16 October,2018

”مـتـحف سـرسق“ يـستضـيـف مـنـتـــدى ”رابطـة المدن الكنعانية والـفـيـنيـقـيـة“!

بقلم وردية بطرس

2a

يكون اسم صور دائماً مقترناً بالحديث عن التاريخ والآثار والحضارة… وتعتبر صور من المدن القديمة ذات التاريخ العريق، وفيها آثار عديدة من كل الحقبات المتعاقبة مثل الاغريقية والبيزنطية والرومانية والعربية والعثمانية. ويعود تاريخ تأسس صور الى بدايات الألف الثالث قبل الميلاد، وكان عصرها الذهبي في غضون الألف الأول قبل الميلاد. وفي القرن العاشر قبل الميلاد قام ملكها <أحيرام> بإنجاز عدد من المشاريع العمرانية، فوصل الجزر بعضها ببعض وردم جزءاً من البحر بهدف توسيع رقعة المدينة الساحلية، ثم تجاوزت حدودها بفضــــل اقـــــدام تجارها وبحارتها الذين جابوا البحر المتوسط ووصلوا الى سواحل المحيط الأطلسي وأسسوا المستعمرات والمحطات التجارية، ومن بينها قرطاجة في تونس.

وتقع مدينة صور على شاطىء البحر الأبيض المتوسط وتبعد حوالى 83 كيلومتراً عن بيروت باتجاه الجنوب ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر حوالى 10 أمتار وتمتد على مساحة نحو 6.75 كيلومترات مربعة كما يبلغ عدد سكانها 151,000 نسمة تقريباً وتعتبر رابع أكبر مدينة في لبنان. وتعتبر صور واحدة من أشهر حواضر العالم عبر التاريخ من ناحية سيطرتها على التجارة البحرية وانشائها للمستوطنات التجارية حول المتوسط ونشرها للعديد من الديانات في العالم القديم حيث كانت جزيرة في العصور القديمة وجرت فيها تنقيبات أثرية عدة من عهد الصليبيين والعرب والعثمانيين والاغريقيين والبيزنطيين واليونان والرومان والفينيقيين، وبنتيجة هذه التنقيبات قامت <منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة> (الأونيسكو) عام 1979 بإدراج مدينة صور على لائحة التراث العالمي.

وبالرغم من أهمية المدينة تاريخياً وتميزها بآثاراتها إلا ان الحروب التي مرت على لبنان تركت هذه الآثار المنتشرة في مدينة صور وأيضاً الآثارات في صيدا وبعلبك وجبيل فريسة الاهمال والنهب البشري، اذ قام الاحتلال الاسرائيلي بسرقة الكثير من هذه الآثار خلال اجتياح لبنان في العام 1982 من دون ان تتمكن الحكومات المتعاقبة من استرداد هذه المسروقات.

<الجمعية الدولية للحفاظ على صور>

ومدينة صور التي تعرضت لأعنف الهجمات خلال الاحتلال الاسرائيلي، وأكبر السرقات في التاريخ الحديث لم تجد من يدافع عن آثارها وتراثها الا من قبل الغيارى على تاريخ المدينة، فكانت <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> التي سعت اليها سفيرة <الأونيسكو> للنوايا الحسنة الدكتورة مها الخليل شلبي التي كانت السباقة في التنبه لخطر ضياع الآثار، فكانت الجمعية من أولى الجمعيات التي أنشأت في العام 1978 اي خلال فترة الاجتياح لملاحقة جرائم اسرائيل بحق حضارة لبنان ولرفع الصوت عالياً أمام المحافل الدولية. ومنذ انشائها، كرست الجمعية نشاطاتها من أجل صور وآثارها والانسان فيها، وسعت الى التعريف بها وابراز أهميتها وضرورة الحفاظ عليها في مختلف أرجاء المعمورة، فأقامت المعارض والندوات والمحاضرات والحلقات الدراسية، كذلك تمكنت من استصدار قرارات من منظمة <الأونيسكو>، و<مجلس الأمن>، و<البرلمان الأوروبي>، و<المجموعة الفرنكوفونية>، و<مجلس الشيوخ الأميركي> وغيرها من المحافل الدولية تقر كلها بالميزة الثقافية والتاريخية العالمية لمدينة صور، وبمحيطها الأثري وضرورة حمايتها والحفاظ عليها من أجل الانسانية. وتوجت الجمعية جهودها بإدراج صور، جبيل، بعلبك وعنجر على لائحة التراث العالمي، كما عملت الجمعية على استحصال المصادقة على <اتفاقية التراث العالمي> عام 1983. ومن نشاطات الجمعية في السنوات الأخيرة تأسيس <رابطة المدن الكنعانية الفينيقية والبونية> في العام 2009 لكي تساهم في جعل المتوسط مهد الحضارات منطقة تبادل وسلام. وتنظم الرابطة كل عام في شهر أيار/ مايو <يوم فينيقيا> في عدد من مدن لبنان، وفي هذا اليوم يتم تنظيم رحلات مجانية لتلامذة الثانويات الرسمية تنطلق في توقيت واحد من العاصمة بيروت الى جبيل، البترون، أنفة، طرابلس، صيدا، صور وبعلبك حيث تستضيفهم البلديات ضمن امكاناتها المالية مع طلاب محليين، فتنظم لهم زيارات لأبرز المواقع التراثية والأثرية والمتاحف، فهذا اليوم يهدف الى خلق الوعي الثقافي وتشجيع الشباب على التعارف وصون التراث الحضاري الذي يعد ثروة وطنية كبرى. كما تنظم الرابطة سنوياً مؤتمراً في مدينة من المدن الأعضاء وذلك لتنمية روابط مميزة بين مدن الرابطة. ومن أهم انجازات <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> <القرية الحرفية> في مدينة صور حيث ان الأعمال جارية بوتيرة سريعة لاستكمال البناء الذي بدأ في 6 حزيران (يونيو) 2016، وان البناء ذو طابع مميز وحضاري بالأسلوب الفينيقي القروي لناحية استعمال الحجر الطبيعي والطين والخشب وتجهيزات تراعي البيئة بما في ذلك: جمع وتخزين ومعالجة مياه الأمطار، اعادة تدوير المياه المبتذلة، تأمين نظام الطاقة الشمسية… وفي العام 2014 تم انشاء معهد للأبحاث حول الحضارة الفينيقية. وفي العام 1998 نجحت الجمعية في وضع مدينة صور ضمن قائمة الأماكن التي تحظى بعناية منظمة <الأونيسكو> اذ أطلق الأمين العام لـ<المنظمة الدولية> حملة دولية من أجل المدينة، ومن هذا المنطلق ساعدت الحملة في ايجاد مركز من أجل احياء الفنون اليدوية القديمة التي اشتهرت بها مدينة صور.

 

تعيين الدكتورة مها الخليل شلبي سفيرة (الأونيسكو)

 للنوايا الحسنة

وفي شباط (فبراير) 2016 عينت المديرة العامة لـ<الأونيسكو> <ايرينا بوكوفا> رئيسة <اللجنة الدولية للمحافظة على مدينة صور اللبنانية> الدكتورة مها الخليل شلبي سفيرة (الأونيسكو) للنوايا الحسنة، وأفادت (الأونيسكو) بأن تعيين الدكتورة مها الخليل شلبي يأتي اعترافاً بالتزامها بإنشاء <رابطة المدن الكنعانية والفينيقية والبونية> و<مؤسسة صور> اللتين تم انشائهما عن طريق <الجمعية الدولية للحفاظ على صور>، فضلاً عن تفانيها من أجل تحقيق المثل العليا للمنظمة، وأضافت ان الدكتورة مها وهي من مواليد مدينة صور قد قامت بانجاز العديد من الأنشطة الاجتماعية والثقافية الرامية الى حماية مدينة صور المدرجة على قائمة <الأونيسكو للتراث العالمي> منذ العام 1984، وأيضاً التزمت القضايا الاجتماعية والثقافية لتفعيل حوار الحضارات.

وجدير بالذكر ان الدكتورة مها أسست مركزاً طبياً – اجتماعياً في المدينة و<مهرجان صور الدولي>، كما أنها أنشأت في العام 1980 <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> وهي الجمعية التي تقدم الدعم لتنفيذ برامج عدة، مثل <حملة الأونيسكو الدولية من أجل صور وجوارها> التي انطلقت في العام 1988 من أجل اعادة تأهيل المدينة وتطويرها الاجتماعي – الثقافي، كذلك أنشأت <مؤسسة صور> التي تسعى الى تحقيق أهداف عدة منها اقامة متحف في المدينة. وبوصفها سفيرة (الأونيسكو) للنوايا الحسنة ستقدم الدعم لـ<رابطة المدن الكنعانية والفينيقية والبونية>، وهذه الرابطة التي أنشأتها في العام 2009 (الجمعية الدولية للحفاظ على صور و<مؤسسة صور>) تتألف من شبكة من المدن وترمي الى تعزيز التعاون وتبادل الكفاءات والخبرات والمهارات.

وفي <متحف سرسق> في الأشرفية عقدت <رابطة المدن الكنعانية والفينيقية والبونية> المنتدى السادس برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تحت عنوان <التاريخ مصدر الحلول للمشاكل الحالية في البحر الأبيض المتوسط>، وقد أقيم هذا المنتدى برعاية (الأونيسكو) وبالتعاون مع <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> وشارك فيه عدد من المؤرخين والباحثين من لبنان والدول العربية والأوروبية.

 

الدكتورة مها الخليل شلبي وتأسيس <الجمعية الدولية للحفاظ على صور>

 

<الأفكار> التقت الدكتورة مها الخليل شلبي رئيسة <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> وكان لنا حديث عن أهداف ومشاريع الجمعية والجهود التي تبذلها للحفاظ على هذه المدينة العريقة، ونسألها عن تأسيس الجمعية وأهدافها فتقول:

– أبصرت <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> النور في العام 1980 في مقر منظمة <الأونيسكو> في العاصمة الفرنسية <باريس>، وأصبحت في فترة وجيزة جمعية دولية غير حكومية ذات تعاون مع (الأونيسكو)، ويتولى رئاستها حالياً الوزير الفرنسي <هيرفيه دو شاريت>، وتتوليان الرئاسة الفخرية الأميرة <فرنسواز دو بوربون بارم دو لوبكوفيتز> رئيسة <فرسان مالطا> في لبنان، والسيدة <ايلين كارير دانكوس> الأمينة العامة الدائمة لـ<الأكاديمية الفرنسية>. ان <الجمعية الدولية للحفاظ على صور> باتخاذها الثقافة ركيزة لها تهدف الى: الحفاظ على تراث لبنان وثرواته، تعزيز رسالته الحضارية، المحافظة على البيئة، تحفيز عملية تأهيل القطاعات الحرفية التقليدية وترويج السياحة الثقافية والتنمية المستدامة الاجتماعية الاقتصادية.

ــ وما هي مشاريع <الجمعية الدولية للحفاظ على صور>؟

– آثرت الجمعية ان تفخر بالماضي وتحافظ على الارث وتنقله للأجيال المقبلة وتبني المستقبل عبر مشاريع عدة: أولاً: <رابطة المدن الكنعانية> عام 2009 في مقر (الأونيسكو) باريس، للمدن التي اسسها الفينيقيون او كانت لهم علاقات مهمة معها. وتعتبر هذه الرابطة رمزاً للتعاون والصداقة من خلال تبادل المعرفة والخبرات، وتساهم الرابطة في تحقيق مشاريع انمائية، وتنظم سنوياً منتدى ثقافياً عن الحضارة الكنعانية، وفي العام 2016 أصبحت مشروعاً تبنته منظمة (الأونيسكو). ثانياً: طريق الفينيقيين: رمز الحوار والتبادل بين بلدان البحر الأبيض المتوسط ويساعد على توطيد العلاقات التاريخية بين مختلف الشعوب ذات التراث المشترك، وينظم على مدار السنة نشاطات متنوعة، بينها سباقات مراكب شراعية، رحلات بحرية لسفن فينيقية ثلاثية المجاذيف، مهرجانات سياحية في المدن الأعضاء في الرابطة. ثالثاً: المعهد الذي أُنشىء في 2 نيسان (أبريل) 2014 في بيروت، ويهدف الى تشجيع الأبحاث حول الحضارة الكنعانية وتسليط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ لبنان وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، كما ويشجع المعهد على احياء تقاليد الحوار بين الثقافات، ومن مشاريعه: متحف افتراضي، مكتبة متخصصة للأبحاث، مجلة دورية نصف سنوية، منح للبحاثة و<يوم فينيقيا> للطلاب. رابعاً: المتحف الافتراضي الفينيقي، وهو متحف ثلاثي الأبعاد قيد الانشاء يهدف الى عرض قطع عن معالم حضارتنا من هندسة وفن وحرف، بشكل يعطي فكرة واضحة عن تطور الحضارة الكنعانية وعظمتها. خامساً: <جائزة اليسّا – ديدون> التي أنشئت عام 2014 لتكريم سيدات 1aمن حوض المتوسط يعملن من أجل تعزيز وتحسين ظروف المرأة في بلدان حوض البحر المتوسط، وتحفيز التعاون والتبادل بين الشعوب. سادساً: <القرية الحرفية: محترفات صور>.

ــ وما أهمية انعقاد المنتدى السادس في بيروت عن مدينة صور؟

– تمثّل صور كل لبنان، فالثروة التاريخية الموجودة في صور والآثارات التي تركتها الحضارات العديدة هي موجودة في كل المدن اللبنانية، ونحن اعتنينا بمدينة صور خصوصاً لأنه خلال الحرب اللبنانية تعرضت المدينة لخراب ودمار لم تتعرض لهما المدن التاريخية الأخرى. فمدينة صور تعرضت للقصف الاسرائيلي خلال الاحتلال الاسرائيلي والفلسطيني، ونحن اهتممنا بحماية صور من التعديات والخراب والدمار، ثم أكملنا عملنا للحفاظ على آثارات الحضارة الفينيقية في لبنان. وعندما أسسنا <رابطة المدن الكنعانية> انضمت اليها 9 مدن لبنانية أيضاً. ومن خلال هذا العمل نود ان نظهر للشعوب كيف امتدت الحضارة الى البحر المتوسط والعالم بفضل الطاقات الفريدة التي كانت موجودة عند الشعب الكنعاني والفينيقي في الماضي، واليوم نود ان نحفز هذه الطاقات في العصر الحاضر لكي يستفيد الانسان منها ويأخذ الانطباع الجيد ويستوعب أهمية الحضارات وماذا قدمت في الماضي، لتعود العطاءات نفسها والمراجع التاريخية التي تمّ الاعتماد عليها في الماضي فتمتد الجسور اليوم بين البحر المتوسط والعالم. وفي كل سنة تُقام مثل هذه الندوة عن مدينة صور في بلد ما، وهذا العام اخترنا ان تُعقد في مدينة بيروت.

 

وزير العدل السابق ابراهيم نجار: كل المدن الفينيقية التقت حول فكرة الثقافة

 

ونسأل وزير العدل السابق ابراهيم نجار الذي أدار حلقة نقاش خلال المنتدى عن أهمية هذا اللقاء عن مدينة صور فيقول:

– لهذا اللقاء أهمية كبيرة نظراً لأهمية مدينة صور تاريخياً، وفي مكان ما أتساءل: ما نعيشه اليوم في لبنان من تمايز وانقسامات وتدخلات أجنبية وغير أجنبية، ماذا لو كان لبنان قد اعتاد على ذلك منذ زمن طويل جداً، بما معناه ان كل مدينة من المدن الفينيقية كان يتولى ادارتها أمير او والي وكانت كل مدينة تتعاطى مع الخارج، فمنها كانت تتعاطى مع الفراعنة، وأخرى مع بلاد الشام، وأخرى مع الأغريق وغيرهم، وبالتالي السؤال المطروح: هل هناك نوع من مسلك او مسار تاريخي كتُب علينا؟  هل هذا هو قدر لبنان؟ ولكن رغم كل هذا، بالنتيجة كل المدن الفينيقية كانت مجتمعة حول فكرة واحدة الا وهي الحضارة والثقافة، والتبادل العلمي، والتجارة، والانفتاح على الآخر.

وختم قائلاً:

– للأسف الناس في لبنان ليسوا مدمنين على الثقافة كما على السياسة، فاللبناني يميل الى السياسة أكثر من الثقافة، مع العلم ان الثقافة هي الأساس وتقدم الكثير للشعوب والأوطان، ولهذا نأمل ان يكون هناك اهتمام بالثقافة في لبنان ليستعيد ازدهاره.