12 December,2017

مـرفــــأ طــــرابـلـس بـيـــن الـواقـــع والـمـرتـجــــى!

 

بقلم طوني بشارة

احمد-تامر--(1)----a

طرابلس مدينة عريقة، ضاربة في جذور التاريخ بدءاً من زمن الفينيقيين، وقد لعبت دوراً بارزاً على مر العصور بالنظر لموقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط، فهي صلة الوصل ما بين الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط والداخل السوري والعربي، مما جعلها ولفترة طويلة مركزاً تجارياً مهماً على مستوى المنطقة، فهل ستستعيد المنطقة دورها نظراً لموقعها واهمية مرفئها؟ وهل سيساهم مرفؤها والقيمون عليه بتحريك عجلتها الاقتصادية وتطوير أوجه الحياة المدنية فيها؟

فالمتتبع للأوضاع يلاحظ ان طرابلس تتمتع بمرفأ نموذجي تبلغ مساحته الإجمالية 3 ملايين متر مربع، منها مليون ونصف المليون متر مساحة مائية، و950 ألف متر مساحة أرضية، و550 ألف متر منطقة اقتصادية حرة، مرفأ رائع وضخم طور نفسه بنفسه اذ انه وعلى الرغم من سياسة وضع «العصي في الدواليب» التي يحاول البعض اتّباعها لمنع ازدهاره، والسعي المستمرّ لتحجيمه وإبقاء الأضواء مسلّطة على مرفأ بيروت، يحاول مرفأ طرابلس ان يطوي نصف قرن من الإهمال واللامبالاة الرسمية ليولد مجدداً، ويخرج على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بمواصفات دولية حديثة غير متوافرة لدى سواه من المرافئ العربية.

وبالفعل دخل مرفأ طرابلس مرحلة جديدة من التطور، من المفترض أن تؤهله لأن يلعب دورا محوريا على صعيد المنطقة ككل، وذلك مع وصول الرافعات العملاقة المتطورة من الصين في نهاية شهر شباط (فبراير) الماضي، والتي ستساهم باطلاق العمل في رصيف الحاويات الجديد الذي بات قادرا على استقبال أضخم أنواع السفن من خلال غاطسه البالغ 15.5 أمتار، وعلى منافسة أهم المرافئ في العالم.

ومن المفترض أن يشهد رصيف الحاويات في مرفأ طرابلس حركة ناشطة من خلال شركة <غولف تينر>، مع إنتهاء العمل بتركيب الرافعات العملاقة التي ستستغرق نحو 50 يوما، على أيدي مهندسين إختصاصيين وصلوا من الصين قبل أيام وباشروا أعمالهم، ومع إفتتاح خطوط مباشرة من طرابلس الى المرافئ الأساسية في المنطقة في تركيا ومصر والأردن، يضاف الى ذلك مشروع البنى التحتية وإستكمال التوسعة الممول من <البنك الاسلامي> بقيمة 67 مليون دولار وربعه هبة.

 وكانت الرافعات العملاقة قد وصلت الى مرفأ طرابلس على متن الباخرة <ميغا كرافان 2>، وهي تزن 17644 طنا، وهي بطول 164 مترا وعرض 47 مترا.

 فما أهمية هذه الرافعات؟ وكيف تطور مرفأ طرابلس منذ عام 2013 و حتى تاريخه؟ وما هي قدرات هذا المرفأ التنافسية؟

أسئلة عديدة للإجابة عنها قابلت <الأفكار> رئيس مجلس إدارة <غولف تينر> أنطوان عماطوري كما نقلت رأي مدير مرفأ طرابلس احمد تامر.

انطوان عماطوري ومناقصة 2013

 

بداية أفادنا أنطوان عماطوري رئيس مجلس إدارة <غولف تينر> بأن شركته عام 2013 ربحت مناقصة تجهيز المرفأ بالمعدات وتشغيله لمدة 25 سنة، ولكن الدولة رفضت بداية إعطاءه المناقصة بحجة عدم جهوزية البنى التحتية للمرفأ، فأصر عماطوري على المناقصة وطرح فكرة إعطاء المرفأ مبلغ 10 ملايين دولار للبدء بالبنى التحتية كدين من دون فائدة.

وعن كيفية تشغيل المرفأ قبل استلام المعدات الحديثة وعن الجدوى الاقتصادية للمرفأ يقول عماطوري:

– عام 2015 استأجرنا معدات بشكل مؤقت بغية تشغيل المرفأ الى حين وصول المعدات الحديثة، كما اشترينا باخرة هدفها نقل البضائع من بيروت الى طرابلس وباخرة أخرى من مصر الى طرابلس، واخذنا رخصة مسافنة بغية تفعيل مرفأ طرابلس وهذه الرخصة سمحت لنا بنقل البضائع من سفينة الى سفينة أخرى عن طريق المناطق الحرة قبل دخولها في لبنان الى مرفأ بيروت، وبهذه بالرخصة يتم تخليص المعاملات الجمركية للحاويات لدى مرفأ طرابلس مما يوفر الوقت والتكلفة والنقل على أصحاب الحاويات التي تنقل البضائع، وفي الوقت ذاته استحصلنا على رخصة مسافنة تسمح لنا بنقل البضائع من مصر الى مرفأ طرابلس.

 

المنافسة البناءة والمعدات الضخمة

انطوان-عماطوري----a

وتابع عماطوري:

– هذا الامر فتح باب المنافسة من قبل الخطوط البحرية التي وجدت ان هناك سوقاً لطرابلس ولاهالي طرابلس والشمال، مثل العربية، أركس، تركم….. ففتحت فروعاً لها بطرابلس، وهذه المنافسة بنتيجة الحال ستنعش مرفأ طرابلس.

واستطرد عماطوري:

– أما بالنسبة للجدوى الاقتصادية للمرفأ، فإن لدى شركتنا حالياً 60 موظفاً بطريقة مباشرة، وهي تشغل ما لا يقل عن 300 موظف بطريقة غير مباشرة، علما انه من بعد استلامنا للمعدات الحديثة سنوظف ما لا يقل عن 350 موظفاً وسنشغل بطريقة غير مباشرة حوالى 800 موظف من أصحاب كميونات ومكاتب تخليص معاملات وجمارك وعتالة..

ــ علمنا ان شركة <غولف تينر> أعطت المرفأ مبلغ 10 ملايين دولار كدين بدون فائدة، فعلى أي أساس تم ذلك؟

– ان <شركة معوض> التي فازت بمناقصة تجهيز البنى التحتية للمرفأ لم تتمكن بداية من القيام بمهامها بسبب عدم وجود أموال لدى الدولة، فعرضنا فكرة إعطاء مبلغ 10 ملايين دولار للمرفأ بغية المبادرة باعمال البنى التحتية، علما ان التكلفة هي 60 مليون دولار وهناك مساعدات لتكملة البنى التحتية من قبل <البنك الإسلامي> و<بنك مونديال>.

وعن أهمية المعدات الضخمة التي استلمتها <غولف تينر> يقول عماطوري:

– تعتبر هذه المناسبة حدثاً تاريخياً لمرفأ طرابلس حيث تأتي بعد مسيرة شاقة وطويلة من العمل الدؤوب والمضني لشركتنا <غولف تينر> بالتعاون مع ادارة المرفأ ووزارة الأشغال العامة والنقل، وتعتبر هذه الرافعات التي استقدمناها الأحدث في العالم، ان على صعيد السرعة او على صعيد قدرتها على الوصول الى اي عمق موجودة فيه الحاويات على متن البواخر.

وتابع عماطوري:

– هذه المعدات مجهزة لآخر جيل من البواخر التي تستوعب 17000 كونتينر، وتسمى معدات عملاقة مجهزة خصيصا لإنزال البواخر العملاقة، ولدينا أمل ان تصبح الحركة للبنان وسوريا محصورة بمرفأ طرابلس، على اعتبار ان تجهيزاً كهذا غير موجود لدى مرفأ اللاذقية أكبر مرفأ بسوريا حيث طول الرصيف 400 متر وعمق البحر 12 متراً، أما في طرابلس فطول الرصيف 600 متر وعمق البحر 15 متراً مما يسمح بإستيعاب البواخر الضخمة، من هنا نرى ضرورة تفعيل مرفأ طرابلس القادر على استيعاب البواخر الكبيرة ومن ثم يتم نقل البضائع اما بالبر او بالبحر الى سوريا عن طريق بواخر أصغر، وذلك مع التأكيد الدائم على ضرورة إعادة العمل لسكة الحديد التي تصل الى حدود حمص بمسافة 30 كلم..

 

المقارنة بين مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس

ــ ما الذي يجعل مرفأ طرابلس أفضل من مرفأ بيروت لنقل البضائع الى سوريا؟

– هنا لا بد من الإشارة الى ان المسافة من طرابلس الى حمص ومن ثم الى العراق أقصر وأقرب من بيروت ــ الشام ــ العراق، كما ان الطريق من طرابلس الى الشام اسهل بكثير، فهي عبارة عن أوتوستراد مما يسهل عملية النقل برا صيفا وشتاء، وهذا الامر غير متوافر على طريق بيروت ــ الشام ــ العراق حيث تصبح عملية نقل البضائع الى سوريا عبرها صعبة نوعا ما خلال فصل الشتاء، كما ان الشركة التي تشغل مرفأ طرابلس لديها محطة حاويات في العراق مما سيخلق حكما صلة وصل بين طرابلس والعراق.

ــ أشرت في سياق حديثك الى ان تعرفة طرابلس أرخص للمواطن وأربح للدولة، فعلى أي أساس تم الارتكاز؟

– بعد الاعتراضات التي تداولت مؤخرا قطاع الخدمات المرفئية حول تدني أسعار التعرفة على المواطن في مرفأ طرابلس وموافقة الدولة على هذا الفرق في التعرفة بين مرفئي طرابلس وبيروت، لا بد من توضيح هذه الأسباب، فبالفعل قد ثبت بالأرقام ان نسبة الدولة من الأرباح في مرفأ طرابلس هي اكثر بكثير من نسبة أرباحها في مرفأ بيروت سواء في القيمة التوظيفية او في القيمة التشغيلية للمرفأ.

وتابع عماطوري:

– ان أرباح الدولة في المرفأ تأتي من عنصرين أساسيين هما: الجمارك وارباح استثمار المرفأ. فبالنسبة للجمارك، تطبق تعرفة الجمارك ذاتها في بيروت وطرابلس، ولكن تختلف أساليب تنفيذها بين المرفئين، ويعود ذلك الى ان المراقبين في مرفأ طرابلس جدد حيث تم تعيينهم حديثا، وهم يدققون بكل معاملة ويتوخون الدقة وعدم الوقوع في الخطأ، من هنا ينعكس الامر على دقة مداخيل جمارك طرابلس المكفولة.

واستطرد عماطوري:

– أما في ما يتعلق بأرباح استثمار المرفأ فهي تأتي من ناحيتين: الأولى المردود من التشغيل، والثانية المردود على الرأسمال.

عماطوري والأرقام

ــ هل من الممكن تفسير ذلك باعتماد الأرقام؟

– ان تشغيل مرفأ بيروت يتطلب 400 موظف مع بنية تحتية ذات كلفة عالية بحدود 80 مليون دولار، ومدخول محدود خارج محطة الحاويات، مما يستوجب على المرفأ وضع تعرفة على محطة الحاوية بأسعار اقلها على حاوية الـ20 قدماً 300 دولار وعلى حاوية الـ40 قدماً 550 دولاراً كي يغطي مصاريفه.

اما في تشغيل مرفأ طرابلس فيوجد 38 موظفاً مع بنية تحتية ذات كلفة متدنية لا تتعدى الـ5 ملايين دولار، ومدخول يتجاوز الـ20 مليون دولار قبل تشغيل محطة الحاويات، فأمام هذا الواقع يكتفي مرفأ طرابلس بوضع تعرفة على حاوية الـ20 قدماً بقيمة 140 دولاراً، وعلى حاوية الـ40 قدماً بقيمة 260 دولاراً لزيادة أرباحه فقط، لان مدخوله من خارج المحطة يكفيه، ووفقاً لما بيناه أعلاه يتجلى لنا وبشكل واضح لا ريب فيه ان مردود الربحية في مرفأ طرابلس اكثر بكثير من مردود الربحية في مرفأ بيروت.

ــ ماذا عن المردود على الرأسمال؟

– ان الرأسمال في مرفأ بيروت يقدر بأكثر من 10 مليار دولار نظرا لمساحة ارضه التي تتجاوز الـ1300000 متر بإعتبار سعر المتر الواحد يتراوح بين 7000 دولار و 10000 دولار، ولكن المدخول لا يتجاوز قيمة 250000000 دولار مما يجعل مردوده ينعكس على الرأسمال بنسبة 2,5  بالمئة اي بنسبة اقل من الفائدة التي تدفعها الدولة على دينها.

وتابع عماطوري:

– بينما الرأسمال في مرفأ طرابلس فيقدر بـ300000000 دولار لان مساحة ارضه لا تتجاوز الـ900000 متر وبسعر 300 دولار للمتر الواحد، ولكن مدخوله بقيمة 20000000 دولار قبل بدء تشغيل محطة الحاويات، مما يجعل مردوده ينعكس على الرأسمال بنسبة 6.5  بالمئة قبل بدء تشغيل المحطة التي ستزيده تلقائيا الى نسب اعلى بكثير عند تشغيلها، وهذا الامر يؤكد نظرية الدولة بضرورة الانماء المتوازن فيتوجب توجيه الاستثمار نحو مرفأ طرابلس وخلق استثمار جديد في مرفأ صيدا، وكل ذلك بغية تقليص حجم الاستثمار في مرفأ بيروت ليصار الى تخفيف الرساميل الباهظة الموظفة فيه وتوظيفها في قطاعات أخرى مما يعود بالنفع والفائدة على المصلحة العامة.

 

أحمد تامر واهمية الرافعات

 

اما مدير مرفأ طرابلس احمد تامر فنوه بان الرافعات التي وصلت الى حرم المرفأ هي الاحدث والأكثر تطوراً على مستوى العالم، وتضاهي الرافعات الموجودة حالياً في موانئ الصين وسنغافورة والولايات المتحدة الأميركية وروتردام في هولندا، وقال:

– لقد وصل منذ بضعة أيام عبر مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري ٢٥ مهندسا من الصين لتركيب المعدات على رصيف الحاويات في المرفأ طبقاً للمواصفات الدولية، ويعتبر المرفأ بوضعه الحالي بمصاف المرافئ العالمية الحديثة، والرافعات التي وصلت ستحدث نقلة نوعية في استقطاب التجار وشركات الملاحة لاعتماد مرفأ طرابلس محطة اساسية لاستيراد وتصدير بضائعهم، خاصة ان هذه الرافعات تمتاز بالسرعة في عمليات التفريغ، وبامكانها ان ترفع اي حاوية مهما كان وضعها في الباخرة المحملة عليها.

 وشكر تامر شركة <غولف تينر> والقيمين عليها بشخص رئيس مجلس ادارتها على ثقته بالمرفأ وتخصيص اموال كبيرة للاستثمار فيه، لافتا الى أن ثمن الرافعات التي وصلت اليوم وستصل خلال المرحلة المقبلة يتراوح ما بين 50 و 52 مليون دولار.