم تفسح له هذا الطريق وكان الموعد ظهر يوم سبت!

 

<كارلوس غصن> على الخط!

 

صناعي دولي من لبنان واقع في الفخ الياباني. وكما ان الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> مسؤول عن استرداده كمواطن يحمل الجنسية الفرنسية، كذلك فإن الرئيس اللبناني ميشال عون مسؤول عن الاسترداد لأن <كارلوس غصن> يحمل الجنسية اللبنانية، وله في البلد استثمارات ستكشف مع التحقيق القضائي، والسفير الفرنسي في لبنان <برونو فوشيه> مكلف هو أيضاً بمراسلة الخارجية الفرنسية حول قضية <غصن>، ووزير الخارجية الفرنسي <جان ايف لودريان> متأهب للدخول على الخط.

وقد برز من يدافع عن <كارلوس غصن> في لبنان، واعتباره رمزاً لبنانياً طليعياً، مثل وزير الاقتصاد رائد خوري، وبذلك دخلت القضية في صميم الانشغال اللبناني، وستكون قضية <غصن> شاغل أول جلسة لمجلس الوزراء بعدما تتألف الحكومة الجديدة. وهناك موقفان في مجلس الوزراء: واحد يدعو الى استرداد <كارلوس غصن> مهما كانت الاعتبارات، وآخر يدعو الى تفحص القضية بروح قضائية تلتزم بأحكام القضاء، فإما يكون الرجل مستهدفاً من جهات دولية، أو يكون متورطاً فعلاً في مخالفات مالية.

ماذا يقول حزب الله؟

يبقى الشأن الحكومي.. فقضية <كارلوس غصن> تحتاج الى مجلس وزراء، وأي تغريد سياسي خارج هذا المجلس سيكون رسماً على الماء وحطباً في ليل.

هل يكون هناك مجلس وزراء قبل حلول عيد الميلاد يوم الخامس والعشرين من هذا الشهر؟

أغلب الظن ان المشكلة معقدة وليس في الوارد أن يتنازل الرئيس سعد الدين الحريري عن موقفه السلبي من كتلة النواب المسلمين الستة عبد الرحيم مراد، وفيصل كرامي، وعدنان طرابلسي، والوليد سكرية، وقاسم هاشم، وجهاد الصمد نائب الضنية، وما دام هذا الموقف السلبي مستمراً، فلا حكومة في الوقت الحاضر، بل يستطيع كل وزير أن يتابع مسؤولياته التي لا يلزمها تشريع. وقد دخل الرئيس نبيه بري على الخط وقرر أن يكون التشريع البرلماني بديلاً عن قرارات مجلس الوزراء حتى إشعار آخر. وكلمة طيبة من الرئيس نبيه بري قد تقلب الموقف رأساً على عقب. فهل يفعل وحليفه حزب الله مستمر في مساندة النواب المسلمين الستة؟ إذا فعل، وهذا مستبعد، فيهز التحالف القائم بين حركة <أمل> وحزب الله، وهو أمر مستبعد في الوقت الحاضر.

 

أبو الصبي

إذن ما هو الحل؟!

اجتماعات الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري مستمرة، وإن كان الحل متعسراً. والنواب المسلمون الستة في غير الوارد أن يتنازلوا عن مواقفهم بدخول الحكومة، والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي يرسل عظاته التي لا يملك غيرها، وإن كان موقفه مؤثراً في الرأي العام المسيحي. وقد أورد الرئيس عون مؤخراً قصة سليمان الحكيم حين واجه امرأتين تختلفان على أمومة طفل صبي وعندما هدد بشطره نصفين لكل واحدة منهما النصف خرجت الأم الحقيقية للصبي من الجموع لتقول إنها تتنازل عن أمومة الصبي للمرأة المنافسة، وهكذا صار لقب الرئيس عون هو <أبو الصبي> الذي رفض تقسيم الولد تحت شعار الأمر بالعدل.

وواقع الأمر ان الرئيس عون ليس وحده أبا الصبي. فالرئيس بري المرتبط بتحالف صادق وأمين مع حزب الله يرتفع فوق العلاقات الحزبية والتصرفات الخاصة ويتعاطى الشأن السياسي بأخلص التوجهات، وهو كذلك <أبو الصبي> على صعيد البرلمان والمشاركين في الحكم. والرئيس سعد الحريري هو <أبو الصبي> في السلطة الثالثة، ويرفض أن يتنازل عن حقوقه الدستورية في سبيل أن يكسب ود حزب الله في مسألة النواب المسلمين الستة. وقد قال في غير مناسبة انه لم يستلم مقاليد السراي الحكومية حتى يستمع الى الحزب وهو يقول له عيّن فلاناً وأبعد فلاناً آخر. فهو صاحب الكلمة في هذا الموضوع أولاً وآخراً، و<إذا لم يعجبكم الأمر فتشوا عن غيري>. ولكن ليس هناك غيره في الوقت الحاضر. فالرجل الذي يمكن أن يكون البديل، وهو الرئيس نجيب ميقاتي، حريص على الشارع الطرابلسي بالمعيار نفسه الذي يجعله حريصاً على الإمساك بالسلطة، والشارع الطرابلسي غارق في الهموم المعيشية وهي الاعتبار الأول الذي يتقدم السؤال من الممسكين بالسلطة، ولكنه صاحب حضور وداعية تظاهرات إذا كان الأمر يتعلق بأبناء له وراء قضبان السجن مثل المساجين الاسلاميين. فإن جاء زيد أو حضر عمرو، تكون المسألة محسومة كسلطة، ولكن المواطن الطرابلسي المغلوب على أمره تبقى القضايا المعيشية في طليعة اهتماماته، وأصرح مثل على ذلك كان يأتي على لسان الرئيس الراحل عمر كرامي حين أشار الى ذلك المواطن المظلوم والضعيف الدخل في منطقة الأسواق وهو يسأل البقال أن يسكب ماء من قطرميز الجبنة الحلوم على رغيف يحمله لأنه غير قادر على دفع ثمن الجبنة!!

والزائر الغريب وهو يمر في حي السويقة الذي يسكنه قوم محدودو الدخل يسأل كيف يستطيع أهل هذا الحي أن يعيشوا بأمان معيشي في هذه المنطقة؟ وما يسري على منطقة السويقة يسري كذلك على احياء أخرى لا بد أن تأخذ حقها من التطوير على أيدي نوابها الرئيس نجيب ميقاتي، وجان عبيد، وفيصل كرامي، وسمير الجسر، ومحمد عبد اللطيف كبارة، ونقولا نحاس، والناس لا يرفضون الآن ما حصل، ولكنهم سيحاسبون من الآن فصاعداً.

وباب الاستثمار في طرابلس مفتوح على مصراعيه، ذهاباً من سوق البازركان، وسوق النحاسين، وباب التبانة وطلعة القبة. وسيكون السؤال: ماذا فعلتم بالمشاريع المطلوبة لطرابلس؟ وهل يكفي المشروع الاقتصادي الذي أنيط بالوزيرة السابقة ريا الحسن؟! اليد الواحدة لا تصفق ولا بد من تعاون الجميع في حركة واحدة، لجعل طرابلس مدينة الحضارات والتراث القومي، والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة.

ولأن مجلس الوزراء يبقى مصدر السلطات، فإن المبادرة هي الآن في يد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وقد آن الأوان ليكون في صدر المسؤولية والقرار، وخصوصاً في مسألة النازحين السوريين المتعطشين للعودة الى ديارهم، والتعاطي مع الحكومة السورية في هذا الباب لا بد منه!

ولا بد أن تكون سنة 2019 هي سنة ميشال عون ومجلس الوزراء، والناس سيحاسبون!